تكنولوجيا
“آلة الغضب” منصات التواصل تحول المشاعر السلبية إلى أرباح خيالية
أخبار تك
عندما يصبح غضبك سلعة
في كل مرة تضغط فيها على زر “أعجبني” أو تدخل في نقاش حاد في التعليقات، أو تشارك منشوراً يثير حنقك، أنت لا تعبر فقط عن رأيك، بل تغذي ماكينة رقمية صممت خصيصاً لاستخراج أعصابك وتحويلها إلى أرباح. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي نتائج تحقيق استقصائي امتد لأشهر وكشف عنه العشرات من الموظفين السابقين في أكبر شركات التكنولوجيا العالمية.
في 15 مارس 2026، بثت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) فيلماً وثائقياً بعنوان “داخل آلة الغضب” (Inside the Rage Machine)، كشفت فيه عن وثائق داخلية وشهادات من أكثر من اثني عشر موظفاً حاليين وسابقين في شركتي ميتا (فيسبوك وإنستغرام) وتيك توك . ما تم الكشف عنه يرسم صورة قاتمة لصناعة تضع الأرباح فوق سلامة المستخدمين، وتصمم خوارزمياتها خصيصاً لاستفزازك وإبقائك في حالة غضب دائم.
“لأن سعر السهم منخفض”.. اعترافات صادمة من داخل ميتا
يكشف التحقيق أن حرب الخوارزميات بين ميتا وتيك توك بلغت ذروتها في عام 2020، عندما أطلقت ميتا خدمة “ريلز” (Reels) كمنافس مباشر لتيك توك. في ذلك الوقت، كانت المنافسة على أشُدها، والضغوط على ميتا هائلة .
مهندس سابق في ميتا روى تفاصيل صادمة عن تلقيه تعليمات من الإدارة العليا بالسماح بمرور محتوى “حدودي” ضار، بما في ذلك نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية ضد النساء، في خلاصات المستخدمين. عندما سأل عن السبب، كان الجواب مباشراً وصادماً: “لأن سعر السهم منخفض” .
مات موتيل، باحث أول متخصص في دراسة منصة ميتا، كشف أن خدمة “ريلز” أطلقت في عام 2020 بدون ضمانات أمان كافية. وأظهرت الأبحاث الداخلية أن التعليقات على “ريلز” كانت تحتوي على مستويات أعلى بكثير من السلوك الضار مقارنة بالخلاصة الرئيسية على إنستغرام :
- 75% أعلى في التنمر والتحرش
- 19% أعلى في خطاب الكراهية
- 7% أعلى في التحريض على العنف
وأشار موتيل إلى أن الشركة كانت تدرك تماماً المخاطر المرتبطة بأنظمة التوصيات الخاصة بها، لكن الخوارزميات صُممت لتقديم “مسار يضاعف الأرباح على حساب رفاهية الجمهور” .
“الصندوق الأسود”.. تيك توك تحت المجهر
من داخل شركة تيك توك، كشفت شهادات الموظفين عن مشهد لا يقل قتامة. رووفان دينغ، مهندس تعلم آلة سابق عمل على محرك التوصيات في تيك توك بين عامي 2020 و2024، وصف النظام بأنه “صندوق أسود”، حيث أن المهندسين أنفسهم لديهم رؤية محدودة لكيفية ترويج خوارزميات التعلم العميق للمحتوى .
“نيك”، عضو سابق في فريق الثقة والأمان بتيك توك، قرر التحدث علناً بعد شعوره بالذنب اليومي. وأظهر للصحفيين لوحة التحكم الداخلية للشركة التي تكشف كيفية تعاملها مع البلاغات. وكشف عن أن:
- حجم الحالات الهائل وتقليص الوظائف واعتماد الذكاء الاصطناعي جعل عمل فرق المراقبة صعباً للغاية
- محتوى يشمل “الإرهاب والعنف الجنسي والعنف الجسدي والإساءة والاتجار” آخذ في الازدياد
- البيانات العامة للشركة لا تعكس الإجراءات الفعلية على الأرض
نصيحة “نيك” للمستخدمين كانت قاسية ومباشرة: “احذف التطبيق، وابتعد عنه قدر الإمكان لأطول فترة ممكنة” .
