الذكاء الاصطناعي
أوبن إيه آي تودع سورا.. إغلاق مفاجئ لمنصة توليد الفيديو المذهلة
تقرير فريق “أخبار تك”
نهاية مفاجئة لثورة الفيديو
في تطور صادم وغير متوقع، أعلنت شركة أوبن إيه آي (OpenAI) عن إغلاق منصة “سورا” (Sora) لتوليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي، بعد أقل من عامين على إطلاقها. القرار، الذي أُعلن عبر منشور مفاجئ على منصة إكس (تويتر سابقاً) مساء أمس الثلاثاء، حمل نبرة وداعية حزينة: “نحن نودع Sora” .
المنصة التي أذهلت العالم في فبراير 2024 بقدرتها على توليد فيديوهات واقعية من وصف نصي بسيط، كانت تعتبر واحدة من أكثر مشاريع أوبن إيه آي طموحاً. لكنها لم تصمد طويلاً. فما الذي حدث؟
البيان الرسمي: “وقت الوداع”
في منشور موجع، كتب حساب سورا الرسمي: “في عام 2024، جلبنا Sora إلى العالم لنمنح الجميع القدرة على إنشاء مقاطع فيديو من خيالهم. لقد كانت رحلة لا تُنسى مليئة بالإبداع والمقاطع المذهلة التي أسرت خيال الملايين. لكن حان الوقت لنقول وداعاً لسورا. سيبقى تأثير مجتمعكم في إلهام ما هو قادم” .
المنشور أنهى بإعلان أن المنصة ستغلق أبوابها رسمياً، وأن منشئي المحتوى سيفقدون الوصول إلى مكتباتهم وتاريخهم الإبداعي قريباً، دون تحديد موعد نهائي .
إيليا فيليبس (Ilya Phillips)، أحد المصممين في الفريق، كتب في منشور منفصل: “التعلم العميق الذي بنيته الفرق كان استثنائياً. شرف حقيقي أن أكون جزءاً من ذلك. متحمس لما سيأتي” .
سورا في أرقام: إرث حافل
- تاريخ الإطلاق: 15 فبراير 2024 (نسخة تجريبية محدودة)
- تاريخ التوسع: ديسمبر 2024 (إتاحة لأوسع نطاق)
- الإغلاق: 24 مارس 2026
- أبرز ما أنتجته: فيديوهات بطول 10 ثوانٍ بدقة 1080p مع إمكانية تمديدها إلى 60 ثانية
- الميزة الفريدة: فهم “فيزياء العالم الحقيقي” (World Physics) والتفاعل بين الأشياء في الزمن الحقيقي
في ذروة شعبيتها، كان هناك أكثر من 3 ملايين منشئ محتوى يستخدمون المنصة، وأنتجوا ما يزيد عن 500 مليون مقطع فيديو، وفقاً لإحصائيات غير رسمية .

لماذا أغلقت سورا؟ الأسباب المحتملة
1. الخسائر المالية الضخمة
بحسب تقارير من وول ستريت جورنال وفاينانشال تايمز، كانت سورا واحدة من أكثر مشاريع أوبن إيه آي تكلفة. تشغيل النموذج وحده يكلف الشركة ما بين 50 إلى 80 مليون دولار شهرياً، بينما كانت الإيرادات من المنصة لا تتجاوز 12 مليون دولار .
هذه الفجوة الهائلة جعلت استمرار المنصة غير مجدٍ اقتصادياً، خاصة مع تزايد الضغوط المالية على أوبن إيه آي بعد إعادة الهيكلة الأخيرة وتحولها إلى شركة ربحية بالكامل .
2. ضغوط المنافسة الشرسة
السوق الذي فتحته سورا سرعان ما امتلأ بمنافسين أقوى وأرخص. نماذج مثل “كايروس 3.0” (Kairos 3.0) من الصين، و“دريم ماشين 3” (Dream Machine 3) من لوما لابز (Luma Labs)، و“فيديو بويسون” (Video Poison) من شركة ستايبلتي (Stability AI)، قدمت أداءً مماثلاً بأسعار أقل بكثير .
كما أن نموذج “سيدانس 2.0” (Seedance 2.0) من بايت دانس (ByteDance)، المالكة لتيك توك، حقق انتشاراً واسعاً بفضل تكامله مع منصة الفيديو الأشهر في العالم .
3. تحديات تقنية لم تُحل بعد
رغم إبهارها العالم عند الإطلاق، عانت سورا من مشاكل تقنية مزمنة:
- “الهلوسة الفيزيائية” (Physics Hallucinations) : الفيديوهات كانت تعاني أحياناً من انتهاكات غريبة لقوانين الفيزياء (أطراف تختفي، أشياء تطفو، ظلال غير منطقية)
- فهم علاقات السبب والنتيجة: ضعف في فهم كيفية تفاعل الأشياء مع بعضها في المشاهد المعقدة
- طول الفيديو: محدودية توليد مقاطع طويلة دون فقدان الاتساق
4. المخاوف الأمنية والقانونية
مع تزايد استخدامات التزييف العميق (Deepfakes) في الانتخابات والحملات السياسية، تعرضت سورا لضغوط من منظمات حقوقية تطالب بضوابط أكثر صرامة. في أكتوبر 2025، رفعت مجموعة من الفنانين ومخرجي الأفلام دعوى قضائية ضد أوبن إيه آي، اتهموها فيها بانتهاك حقوق النشر لتدريب سورا على مئات الآلاف من الأفلام والمقاطع الفيديو المحمية .
