تكنولوجيا
جوجل تستحوذ على “نيفروير”
فريق أخبار تك
قصة بدأت في مرآب وانتهت بثورة في إعادة تدوير الأجهزة
في ديسمبر 2020، أقدمت شركة جوجل على خطوة بدت في حينها عادية: استحواذها على شركة ناشئة صغيرة تدعى نيفروير (Neverware)، التي كانت تطور نظاماً تشغيلياً خفيفاً يُدعى كلود ريدي (CloudReady). هذا الاستحواذ لم يحظَ باهتمام كبير، لكنه كان أشبه بزرع بذرة في تربة خصبة. بعد ست سنوات، نضجت تلك البذرة لتصبح كروم أو إس فلكس (ChromeOS Flex)، وهو نظام أحدث ثورة في مفهوم إعادة تدوير الأجهزة القديمة، وأعاد تعريف الحوسبة السحابية للأفراد والمؤسسات على حد سواء .
اليوم، في 2026، يستخدم هذا النظام مئات الآلاف من الأفراد والشركات والمدارس حول العالم لتحويل أجهزتهم القديمة إلى أجهزة سريعة وآمنة وحديثة، بدلاً من أن تنتهي في مكبات النفايات الإلكترونية .
ما هي نيفروير (Neverware) وما هو كلود ريدي (CloudReady)؟
قبل أن تستحوذ عليها جوجل ، كانت نيفروير شركة صغيرة تؤمن بأن “الكمبيوتر ليس شيئاً تحتاج إلى التخلص منه كل ثلاث سنوات”. طورت الشركة نظام كلود ريدي، وهو نظام تشغيل خفيف قائم على مشروع كروميوم (Chromium) مفتوح المصدر، والذي يمكن تثبيته على أي جهاز كمبيوتر قديم (سواء كان يعمل بنظام ويندوز أو ماك) ليحوّله إلى جهاز يشبه كروم بوك (Chromebook) تماماً .
الميزة الأساسية لكلود ريدي كانت: السرعة، الأمان، وسهولة الإدارة. كان يُعيد الحياة لأجهزة كانت ستُرمى بسبب بطئها أو عدم تحديثها. وكانت المدارس والشركات الصغيرة من أوائل من تبنوه، لأنه كان يسمح لهم بتأمين وتحديث مئات الأجهزة القديمة عبر الإنترنت بكل سهولة وبتكلفة زهيدة .

ماذا حدث بعد الاستحواذ؟ من كلود ريدي إلى كروم أو إس فلكس
بعد استحواذ جوجل على نيفروير في أواخر 2020، انصبّ تركيز عملاق البحث على دمج قدرات كلود ريدي في عائلة أنظمة التشغيل الخاصة به. لم تكن النتيجة مجرد إعادة تسمية، بل كانت ولادة كروم أو إس فلكس (ChromeOS Flex)، وهو نظام تشغيل مدعوم رسمياً بالكامل من جوجل .
ما يُميز كروم أو إس فلكس عن سابقه كلود ريدي، وحتى عن كروم أو إس الأصلي، هو ما يلي :
- دعم رسمي وتحديثات أمنية مستمرة: الآن هو منتج جوجل ، لذا فهو يحصل على نفس مستوى التحديثات الأمنية التي تحصل عليها أجهزة كروم بوك الباهظة الثمن، مجاناً وبدون تعقيدات.
- نفس تجربة كروم أو إس: يوفر واجهة مستخدم متطابقة مع أي جهاز كروم بوك حديث، مع دعم كامل لتطبيقات أندرويد (عندما يتوافق العتاد) وتطبيقات لينكس .
- سهولة تجربة (Live USB): يمكن لأي شخص تجربة النظام على جهازه القديم عن طريق تشغيله من ذاكرة يو إس بي دون حذف النظام القديم، ليتأكد من سرعته وتوافقه مع العتاد قبل التثبيت النهائي .
لماذا هو حدث بالغ الأهمية؟
الاستحواذ على نيفروير كان نقطة تحول لعدة أسباب استراتيجية وتقنية:
1. حل جذري لمشكلة النفايات الإلكترونية
ملايين أجهزة الكمبيوتر تنتهي في مكبات النفايات سنوياً رغم أنها تعمل بشكل جيد. كروم أو إس فلكس يعطي هذه الأجهزة حياة جديدة. جهاز عمره 10 سنوات، أو حتى جهاز قديم يعمل بنظام ويندوز 7، يمكن أن يعمل عليه النظام بسلاسة تامة، ليصبح مناسباً للتصفح ومشاهدة الفيديو وأعمال الأوفيس والمراسلة .
2. الأمان كأولوية وليس كإضافة
الميزة الأهم في هذا النظام هي بنيته الأمنية الصلبة. نظام الملفات للقراءة فقط (Read-Only)، وبيئة العزل (Sandboxing) للتطبيقات، والتحقق من صحة النظام عند كل إقلاع (Verified Boot) تجعل هذا النظام شديد المقاومة للاختراقات والبرامج الخبيثة، وهو ما يمثل طوق نجاة للمؤسسات التي لا تستطيع تحديث أجهزتها القديمة .
3. توسيع النظام البيئي لـ “كروم بوك”
بفضل هذا الاستحواذ، تمكنت جوجل من كسر الحاجز المادي الذي كان يقيد نظامها البيئي. لم تعد تجربة كروم بوك حكراً على من يشتري جهازاً جديداً. الآن، يمكن لأي مدرسة أو شركة أو فرد أن يجرب هذه التجربة على الأجهزة المتوفرة لديه. وهذا سهّل على جوجل جذب المزيد من المؤسسات (خاصة في قطاع التعليم والأعمال) إلى نظام إدارة الأجهزة السحابي (Google Admin Console)، حيث يمكنها الآن إدارة أجهزة الكروم بوك وأجهزة الكمبيوتر المحولة بواسطة فلكس من لوحة تحكم واحدة .
4. نظام مثالي لعصر العمل عن بُعد والحوسبة السحابية
في عصر 2026، أصبحت الحوسبة السحابية ضرورة، وأصبح نظام فلكس هو المنصة المثالية لهذا النموذج. نظام خفيف وسريع يعتمد بالكامل على المتصفح وخدمات جوجل السحابية، ويتم إدارته عن بُعد، ويتكامل بسلاسة مع مساعد الذكاء الاصطناعي جيميني (Gemini) – وهو مستقبل الحوسبة الذي تراهن عليه جوجل.
الخلاصة: استحواذ بمليارات الدولارات من حيث القيمة الاستراتيجية
استحواذ جوجل على شركة صغيرة مثل نيفروير لم يكن صفقة بمليارات الدولارات، لكن أثره الاستراتيجي يفوق أي مبلغ. بهذه الخطوة، حوّلت جوجل ملايين الأجهزة القديمة إلى “جنود” في جيش نظامها البيئي السحابي، وقدمت حلاً عملياً ومجانياً لأحد أكبر تحديات العصر: النفايات الإلكترونية، وفي الوقت نفسه عززت مكانتها كمنصة رائدة في قطاعي التعليم والأعمال الذي يعتمد على الحوسبة السحابية والأمان كأولوية أولى.
ما بدأ كحلم في شركة ناشئة أصبح اليوم أداة قوية يعتمد عليها الملايين حول العالم، ليثبت أن التكنولوجيا الجيدة هي تلك التي تستمر وتتطور، ولا تموت في درج مهمل.