تكنولوجيا

سباق التسلح الخوارزمي: كيف تعيد القوى الكبرى رسم خريطة القوة العالمية عبر الذكاء الاصطناعي

6 أبريل، 2026 فريق أخبار تك 7 دقائق للقراءة

تحقيق خاص – “أخبار تك”

عندما تصبح الخوارزميات أسلحة استراتيجية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين الإنتاجية أو تطوير التطبيقات. في عام 2026، تحول إلى “السلاح الاستراتيجي” الأهم في التاريخ المعاصر للبشرية .

حيث تتنافس القوى الكبرى على ثلاث جبهات متوازية: الرقاقات (العتاد)، البيانات (الوقود)، والخوارزميات (العقل). هذه الجبهات الثلاث تشكل ما يمكن تسميته بـ “سباق التسلح الخوارزمي” (Algorithmic Arms Race)، وهو سباق لا تقل خطورته عن سباق التسلح النووي في القرن العشرين.

في هذا التحقيق، نرصد مواقف القوى الكبرى في هذا السباق، من الهيمنة الأميركية إلى التحدي الصيني، ومن الطموح الهندي إلى المحاولات الأوروبية، وصولاً إلى التحركات الروسية واليابانية والكورية الجنوبية.

الولايات المتحدة – الهيمنة و مع نقاط الضعف

الأرقام التي تصدم: 75% من قدرة الحوسبة العالمية

لا تزال الولايات المتحدة المتصدر بلا منازع في سباق الذكاء الاصطناعي. بحسب أحدث الإحصاءات، تمتلك أميركا 75% من قدرة وحدات معالجة الرسوميات (GPU) المستخدمة في تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم . كما تمتلك 39.7 مليون وحدة H100 المكافئة من القدرة الحاسوبية، أي أكثر من 17 ضعف ما تمتلكه أوروبا مجتمعة .

أرقام إضافية:

  • 8.2 غيغاواط من قدرة مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي في 2026
  • 53.7 غيغاواط إجمالي قدرة مراكز البيانات الأميركية (44% من الإجمالي العالمي)
  • 26.4 غيغاواط متوقعة بحلول 2031

استراتيجية واشنطن: من الهيمنة التقنية إلى الهيمنة التنظيمية

تتبع الإدارة الأميركية استراتيجية مزدوجة: من ناحية، الاستثمار المحلي الضخم (مشروع “ستارجيت” بقيمة 500 مليار دولار) ، ومن ناحية أخرى، فرض قيود تصدير مشددة على الصين. ففي 2 أبريل 2026، قدم مجموعة من أعضاء الكونغرس مشروع قانون “ماتش آكت” (MATCH Act)، الذي يهدف إلى منع الشركات الصينية من الحصول على معدات تصنيع الرقاقات المتطورة، وتوسيع نطاق الحظر ليشمل حتى المعدات القديمة نسبياً (مثل DUV) التي كانت مسموحة سابقاً .

النائب مايكل بومغارتنر قال في تصريح صحفي : “لا تستطيع الولايات المتحدة أن تترك أبواباً خلفية تسمح للحزب الشيوعي الصيني بالحصول على الأدوات التي يحتاجها للقفز في صناعة أشباه الموصلات” .

نقطة الضعف: أزمة الطاقة

رغم التفوق التقني، تواجه أميركا أزمة حقيقية: شبكات الكهرباء لا تواكب الطلب. هذا الضعف يدفع واشنطن إلى إحياء الاهتمام بالطاقة النووية لتغذية الطلب المتزايد للطاقة من قبل مراكز البيانات العملاقة .

الصين – التحدي الصامد رغم العقوبات

من “التبعية” إلى “الاعتماد على الذات”

رغم القيود الأميركية المشددة، تواصل الصين تقدمها بخطى ثابتة. تمتلك البلاد 230 مجموعة مراكز بيانات (أكبر عدد في العالم)، ومن المتوقع أن تصل قدرتها المخصصة للذكاء الاصطناعي إلى 3.1 جيجاواط في 2026، و10.3 جيجاواط بحلول 2031.

الميزة الصينية: التعويض عن نقص الرقاقات بالكفاءة الخوارزمية. نموذج ديب سيك (DeepSeek) مثال حي على ذلك، حيث حقق أداءً منافساً للنماذج الأميركية باستخدام موارد أقل بكثير . ويقدر خبراء ان الفجوة بين النماذج الصينية والأميركية تقدر حالياً بـ 7 أشهر فقط، وهي تتقلص باستمرار .

