الذكاء الاصطناعي

لجنة أميركية تحذر من “حلقة مفرغة” تعيد تشكيل سباق التكنولوجيا العالمية

25 مارس، 2026 فريق أخبار تك 7 دقائق للقراءة

تقرير اخباري من “أخبار تك”

عندما تنقلب “القيود” إلى “ميزة”

بعد سنوات من فرض واشنطن قيوداً مشددة على تصدير الرقاقات المتطورة إلى الصين، يأتي تقرير جديد من لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية (USCC) ليقلب المعادلة رأساً على عقب. التقرير، الذي يحمل عنوان “حلقتان: كيف تعزز استراتيجية الذكاء الاصطناعي المفتوح في الصين هيمنتها الصناعية” ، يحذر من أن الاستراتيجية الصينية القائمة على النماذج مفتوحة المصدر لا تقل خطورة عن سباق الرقاقات، بل قد تكون أكثر خطورة على المدى الطويل .

الرقم الأكثر إثارة للدهشة في التقرير: تقديرات تشير إلى أن نحو 80% من الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تستخدم نماذج صينية مفتوحة المصدر لبناء تطبيقاتها المشتقة .

هذا الواقع، كما يحذر التقرير، يعيد تشكيل سباق الهيمنة التكنولوجية من معركة “الرقاقات” إلى معركة “البيانات والتطبيقات” .

“الحلقتان”.. كيف تعمل استراتيجية الصين المزدوجة؟

الحلقة الرقمية: من هيمنة التصدير إلى هيمنة التبني

التقرير يصف استراتيجية الصين بأنها تقوم على “حلقتين متشابكتين” (Two Interlocking Loops) تعزز إحداهما الأخرى في دورة إيجابية .

الحلقة الأولى: الحلقة الرقمية (Digital Loop) :

تعتمد على نشر النماذج مفتوحة المصدر بأسعار منافسة للغاية. فبينما تفرض الشركات الأميركية رسوماً مرتفعة على نماذجها المغلقة، تقدم الشركات الصينية نماذج مثل “كيمي كيه 2.5” (Kimi K2.5) من شركة “موونشوت” (Moonshot) بأقل من ربع سعر منافسها الأميركي جي بي تي 5.2 (GPT-5.2)، مع أداء متطابق في المقاييس المعيارية .

النتيجة: انتشار هائل. عائلة “كيوين” (Qwen) من علي بابا باتت الآن أكبر نظام بيئي على منصة “هاغينغ فيس” (Hugging Face) بأكثر من 100 ألف نموذج مشتق . في شهري نوفمبر وديسمبر 2025، كانت 7 من بين 10 نماذج الأكثر تحميلاً على المنصة من مختبرات صينية، بما في ذلك نماذج مشتقة من ديب سيك (DeepSeek) .

الحلقة الثانية المادية: من التصنيع إلى “منجم البيانات”

الحلقة الثانية: الحلقة المادية (Physical Loop) – وهي الأكثر خطورة في نظر التقرير. الصين لا تكتفي بنشر النماذج مفتوحة المصدر، بل تدمجها بعمق في قاعدتها الصناعية العملاقة: المصانع، شبكات الخدمات اللوجستية، الروبوتات، والبنية التحتية .

هذا الدمج يولد بيانات ميدانية حقيقية (Real-world Data) بكميات هائلة، وهي البيانات الأكثر قيمة لتطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي. التقرير يشير إلى أن بكين رسمت هذا المسار رسمياً منذ عام 2020، عندما صنفت البيانات كعامل إنتاج خامس (Fifth Factor of Production)، وأصبحت أول دولة تسمح للشركات بإدراج أصول البيانات في ميزانياتها العمومية .

النتيجة: النماذج الصينية ليست فقط أرخص، بل إنها تتعلم من بيانات أكثر تنوعاً وواقعية من تلك المتاحة للمطورين في الغرب.

من ديب سيك إلى كيوين.. الاختراق العميق للسوق الأميركية

ربما يكون الرقم الأكثر إثارة للقلق في التقرير هو أن نحو 80% من الشركات الناشئة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي تستخدم نماذج صينية مفتوحة المصدر كأساس لتطبيقاتها المشتقة .