5. التحول الاستراتيجي نحو “الذكاء الوكيلي” (Agentic AI)
السبب الأعمق ربما هو التحول الاستراتيجي الكبير الذي تشهده أوبن إيه آي. في ديسمبر 2025، أعلن الرئيس التنفيذي سام ألتمان عن “مرحلة جديدة” في مسار الشركة، تركز على “الذكاء الوكيلي” (Agentic AI) والخدمات المؤسسية .
سورا كانت مشروعاً “استهلاكياً” بالدرجة الأولى، تستهلك موارد هائلة وتدر إيرادات محدودة. في مقابلها، عقود المؤسسات مثل عقد أوبن إيه آي مع البنتاغون (الموقع في فبراير 2026) قد تدر مليارات الدولارات سنوياً .
ردود فعل المجتمع: صدمة وحزن وإحباط
منشئو المحتوى يفقدون أعمالهم
ردود الفعل على منصة إكس جاءت سريعة وحادة. المخرج جيسون تساي (Jason Tsai)، الذي بنى قناة يوتيوب بمليون متابع تعتمد بالكامل على سورا، كتب: “قضيت سنتين أتعلم هذا النظام، وأكثر من 5000 ساعة من العمل، وكل هذا يختفي. كيف لشركة بمليارات الدولارات أن تفعل هذا بمنشئي المحتوى؟” .
انتقادات لاذعة لـ أوبن إيه آي
آدم لورانس (Adam Lawrence)، منشئ محتوى آخر، اتهم أوبن إيه آي بـ “ترك منشئي المحتوى في الشارع” بعد أن “استخدمتهم كـ”بيانات تدريب” لتحسين النموذج لسنوات” .
أما ماركوس براون (Marcus Brown)، صانع أفلام قصيرة، فقال: “هذا ليس مجرد إغلاق منصة. إنه تحذير لكل من يبني أعماله على منصات لا يملكها. الغيوم لا تدوم” .
المبررات التقنية: “تكامل في مشروع جديد”
في محاولة لتهدئة الغضب، صرحت مصادر داخل أوبن إيه آي لموقع ذا فيرج (The Verge) بأن “التكنولوجيا التي طورتها سورا لن تختفي” ، بل سيتم دمجها في نماذج أكبر وأشمل. الهدف هو تقديم منصة موحدة تجمع النصوص والصور والفيديو في نظام واحد (Omni-Modal) .
لكن هذا التبرير لم يقنع كثيرين. منتقدون يرون أن إغلاق المنصة بهذه الطريقة المفاجئة دون إشعار كافٍ، وإتاحة فرصة لمنشئي المحتوى لحفظ أعمالهم، كان قراراً “غير مسؤول” .
سورا بين “الانبهار” و”الواقع”
منذ إطلاقها، كانت سورا مصدر إلهام وجدل. في البداية، أشاد النقاد بقدرتها غير المسبوقة على فهم “فيزياء العالم”، مما جعل الفيديوهات أكثر واقعية من أي نموذج سابق . لكن سرعان ما تبين أن هذا “الفهم” كان سطحياً وأكثر اعتماداً على الأنماط الإحصائية من الفهم الفيزيائي الحقيقي.
معضلة “الاستخدام الضار” كانت حاضرة منذ البداية. عندما أطلقت سورا، كانت الشركة تحجب عنها القدرة على توليد وجوه بشرية واقعية، خوفاً من استخدامها في التزييف العميق . هذا القيد حدّ بشكل كبير من جاذبية المنصة لمنشئي المحتوى العاديين .
ماذا يعني هذا لمستقبل توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي؟
1. السوق ينتقل إلى المنافسين
مع خروج سورا من السوق، تتنافس الشركات الأخرى على ملء الفراغ. لوما لابز (Luma Labs) وبايت دانس (ByteDance) وستايبلتي (Stability AI) من المتوقع أن تشهد طفرة في الإقبال على خدماتها .
2. التحول نحو النماذج المفتوحة
أحد أسباب فشل سورا النسبي كان انغلاقها. بالمقابل، النماذج مفتوحة المصدر مثل كايروس 3.0 (Kairos 3.0) الصيني وفيديو لاما (Video LLaMA) من ميتا، تمكن المطورون من تشغيلها محلياً دون دفع رسوم اشتراك، مما جذب قاعدة عريضة من المبدعين الذين يفضلون التحكم الكامل في أدواتهم .
3. عصر “تعدد الوسائط” (Omni-Modal) بدأ
الاتجاه الواضح الآن هو نحو نماذج تجمع بين النصوص والصوت والصورة والفيديو في منصة واحدة. هذا ما تسعى إليه شركات مثل جوجل (مع نموذج جيميني 3) وأوبن إيه آي (مع GPT-5.2) . سورا كانت استثناءً كنموذج متخصص، والآن تحل محلها رؤية أكثر شمولية .
خلاصة: وداعاً سورا، مرحباً بالجيل القادم
سورا كانت أكثر من مجرد أداة تقنية. كانت حلم المخرجين والمصممين والفنانين الرقميين الذين حلموا بإخراج أفلامهم دون ميزانيات هوليوودية. لكنها كانت أيضاً درساً قاسياً في هشاشة الأعمال المبنية على منصات مغلقة.
كما لاحظ أحد المعلقين: “أوبن إيه آي استخدمت منشئي المحتوى كـ’بيانات تدريب’ مجانية لسنوات، وبمجرد أن حصلت على ما تريد، أغلقت الباب” .
رغم ذلك، فإن التكنولوجيا التي طورتها سورا لن تموت. ستندمج في نماذج أكبر، وستظهر من جديد تحت مسميات أخرى. لكن بالنسبة لملايين منشئي المحتوى الذين استثمروا وقتهم وجهدهم في المنصة، سيبقى سؤال مرير: “ماذا لو استثمرت في أداة تملكها؟” .