فضيحة الأولويات: السياسيون أولاً، الأطفال ثانياً
أحد أكثر الكشوفات إثارة للجدل كان حول أولويات مراجعة المحتوى. موظف في فريق الثقة والأمان بتيك توك كشف أن الشركة كانت تتعامل مع الشكاوى المتعلقة بالسياسيين بأولوية أعلى من التقارير المتعلقة بسلامة الأطفال والمحتوى الجنسي .
القرارات كانت تتخذ بهدف “الحفاظ على علاقة قوية” مع الشخصيات السياسية، وتجنب التهديدات التنظيمية أو الحظر المحتمل في بعض الأسواق .
اقتصاد “طُعم الغضب”.. كيف تحولت مشاعرك إلى أموال
هذه الخوارزميات المصممة لإثارة الغضب خلقت نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعرف باسم “طُعم الغضب” (Rage Bait) أو “زراعة الكراهية” (Hate Farming) .
شاتادي فوشوكو، باحث في قانون الشركات الرقمية، يشرح أن طُعم الغضب هو تكتيك تلاعبي يتم فيه تصميم المحتوى خصيصاً لإثارة الغضب أو السخط العاطفي. هذا المحتوى قد يكون صحيحاً أو مزيفاً، لكنه مصمم بعناية لاستدراج ردود فعل عاطفية قوية .
المنصات تضخم هذا التكتيك التلاعبي من خلال مكافأة التفاعل والاهتمام. في صميم طُعم الغضب، توجد خوارزميات تسعى لإبقاء المستخدمين يمررون الشاشة، ويستجيبون، ويستهلكون المحتوى، مما يدر أرباحاً على المنصة .
نجوم طُعم الغضب
الاقتصاد الجديد خلق جيلاً من المشاهير الرقميين الذين بنوا ثرواتهم على إثارة الغضب:
- وينتا زيسو، شابة نيويوركية تبلغ من العمر 22 عاماً، اشتهرت بمقاطعها التي تواجه فيها مفدمي طعام يوصفون بالفضاضة أو مشاهير وقحين في المناسبات. في عام 2023، حققت وحدها على تيك توك 150 ألف دولار، دون احتساب عائدات العلامات التجارية والإيرادات الأخرى .
- ريان جاوليك، صانع محتوى بارع في طُعم الغضب، يفعل أشياء تثير غضب المشاهدين عمداً، مثل نطق كلمة “إسبرسو” بشكل خاطئ (Expresso) أو عض قطعة كيت كات كاملة بدلاً من تقسيمها. في أواخر عام 2022، تجاوز عدد متابعيه المليون، وبدأ في تحويل المشاهدات إلى أموال .
- إيلي بيتشيك، المعروفة باسم @elis_kitchen، تطلق على نفسها لقب “أشرس طباخ على تيك توك”. مقاطعها تجمع البولونيا المطحونة مع توست بالتوت، أو شطيرة غريبة من البازلاء والأناناس والجبن والمكسرات. التعليقات تحت مقاطعها تتراوح بين “سأستفرغ” و”هذا رعب جسدي” .
كيف تعمل “آلة الغضب”؟
الدكتورة جيمي كوهين، أستاذة مساعدة في الإعلام بكلية كوينز، تشرح أن الغضب والخوف يتفوقان على السعادة في سرعة الانتشار، بسبب آليات تطورية تجعلنا أكثر استعداداً للرد والمواجهة .
الصندوق الأسود : الذكاء الاصطناعي في معارك الشرق الأوسط
طُعم الغضب يستغل رغبة الناس الطبيعية في تصحيح وتفنيد الادعاءات التي يعتقدون أنها خاطئة، مما يخلق تفاعلاً وحركة مرور . ثم تأتي خوارزميات المنصات التي تفضل المحتوى عالي التفاعل، لتكافئ هذا النوع من المحتوى الاستفزازي.
على منصة “ثريدز” (Threads) التابعة لميتا، لاحظ اليوتيوبر الشهير جومان أن الخوارزمية تتعمد دفع محتوى يتعارض مع آراء المستخدمين، بل وأحياناً محتوى يبدو “منخفض الذكاء” بهدف إثارة الجدل وإطالة وقت الاستخدام. هذا النوع من “الخوارزمية المحرضة على الغضب” لم يعد مجرد صدفة، بل أصبح جزءاً من التصميم الهيكلي للمنصة .
