الذكاء الاصطناعي

البرلمان الأوروبي يصوت لتأجيل تطبيق قانون الذكاء الاصطناعي

27 مارس، 2026 فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

فريق أخبار تك

تأجيل للتأكد من الاستعداد أم تأجيل للتخفيف من الأعباء”؟

في خطوة تعكس واقعاً معقداً يواجهه أول قانون شامل للذكاء الاصطناعي في العالم، صوّت البرلمان الأوروبي يوم أمس الخميس 26 مارس 2026 بأغلبية ساحقة (569 صوتاً مقابل 45) على تأجيل تطبيق بعض البنود الرئيسية في قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي (EU AI Act) .

القرار، الذي يأتي ضمن حزمة “الرقمنة الشاملة” (Digital Omnibus) التي قدمتها المفوضية الأوروبية في نوفمبر 2025، يهدف إلى إتاحة وقت إضافي للشركات والجهات التنظيمية للاستعداد، مع التركيز على تبسيط القواعد وتخفيف الأعباء عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة . لكنه في الوقت نفسه أثار تساؤلات حول الرسالة التي يرسلها الاتحاد الأوروبي في سباقه لتنظيم التكنولوجيا الأسرع تطوراً في العالم .

المواعيد الجديدة: من 2026 إلى 2027 و 2028

تأجيل للأنظمة عالية المخاطر

حدد البرلمان مواعيد جديدة لتطبيق الالتزامات على الأنظمة عالية المخاطر (High-Risk AI Systems)، وهي الأنظمة التي يمكن أن تؤثر بشكل كبير على السلامة أو الحقوق الأساسية، مثل تلك المستخدمة في التوظيف، والتعليم، والبنية التحتية الحيوية، وإنفاذ القانون، وإدارة الحدود :

  • 2 ديسمبر 2027 – للأنظمة عالية المخاطر المدرجة صراحة في ملحق القانون (Annex III)، مثل أنظمة التصنيف الائتماني، والمراقبة البيومترية عن بُعد، وأنظمة التوظيف.
  • 2 أغسطس 2028 – للأنظمة عالية المخاطر التي تخضع بالفعل لتشريعات قطاعية أخرى في الاتحاد الأوروبي (مثل الأجهزة الطبية، المعدات الصناعية، ألعاب الأطفال)، وذلك لتجنب ازدواجية القواعد .

مهلة للعلامات المائية (Watermarking)

لم تكن جميع المواعيد متجهة نحو التأجيل. بالنسبة للقواعد المتعلقة بوضع علامات مائية على المحتوى المُنتَج بالذكاء الاصطناعي (نصوص، صور، صوت، فيديو)، وافق البرلمان على منح مقدمي الخدمات مهلة حتى 2 نوفمبر 2026 للامتثال، وهي مهلة أقصر مما اقترحته المفوضية (الذي كان 2 فبراير 2027) .

“حظر تطبيقات التعري” (Nudifier Apps) – إضافة مفاجئة

في تطور لافت، لم يقتصر دور البرلمان على التأجيل، بل أضاف بنداً جديداً إلى القانون: الحظر الصريح لتطبيقات “التعري” (Nudifier Apps)، وهي تطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء أو تعديل صور ذات طابع جنسي صريح تجعل شخصاً حقيقياً يبدو عارياً دون موافقته .

هذا البند جاء بعد موجة غضب واسعة في أوروبا بسبب التزييف العميق (Deepfakes) الجنسي، خاصة تلك المرتبطة بنموذج “غروك” (Grok) على منصة إكس. لن يسري الحظر على الأنظمة التي لديها تدابير أمنية فعالة تمنع المستخدمين من إساءة الاستخدام .

لماذا التأجيل؟ الأسباب الكامنة وراء القرار

1. معايير فنية غير جاهزة

السبب الرئيسي للتأجيل هو أن المعايير الفنية الموحدة (Harmonized Standards) والإرشادات اللازمة لمساعدة الشركات على الامتثال لم تكن جاهزة بحلول الموعد الأصلي (أغسطس 2026). المشرعون رأوا أنه من غير المنطقي إلزام الشركات بقواعد لا يعرفون بعد كيفية تنفيذها .