أمثلة ملموسة على هذا الاختراق :

  • نموذج R1 من ديب سيك (DeepSeek) : أطلق في 2025 وتفوق على تشات جي بي تي (ChatGPT) كأكثر نموذج تحميلاً على متجر تطبيقات آبل الأميركي .
  • عائلة “كيوين” (Qwen) من علي بابا : تجاوزت في التحميلات العالمية التراكمية نموذج “لاما” (Llama) من ميتا .
  • تسعير تنافسي قاس: نموذج “كيمي كيه 2.5” (Kimi K2.5) من شركة موونشوت (Moonshot) يكلف أقل بأربع مرات من جي بي تي 5.2 (GPT-5.2) مع أداء متطابق .

لماذا تختار الشركات الأميركية النماذج الصينية؟

سانشيت فير غوغيا (Sanchit Vir Gogia)، كبير محللي “غريهوند للأبحاث” (Greyhound Research)، يشرح الظاهرة: “لم تعد المؤسسات تتخذ قراراً واضحاً ومتعمداً بشأن نموذج الذكاء الاصطناعي الذي تتبناه. النماذج تدخل بيئات المؤسسات عبر مساعدين ذكيين (Copilots)، ومنصات برمجيات كخدمة (SaaS)، وطبقات واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، ونماذج مشتقة مُحسّنة. غالباً ما تكون المؤسسة على بُعد عدة طبقات من المصدر الأصلي” .

هذا يعني أن الشركات الأميركية قد تستخدم نماذج صينية دون أن تكون حتى على علم بذلك، مما يجعل سياسات الحظر التقليدية غير فعالة.

الفجوة الأمنية.. نموذج ديب سيك أكثر عرضة للاختراق 12 ضعفاً

تحذيرات من “الالتزام السياسي” و”المخاطر الأمنية”

لا يقتصر التحذير على الجانب التنافسي فقط. التقرير يشير إلى مخاطر أمنية خطيرة مرتبطة بالاعتماد على النماذج الصينية .

اختبارات المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا الأميركي (NIST) التي أجريت في سبتمبر 2025 كشفت أن العوامل المبنية على نموذج ديب سيك الأكثر أماناً كانت أكثر عرضة بمتوسط 12 ضعفاً لاتباع التعليمات الخبيثة مقارنة بالنماذج الأميركية الرائدة. في الاختبارات، أرسلت العوامل المخترقة رسائل تصيد إلكتروني (Phishing)، وحملت برمجيات خبيثة، وسرقت بيانات دخول المستخدمين .

كما أن النماذج الصينية تخضع لقيود سياسية (Political Content Restrictions)، مما يعني أن المؤسسات التي توجه مهامها عبر مزودين مرتبطين بالصين تواجه مخاطر تتعلق بسيادة البيانات (Data Jurisdiction Risks) – وهي قضية جذبت انتباه الهيئات التنظيمية في أوروبا وكوريا الجنوبية .

مطالب بحوكمة جديدة: “فاتورة مواد النموذج”

ديبيكا جيري (Deepika Giri)، نائبة رئيس الأبحاث في آي دي سي (IDC)، تطالب بتمديد أطر إدارة المخاطر لتشمل “نسب النماذج” (Model Lineage) : “يجب على مسؤولي التكنولوجيا إلزام البائعين بالكشف عن أصول النماذج وبيانات التدريب. ليس كافياً أن تكون النماذج صغيرة – يجب أيضاً أن تكون آمنة لدرجة تسمح باستخدامها في المؤسسات. هذا يصبح بالغ الأهمية للصناعات المنظمة” .

غوغيا يذهب إلى أبعد من ذلك، مقترحاً “فاتورة مواد النموذج” (Model Bill of Materials) : “يجب أن تشمل هذه الفاتورة الأصل الأساسي، وتاريخ الاشتقاق، ومجموعات البيانات المستخدمة، وموقع الاستضافة – ويجب تحديثها باستمرار، لأن هذه الأنظمة تتغير أثناء الإنتاج دون أن تؤدي إلى أحداث شراء تقليدية” .

التحول إلى “الذكاء الفيزيائي”.. الصين في موقع أفضل

“الفراغ في النشر يتسع ذاتياً”

ربما يكون التهديد الأكبر، بحسب التقرير، ليس في النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) الحالية، بل في التحول القادم إلى “الذكاء الوكيلي” (Agentic AI) و“الذكاء الفيزيائي” (Physical AI) .

