تكنولوجيا

إنفيديا على المحك: أرباح قياسية وارتباك في وول ستريت

🗓️ 7 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 8 دقائق للقراءة

“أخبار تك”

في مشهد يعكس حالة الارتباك التي تعصف بأسواق التكنولوجيا العالمية، سجلت شركة إنفيديا (Nvidia) أرباحاً قياسية غير مسبوقة، ثم شهد سهمها أحد أكبر التراجعات بعد الإعلان عن هذه النتائج. المفارقة الصادمة أن الشركة التي تبيع “المعاول” لعمالقة الذكاء الاصطناعي، والتي تتجاوز أرباحها توقعات المحللين بهامش كبير، تجد نفسها في مرمى نيران الشكوك حول مستقبل الصناعة التي تقودها.

في هذا التقرير الشامل، نرصد بالتفصيل نتائج إنفيديا التاريخية، وتحليل رد فعل الأسواق المتناقض، والأسباب العميقة وراء أزمة الثقة التي تضرب قطاع التكنولوجيا، وتوقعات المحللين للمرحلة المقبلة.

الأرقام القياسية – إنفيديا تحطم كل التوقعات

نتائج الربع الرابع من العام المالي 2026

أعلنت شركة إنفيديا عن نتائج استثنائية للربع المنتهي في 25 يناير 2026، والتي تجاوزت كل توقعات المحللين :

المؤشرالربع الرابع 2026التغير عن الربع السابقالتغير عن العام الماضي
الإيرادات68.1 مليار دولار+20%+73%
صافي الدخل42.96 مليار دولار+35%+94%
ربحية السهم (معدلة)1.62 دولار+25%+82%
هامش الربح الإجمالي75.2%+1.6 نقطة+1.7 نقطة

أداء قطاع مراكز البيانات – القلب النابض للنمو

كان قطاع مراكز البيانات (Data Center) هو النجم بلا منازع، حيث سجل :

  • إيرادات قياسية بلغت 62.3 مليار دولار في الربع الرابع
  • نمو سنوي 75% ونمو ربع سنوي 22%
  • إيرادات سنوية قياسية بلغت 193.7 مليار دولار، بنمو 68%

وكشف الرئيس التنفيذي لإنفيديا جينسن هوانغ أن الشركة سلمت أكثر من 600 مليون وحدة معالجة رسومية من طراز Blackwell خلال الأرباع الأربعة الماضية، مع توقعات بأن تتجاوز إيرادات منصتي Blackwell وRubin مجتمعتين حاجز 500 مليار دولار .

كيف تحولت نيروبي ولاغوس إلى قبلة التكنولوجيا الأفريقية؟

توقعات متفائلة للربع الحالي

توقعت إنفيديا للربع الأول من العام المالي 2027 (المنتهي في أبريل 2026) إيرادات تبلغ 78 مليار دولار، وهو أعلى بكثير من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 72.6 مليار دولار. كما توقعت هامش ربح إجمالي معدل يبلغ 75% .

مفاجأة الصين

أوضحت الشركة أن توقعاتها لا تتضمن أي إيرادات افتراضية من مبيعات رقاقات مراكز البيانات في الصين، بسبب القيود التصديرية المستمرة .

رد فعل السوق – انفصام بين الأرقام والأسعار

التراجع الصادم

رغم هذه الأرقام المذهلة، انخفض سهم إنفيديا بنحو 5.5% في يوم 26 فبراير، أي اليوم التالي للإعلان عن النتائج .

برنشتاين المحلل ستيسي راسغون علق قائلاً: “لسنا متأكدين مما يريد المستثمرون سماعه في هذه المرحلة. نظن أن الحجم الهائل للأرقام قد أربك المستثمرين قليلاً” .

أداء السهم منذ بداية العام

منذ بداية 2026، عانى سهم إنفيديا من أداء باهت. بحلول 6 مارس، كان السهم يتداول عند 181.64 دولار، منخفضاً بنحو 0.93% في ذلك اليوم فقط، لكنه ظل مرتفعاً بأكثر من 42% خلال العام الماضي .

مقارنة مع أداء القطاع

لم تكن إنفيديا وحدها من يعاني. ففي 27 فبراير، انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 0.9%، مع تراجع قطاع التكنولوجيا ككل. الأسهم الأكثر تضرراً كانت شركات البرمجيات، حيث تراجعت بعض الأسماء بين 30% و40% منذ بداية العام .

مورنينغستار قالت في تقريرها الصادر في 2 مارس: “الاستقرار على السطح، والاضطراب في العمق”، مشيرة إلى أن التراجع الحاد في أسهم التكنولوجيا يخفي تحولاً كبيراً في تفضيلات المستثمرين نحو قطاعات أقل تأثراً بالذكاء الاصطناعي، مثل الطاقة والمواد الأساسية والصناعات .

لماذا يتراجع السهم رغم الأرباح؟ – أربع نظريات

النظرية الأولى: أزمة ثقة في مستقبل الإنفاق الرأسمالي

يشير المحللون إلى أن المستثمرين لم يعودوا مهتمين بأرباح هذا الربع أو الربع القادم، بل أصبحوا يتساءلون: “ماذا بعد؟” .