عواقب وخيمة: من التطرف إلى الاضطرابات النفسية
هذه الآلة الرقمية لها ضحايا حقيقيون. كالم، البالغ من العمر 19 عاماً، روى كيف حولته الخوارزميات إلى شخص متطرف في سن الرابعة عشرة، من خلال عرض محتوى كاره للنساء وعنصري عليه.
“الفيديوهات كانت تشعرني بالغضب، ولكن ليس بطريقة جيدة. كانت تجعلني غاضباً من الأشخاص من حولي”
شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة أبلغت عن ظاهرة “تطبيع” محتوى اليمين المتطرف والمعاد للسامية، مشيرة إلى أن المستخدمين أصبحوا غير مبالين بالعنف الواقعي .
من الناحية النفسية، أظهر تحليل تلوي نُشر في مجلة “سايبرسايكولوجي” عام 2022 أن استخدام وسائل التواصل مرتبط بمعدلات أعلى من الاكتئاب بين المستخدمين. وبروز محتوى طُعم الغضب يساهم بالتأكيد في تفاقم هذه العوامل .
الدكتورة أرييل هازل، أستاذة مساعدة في الإعلام بجامعة ميشيغان، تحذر من أنه عندما تتحول المنصات إلى آلات لتوليد الغضب، فإن المستخدمين يعانون على المدى الطويل من “الإرهاق العاطفي” وفقدان الاهتمام بالقضايا الحقيقية .
ماذا تقول الشركات؟
عندما واجهت بي بي سي الشركات بهذه الاتهامات، كان رد فعلها متوقعاً:
- ميتا نفت بشدة هذه الادعاءات، مؤكدة أن “أي إيحاء بأننا نضخم عمداً محتوى ضاراً من أجل الربح هو خطأ”. وأضافت أنها استثمرت بشكل كبير في السلامة والأمان على مدى العقد الماضي، وقدمت ميزات جديدة لحماية المراهقين .
- تيك توك وصفت الادعاءات بأنها “مفبركة”، وأكدت أنها تستثمر في تكنولوجيا تمنع مشاهدة المحتوى الضار، وأن الادعاءات حول أولوية المحتوى السياسي “تحريف جوهري” لكيفية عمل أنظمة المراجعة لديها .
ماذا يمكنك أن تفعل؟ دليل البقاء في “عصر الغضب”
الخبراء يقدمون نصائح لحماية نفسك من آلة الغضب:
للأفراد:
- الوعي هو الخط الأول: إدراك أن هذه الخوارزميات موجودة هو نصف المعركة .
- عدم التفاعل مع المحتوى الاستفزازي: تذكر أن أي تفاعل (حتى سلبي) يغذي الخوارزمية .
- استخدم أدوات التحكم في المحتوى: معظم المنصات تتيح لك اختيار رؤية محتوى أقل أو حظر كلمات معينة.
للعلامات التجارية:
يجب أن تدرك العلامات التجارية أنها قد تُجر إلى دوامة الغضب حتى دون قصد. خبراء التسويق ينصحون بأن تضع العلامات التجارية “مؤشرات الصحة العاطفية” ضمن مقاييس أدائها، وتراقب جودة التفاعل وليس كميته فقط .
خلاصة: سباق نحو القاع
ما كشفته وثائق بي بي سي وشهادات الموظفين السابقين ليس مجرد فضيحة عابرة، بل هو دليل على تحول هيكلي في صناعة التكنولوجيا. في سباقها المحموم على جذب الانتباه، اكتشفت المنصات أن أسهل طريق لتحقيق الأرباح هو استغلال أسوأ ما فينا : غضبنا، خوفنا، وحاجتنا للرد.
وكما لاحظت دراسة داخلية لفيسبوك نفسها، فإن الخوارزميات تقدم لمنشئي المحتوى “مساراً يضاعف الأرباح على حساب رفاهية الجمهور، وهذه المجموعة الحالية من الحوافز المالية لا تبدو متوافقة مع مهمتنا في تقريب العالم من بعضه” .
السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ستتحرك الحكومات بقوة لكسر هذه الدائرة، أم سنبقى جميعاً رهائن لآلة الغضب وأرباح شركات التواصل الاجتماعي؟
فريق أخبار تك – متابعات