مايكل كويكن (Michael Kuiken)، نائب رئيس اللجنة، قال في مقابلة مع رويترز: “هناك فجوة في نشر الذكاء الفيزيائي بين الولايات المتحدة والصين. هذا شيء سيتضاعف مع مرور الوقت… ونحن بدأنا نرى هذا التضاعف الآن” .

التقرير يوضح أن النماذج الأكثر أهمية لنشر المؤسسات ليست النماذج اللغوية العملاقة، بل النماذج الصغيرة والمتخصصة (Small, Task-Specific Models) التي تؤدي المهام التشغيلية الأساسية في أنظمة الذكاء الوكيلي. ورقة بحثية من إنفيديا (Nvidia) استشهد بها التقرير وجدت أن هذه النماذج الصغيرة تؤدي الجزء الأكبر من المهام الفرعية بتكاليف أقل من 10 إلى 30 مرة من النماذج الرائدة .

وهذا هو المجال الذي تهيمن عليه النماذج الصينية مفتوحة المصدر بالفعل.

الرد الأميركي.. متأخر ومشتت؟

من إطلاق أوبن إيه آي نماذجها المفتوحة إلى تراجع ميتا

التقرير يعترف ببعض الخطوات الأميركية لمواجهة هذا الاتجاه. في أغسطس 2025، أطلقت أوبن إيه آي (OpenAI) أول نماذجها مفتوحة الأوزان منذ إصدار GPT-2، تلتها إنفيديا (Nvidia) بإطلاق “نيموترون 3” (Nemotron 3) في مارس 2026 .

لكن في المقابل، هناك تقارير تفيد بأن ميتا (Meta) تستعد لتحويل نموذجها من الجيل التالي إلى نموذج مغلق يعمل عبر واجهات برمجة التطبيقات (API-only) .

تحذير التقرير: “إذا استمر هذا الاتجاه، فإن تراجع ميتا عن الانفتاح سيترك الولايات المتحدة بدون مطور رئيسي لنماذج رائدة يعمل على تثبيت النظام البيئي المفتوح للذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي يتسارع فيه التطور المفتوح المدعوم من الدولة في الصين” .

من يتبنى النماذج الصينية؟.. شهادة من قلب أوروبا

سيمنز: “لا عيوب في استخدام النماذج الصينية”

في تطور لافت، قال رولاند بوش (Roland Busch)، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنز (Siemens) الألمانية العملاقة، في مقابلة مع رويترز يوم الإثنين: “لا توجد عيوب في استخدام النماذج الصينية مفتوحة المصدر لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتخصصة للأتمتة الصناعية” . وأشار إلى مزايا التكلفة وسهولة تخصيص المعاملات (Parameters) كميزات رئيسية .

هذا التصريح من شركة ألمانية عريقة يعكس واقعاً جديداً: القيود السياسية الأميركية لا تمنع الشركات الأوروبية (وحتى الأميركية) من تبني النماذج الصينية التي تقدم قيمة اقتصادية وتقنية فائقة.

خلاصة: من سباق “الرقاقات” إلى سباق “البيانات”

ما يكشفه تقرير اللجنة الأميركية هو أن الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين دخلت مرحلة جديدة. بعد أن ركزت واشنطن جهودها على منع الصين من الحصول على الرقاقات المتطورة (الحلقة الرقمية)، وجدت بكين طريقاً بديلاً: استخدام النماذج مفتوحة المصدر للسيطرة على طبقات التطبيقات والبيانات (الحلقة المادية) .

النتيجة: ميزة تنافسية “ذاتية التعزيز” (Self-Reinforcing Advantage)، حيث يؤدي الانتشار الواسع إلى المزيد من البيانات، والبيانات تؤدي إلى نماذج أفضل، والنماذج الأفضل تؤدي إلى مزيد من الانتشار .

التقرير يحذر : “إذا استمر هذا الاتجاه، فإن الولايات المتحدة لن تفقد حصة السوق العالمية فحسب، بل ستفقد أيضاً القدرة على تحديد معايير التكنولوجيا والصناعة للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي” .

المصدر : وكالات انباء + مواقع اخبارية وتقنية