العملاء الرئيسيون لإنفيديا، وهم عمالقة التكنولوجيا السبعة (Magnificent Seven) بما في ذلك مايكروسوفت وميتا وألفابت وأمازون، خصصوا ما بين 650 و700 مليار دولار من النفقات الرأسمالية لعام 2026، معظمها لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي . لكن السؤال هو: هل يمكن لهذا المستوى من الإنفاق أن يستمر؟

المخاوف تشمل:

  • قيود الطاقة التي تواجه مراكز البيانات
  • ارتفاع أسعار الذاكرة الذي يزيد التكاليف
  • شكوك حول العائد على الاستثمار – هل ستترجم هذه النفقات الضخمة إلى إيرادات مستدامة؟

النظرية الثانية: الشك في “الاستثمار المفرط”

العديد من الرؤساء التنفيذيين والخبراء أعربوا علناً عن شكوكهم في قدرة الشركات على تحقيق عوائد جيدة من هذا المستوى من الاستثمار. لكن عمالقة التكنولوجيا يواصلون الإنفاق بدافع واحد: الخوف من التخلف عن الركب في ما يسميه البعض “الثورة الصناعية الرابعة” .

التساؤل الأساسي: إذا قررت هذه الشركات فجأة خفض إنفاقها، فماذا سيحدث لإنفيديا التي يعتمد أكثر من نصف إيرادات مراكز بياناتها على هؤلاء العمالقة؟

النظرية الثالثة: “تعب الذكاء الاصطناعي” (AI Fatigue)

تقارير من Advisor Perspectives تشير إلى أن الأسواق تعاني من ما يسمى “تعب الذكاء الاصطناعي”. الشركات التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي (إنفيديا، غوغل، مايكروسوفت) تراجعت، والشركات التي قد تتعطل بسبب الذكاء الاصطناعي (مثل مطوري البرمجيات) تراجعت أيضاً .

هذا التراجع المتزامن يعكس حالة من الارتباك: المستثمرون ليسوا متأكدين من أي اتجاه يسلكونه، مما دفعهم إلى البحث عن ملاذات آمنة في قطاعات مثل الطاقة والمرافق والذهب .

النظرية الرابعة: مقال واحد قلب السوق

في تطور لافت، أشار تقرير من Nasdaq إلى أن مقالاً تحليلياً نشرته منصة Citrini Research (وهي شركة أبحاث سوقية صغيرة) ربما يكون السبب المباشر وراء موجة البيع. المقال رسم سيناريو (وصفوه صراحة بأنه “سيناريو، وليس توقعاً”) يفترض أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي أداءً أفضل من المتوقع، مما سيقضي على العديد من الوظائف ذات الأجور المرتفعة، ويرفع البطالة بشكل كبير، ويؤدي إلى انهيار السوق بنسبة 38% بحلول يونيو 2028 .

حقيقة أن مقالاً من منصة صغيرة يمكن أن يسبب مثل هذه التحركات في السوق تعكس هشاشة ثقة المستثمرين ومدى قلقهم من المستقبل غير المؤكد.

أزمة رقاقات الذاكرة تعيد تشكيل خريطة التكنولوجيا العالمية

جبهات قتال إضافية – تحديات إنفيديا المتعددة

حرب الرقاقات مع الصين

تواجه إنفيديا تحديات تنظيمية متزايدة. تقارير من TechCrunch وReuters تشير إلى أن الحكومة الأمريكية تدرس فرض قواعد جديدة تتطلب تراخيص لتصدير الرقاقات إلى جميع دول العالم، مما قد يزيد تعقيد عمليات إنفيديا العالمية .

كما أوقفت إنفيديا إنتاج رقاقات H200 المخصصة للسوق الصينية في مصانع TSMC، وركزت بدلاً من ذلك على منصة Vera Rubin الجديدة، في إشارة إلى أنها تتوقع استمرار القيود التصديرية .

استثمارات استراتيجية تثير الجدل

في مؤتمر مورغان ستانلي للتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، قال جينسن هوانغ إن استثمار الشركة في OpenAI (الذي نوقش أن يصل إلى 100 مليار دولار) سيكون على الأرجح “الاستثمار الكبير الأخير” قبل طرح OpenAI للاكتتاب العام . وأوضح أن الصفقة الكبرى القادمة ستكون في السوق العام، وليس في جولات تمويل خاصة.

تطورات في ساحة الذكاء الاصطناعي

كشفت إنفيديا عن شراكات جديدة متعددة، بما في ذلك :

  • اتفاقية ترخيص غير حصرية مع Groq لتسريع استدلال الذكاء الاصطناعي
  • توسيع الشراكة مع AWS عبر تقنيات جديدة
  • استثمار وشراكة تقنية مع Anthropic، التي توسع نموذج Claude على منصة Microsoft Azure المدعومة بأنظمة إنفيديا
  • تعاون مع CoreWeave لتسريع بناء أكثر من 5 غيغاواط من مصانع الذكاء الاصطناعي بحلول 2030

منافسة من الداخل

يبدو أن إنفيديا تنسحب تدريجياً من بعض الاستثمارات المباشرة لصالح التركيز على أعمالها الأساسية. هذا يتزامن مع صعود منافسين مثل Broadcom التي تقدم رقاقات مخصصة للذكاء الاصطناعي، والتي يراها بعض المحللين منافساً جاداً .