2. ضغوط من الدول الأعضاء

واجهت بروكسل ضغوطاً من دول أعضاء كبرى مثل فرنسا وألمانيا وإيرلندا، التي لم تكمل بعد سن التشريعات الوطنية اللازمة لتطبيق القانون، مما خلق حالة من عدم اليقين القانوني في السوق الموحدة .

3. تبسيط القواعد وتخفيف الأعباء

يهدف القرار أيضاً إلى تبسيط القواعد وتقليل الأعباء على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع نطاق الإعفاءات لتشمل “الشركات المتوسطة الصغيرة” (Small Mid-Cap Enterprises) لمنع حدوث “منحدر حاد” في الأعباء التنظيمية بمجرد أن تنمو الشركات عن فئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة .

كيف تتعامل الشركات مع هذا التأجيل؟ – تحذيرات من “الوهم الآمن”

رغم أن التأجيل يبدو كفاصل زمني إضافي، إلا أن الخبراء يحذرون الشركات من اعتباره “عطلة تنظيمية” .

نادر حنين (Nader Henein)، نائب رئيس الأبحاث في “غارتنر”، يقول إن التأخير كان متوقعاً، ويجب على الشركات أن تستخدم الوقت الإضافي لتحسين عملياتها، وليس لتأجيلها. وأضاف: “حتى اليوم، لا تزال إسبانيا واحدة من الدول القليلة التي شكلت هيئة تنظيمية، وحتى مجلس الذكاء الاصطناعي الأوروبي متأخر في تقديم التوجيهات اللازمة” .

براين ليفين (Brian Levine)، مدير تنفيذي في منظمة FormerGov، حذر قائلاً: “سواء طبق بروكسل القواعد العام المقبل أو بعد عامين، فإن المخاطر التشغيلية والقانونية والسمعية التي تخلقها أنظمة الذكاء الاصطناعي سيئة الإدارة موجودة بالفعل. لا ينبغي لمديري التكنولوجيا أن يتعاملوا مع هذا التأجيل باعتباره عفوًا” .

ما الخطوة التالية؟

صوت البرلمان الأوروبي على موقفه التفاوضي، وهو ما يمهد الطريق لبدء محادثات “الحوار الثلاثي” (Trilogue) مع المجلس الأوروبي (الذي يمثل الدول الأعضاء الـ27) للوصول إلى صيغة نهائية للقانون .

الجدول الزمني المتوقع:

  • أبريل – مايو 2026: بدء المحادثات الثلاثية
  • يوليو 2026: استهداف إقرار الصيغة النهائية قبل الموعد الأصلي لتطبيق القانون (أغسطس 2026) .

تأجيل أم إعادة ضبط؟

قرار البرلمان الأوروبي يعكس حالة من الواقعية السياسية في مواجهة تعقيدات تنظيم الذكاء الاصطناعي. من جهة، هو اعتراف بأن الأدوات اللازمة للتطبيق (المعايير والإرشادات) لم تكن جاهزة، مما كان سيدفع الشركات إلى منطقة رمادية خطيرة. ومن جهة أخرى، هو محاولة لتخفيف العبء عن الشركات الأوروبية في وقت تتسارع فيه المنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة والصين .

كما أشارت إيزابيل روشيا (Isabelle Roccia)، المديرة الإدارية لأوروبا في IAPP، إلى أن تحديد مواعيد ثابتة (بدلاً من تركها معلقة بقرار من المفوضية) هو خطوة إيجابية توفر اليقين القانوني الذي تحتاجه الشركات لتخطيط استثماراتها .

السؤال الأكبر الذي يبقى مفتوحاً: مع هذه التأجيلات، هل سيكون الاتحاد الأوروبي قادراً على لعب دور “المنظم العالمي” للذكاء الاصطناعي، أم أن وتيرة التطور التكنولوجي ستجعل قواعده قديمة حتى قبل أن تدخل حيز التنفيذ؟

المصادر : وكالات انباء + مواقع اخبارية