استيراد المعدات رغم العقوبات

على الرغم من القيود، ارتفعت واردات الصين من معدات تصنيع الرقاقات من 10.7 مليار دولار في 2016 إلى 51.1 مليار دولار في 2025 . هذا يشير إلى أن العقوبات لم تنجح في وقف التقدم الصيني، بل ربما عجلته من خلال دفع بكين نحو تطوير بدائل محلية.

الاتحاد الأوروبي – العملاق المتعثر

3.5 جيجاواط فقط.. وغياب النماذج الرائدة

أوروبا تمتلك 3.5 جيجاواط من قدرة مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي في 2026 . هذا الرقم قد يبدو محترماً، لكنه لا يذكر مقارنة بـ 8.2 جيجاواط أميركياً. والأخطر أن 3 نماذج فقط من بين أهم 40 نموذج ذكاء اصطناعي في 2024 خرجت من أوروبا (جميعها من فرنسا) .

المفوضية الأوروبية من جهتها أعلنت عن مبادرة بقيمة 20 مليار يورو لإنشاء “مصانع عملاقة للذكاء الاصطناعي” (AI Gigafactories) . لكن حتى مع هذا التمويل، الفجوة مع أميركا شاسعة يقول متخصصون ومراقبون في هذا الشأن .

تأخير قانون السيادة الرقمية

في 25 مارس 2026، كان من المفترض أن تعلن أوروبا عن حزمة السيادة الرقمية (Chips Act 2.0، قانون تطوير السحابة والذكاء الاصطناعي، واستراتيجية البرمجيات مفتوحة المصدر). لكن الموعد تأجل مرتين: أولاً إلى 15 أبريل، ثم إلى 27 مايو 2026 .

هذا التأخير يخلق فرصة لتايوان، التي تسارع إلى ترسيخ مكانتها كشريك لا غنى عنه لأوروبا في مجال الرقاقات المتقدمة .

الهند – القوة الصاعدة

38 ألف وحدة معالجة رسومية و10 مصانع رقاقات

الهند لم تكن لاعباً رئيسياً في سباق الذكاء الاصطناعي حتى وقت قريب، لكنها الآن تتقدم بسرعة. أعلنت الحكومة الهندية عن مهمة الهند للذكاء الاصطناعي (IndiaAI Mission) بميزانية قدرها 10,372 كرور روبية (حوالي 1.2 مليار دولار) .

الأرقام الرئيسية:

  • 38 ألف وحدة معالجة رسومية (GPU) تم توفيرها للباحثين والشركات الناشئة بأسعار مخفضة
  • 10 مصانع رقاقات تمت الموافقة عليها، منها 4 ستبدأ الإنتاج في 2026
  • 24 مشروعاً لتصميم الرقاقات تمت الموافقة عليها
  • 7 رقاقات تم تصنيعها بنجاح، بعضها بتقنية 12 نانومتر في TSMC

نقطة القوة: التصميم قبل التصنيع

الهند تساهم حالياً بـ 20% من فرق تصميم الرقاقات في العالم . هذا الموقع الفريد يمنحها ميزة تنافسية في سباق الذكاء الاصطناعي، حيث تنتقل من “قيادة التصميم” إلى “حجم التصنيع” .

اليابان – القفزة العملاقة بـ135 مليار دولار

استثمارات غير مسبوقة

اليابان، التي كانت تعتبر متأخرة في سباق الذكاء الاصطناعي، تستعد لقفزة نوعية. الحكومة اليابانية تخطط لاستثمار 10 تريليون ين (حوالي 135 مليار دولار) في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي .

الاستثمارات الأجنبية:

  • أمازون (AWS) : 15.24 مليار دولار
  • أوراكل (Oracle) : 8 مليارات دولار
  • مايكروسوفت (Microsoft) : 2.9 مليار دولار (أكبر استثمار للشركة في اليابان منذ 46 عاماً)

من المتوقع أن تصل قدرة اليابان المخصصة للذكاء الاصطناعي إلى 1 جيجاواط في 2026 و2.6 جيجاواط بحلول 2031 .

نقطة الضعف: أزمة الكهرباء

رغم الاستثمارات الضخمة، تواجه اليابان أزمة حقيقية في توصيل الكهرباء. في طوكيو، زمن الانتظار لربط مراكز البيانات الجديدة بالشبكة الكهربائية يستغرق وقتا طويلا وهو ما لا يتماشى مع متطلبات الاستثمار التي تبنى على السرعة والإنجاز. و هذا قد يكون العائق الأكبر أمام طموحاتها.