نظرة المحللين – بين التفاؤل الحذر والثقة الطويلة الأجل

توقعات متفائلة

رغم التحديات، لا يزال المحللون متفائلين للغاية بشأن إنفيديا. وفقاً لـ 38 محللاً، متوسط تصنيف السهم هو “شراء قوي” (Strong Buy)، مع سعر مستهدف بعد 12 شهراً يبلغ 263.29 دولار، أي بزيادة حوالي 45% عن السعر الحالي .

بنك أوف كوميونيكيشنز الصيني يرفع السعر المستهدف

في 2 مارس، رفع بنك بوكوم إنترناشونال لصيني سعره المستهدف لسهم إنفيديا إلى 260 دولار، مشيراً إلى أن الشركة تمتلك رؤية نمو طويلة الأجل معززة بمنصتي Blackwell وRubin، وتوقع أن تتجاوز إيراداتهم المجمعة 500 مليار دولار .

تقديرات الأرباح

رفع بنك بوكوم توقعاته لإيرادات إنفيديا للعامين الماليين 2027 و2028 إلى 354.5 مليار دولار و455.7 مليار دولار على التوالي، مع توقعات أرباح للسهم تبلغ 8.06 دولار و10.52 دولار .

سعر السهم إلى الأرباح (P/E)

يتداول سهم إنفيديا حالياً بمضاعف ربحية مستقبلي يبلغ حوالي 24 مرة فقط، وهو مستوى معقول جداً مقارنة بمعدل نمو إيراداتها السنوي الذي يبلغ 73% . هذا يشير إلى أن السهم قد يكون مقيم بأقل من قيمته الحقيقية إذا استمر النمو.

العوامل الجيوسياسية وتأثيرها

التوتر مع إيران

تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أضاف طبقة إضافية من القلق للأسواق. في 28 فبراير، شنت الولايات المتحدة ضربات عسكرية في العراق وسوريا رداً على هجمات بطائرات مسيرة. هذا أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 2% في ذلك اليوم .

تقلبات أسعار النفط

أسعار النفط الخام برنت سجلت 72.48 دولار في 27 فبراير، مرتفعة 2.45% . هذا الارتفاع يهدد بزيادة التكاليف التشغيلية للعديد من الشركات ويضيف ضغوطاً تضخمية قد تؤثر على قرارات الاحتياطي الفيدرالي.

دموع على عرش التكنولوجيا : سيرة العلامات التي حكمت العالم ثم تلاشت!

قيود التصدير الجديدة المحتملة

تقارير من Bloomberg وTechCrunch تشير إلى أن إدارة ترامب تدرس فرض قيود جديدة على تصدير الرقاقات تتطلب تراخيص لجميع الدول . هذه الخطوة، إذا تم تنفيذها، ستضيف تعقيداً كبيراً لعمليات إنفيديا العالمية.

إنفيديا بين المطرقة والسندان

ما حدث مع إنفيديا في الأيام الماضية يعكس حالة استثنائية في تاريخ الأسواق المالية: شركة تحقق أفضل نتائجها على الإطلاق، ثم يعاقبها السوق بشدة.

العوامل الإيجابيةالعوامل السلبية
أرباح قياسية (+94%)شكوك حول استدامة الإنفاق الرأسمالي
إيرادات 68 مليار دولارمخاوف من “تعب الذكاء الاصطناعي”
توقعات 78 مليار للربع القادمقيود تصدير محتملة جديدة
هامش ربح 75%توتر جيوسياسي مع إيران
مضاعف ربحية 24 فقط (معقول)مخاوف من انكماش اقتصادي
600 مليون وحدة Blackwell مباعةمنافسة من Broadcom وغيرها

الدرس الأكبر من هذه الحلقة هو أن سوق الأسهم لم تعد تكافئ النتائج فقط، بل تكافئ الرؤية الواضحة للمستقبل. والمستقبل، بالنسبة لإنفيديا، يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية:

  1. استمرار إنفاق عمالقة التكنولوجيا على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
  2. قدرة الشركة على تجاوز القيود التنظيمية وتنويع قاعدة عملائها جغرافياً
  3. تحقيق العملاء لعوائد ملموسة من استثماراتهم الضخمة في الذكاء الاصطناعي، مما يضمن استمرار دورة الإنفاق

جينسن هوانغ قال في مؤتمر المحللين: “الطلب على الحوسبة يتزايد بشكل أسي – لقد وصلت نقطة انعطاف الذكاء الاصطناعي الوكيلي” . كلماته تعكس ثقته في أن الموجة الحالية مجرد بداية لثورة أعمق. لكن السوق يريد أن يرى الدليل، وليس مجرد الثقة.

الأيام القادمة كفيلة بمعرفة من سينتصر: تفاؤل إنفيديا أم تشاؤم الأسواق؟

✍️ إعداد: فريق “أخبار تك”