كوريا الجنوبية – قوة الرقاقات تتحول إلى قوة ذكاء اصطناعي

65 مليار دولار استثمارات بحلول 2027

كوريا الجنوبية، التي تسيطر على 90% من سوق رقاقات الذاكرة عالية النطاق (HBM) عالمياً ، تستثمر 65 مليار دولار بحلول 2027، بقيادة سامسونج وإس كيه هاينكس .

المشاريع العملاقة:

  • 3 جيجاواط من قدرة مراكز البيانات الجديدة بحلول 2030
  • أكبر مركز حوسبة ذكاء اصطناعي في العالم بسعة 3 جيجاواط وتكلفة 35 مليار دولار في مقاطعة جولا الجنوبية، قد يضم 200 ألف وحدة معالجة رسومية
  • مركز الحوسبة الوطني للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 إكسافلوبس، متوقع تشغيله بالكامل بحلول 2027

شراكة مع أوبن إيه آي

في خطوة استراتيجية، تتعاون أوبن إيه آي (OpenAI) مع سامسونج وإس كيه هاينكس لبناء مركزين حوسبيين للذكاء الاصطناعي بطاقة أولية 20 ميغاواط لكل منهما .

روسيا – سباق تحت الضغط

39.8 مليار روبل لتحقيق السيادة التكنولوجية

في مواجهة العقوبات الغربية، تسارع روسيا لتطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية. خصصت الحكومة الروسية 39.8 مليار روبل للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بهدف دمج الذكاء الاصطناعي في 50% من الخدمات العامة بحلول 2028 .

المجالات المستهدفة: النقل، الرعاية الصحية، الدفاع، والطاقة .

التحديات:

  • روسيا تحتل المرتبة 28 عالمياً في قوة النظام البيئي للذكاء الاصطناعي
  • الاعتماد على المكونات الأجنبية (خاصة من الصين) للطائرات المسيرة والرقاقات
  • هجرة الكفاءات العلمية إلى الخارج

المبادرات البارزة

  • سبيربنك (Sberbank) : تستثمر 450 مليار روبل في تكنولوجيا المعلومات بين 2024 و2026
  • يانداكس (Yandex) : رائدة في الحلول السحابية والقيادة الذاتية
  • كاسبيرسكي لاب (Kaspersky Lab) : استثمرت 45 مليار روبل في الأمن السيبراني للذكاء الاصطناعي

الشرق الأوسط – رأس المال والطاقة الرخيصة كأوراق رابحة

الإمارات والسعودية تشتريان طريقها إلى القمة

دول الخليج، وخاصة الإمارات والسعودية، تستخدم أوراقها الرابحة (رأس المال والطاقة الرخيصة) للقفز في سباق الذكاء الاصطناعي . بفضل اتخاذ القرار المركزي والاستثمارات الضخمة، تبني هذه الدول بنية تحتية متطورة بسرعة تفوق كثيراً مثيلاتها في الغرب .

أمثلة:

  • شركة G42 الإماراتية تتعاون مع مايكروسوفت لبناء مراكز بيانات متطورة
  • مشاريع ضخمة في السعودية ضمن رؤية 2030

خلاصة: سباق ثلاثي الأبعاد مع فائزين وخاسرين

ما نراه اليوم هو سباق على ثلاث جبهات متوازية:

الجبهةالفائز الحاليالمنافس الرئيسي
الرقاقات (العتاد)الولايات المتحدةالصين (تحاول اللحاق)
البيانات (الوقود)الصين (أكبر سوق إنترنت)الولايات المتحدة
الخوارزميات (العقل)الولايات المتحدةالصين (الفجوة 7 أشهر)

الخاسر الأكبر حتى الآن: أوروبا، التي تخاطر بالتحول إلى “مستعمرة بيانات” إذا لم تسرع استثماراتها.

الصاعدون: الهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تستثمر مليارات الدولارات لبناء قدراتها المحلية.

المستغلون للفراغ: دول الخليج، التي تستخدم رأس المال والطاقة الرخيصة للقفز إلى الطليعة.

توضيحات بخصوص ما ورد في التقرير :

الجيجاواط هو وحدة قياس القدرة الكهربائية.

1 جيجاواط يكفي لتشغيل مليون منزل أو مدينة بحجم 500 ألف شخص. بحسب التقديرات العالمية المنشورة

استخدمنا هذا المعيار في تقريرنا لأن “الجيجاواط” يقيس الطاقة الفعلية التي تستهلكها مراكز البيانات العملاقة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، وهذا يعطينا فكرة واضحة عن “حجم” الاستثمار الحقيقي للدول في هذا المجال، بعيداً عن الأرقام النظرية أو عدد الرقاقات التي قد تختلف كفاءتها من دولة لأخرى.

المصادر : وكالات انباء + مواقع اخبارية وتقنية متخصصة .