الذكاء الاصطناعي
التحليق فوق وادي السيليكون: تقرير أخبار تك عن مستجدات التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي في أمريكا
معارك ثلاثية الأبعاد: بين تنظيم البنتاغون، وسباق العمالقة، وأزمة الطاقة التي تعيد تشكيل الخريطة التنافسية
واشنطن – “أخبار تك”
في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة الجديدة التي يعيشها قطاع الذكاء الاصطناعي، تتقاطع في الولايات المتحدة الأمريكية ثلاثة تيارات رئيسية تعيد رسم ملامح المستقبل: الأول سياسي-أمني يتعلق بعلاقة عمالقة التكنولوجيا بالبنتاغون وحدود التعاون العسكري، والثاني تنافسي تجاري بين جوجل ومايكروسوفت وأوبن إيه آي على هيمنة المستخدم النهائي، والثالث بنيوي استراتيجي يتمثل في أزمة الطاقة التي تهدد بإنهاء عصر “النمو المجاني” لمراكز البيانات. في هذا التقرير، نرصد أبرز ما يجري خلف الكواليس في عاصمة التكنولوجيا العالمية.
واشنطن وعمالقة الذكاء الاصطناعي – شراكة مضطربة
أوبن إيه آي تعدل عقدها مع البنتاغون بعد الجدل
في تطور لافت يعكس حساسية العلاقة بين شركات التكنولوجيا والمؤسسة العسكرية الأمريكية، أعلنت شركة أوبن إيه آي (OpenAI) أنها ستقوم بتعديل عقدها مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لضمان عدم استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في عمليات المراقبة المحلية، وذلك بعد انتقادات واسعة بأن الاتفاق يمنح المسؤولين العسكريين صلاحيات واسعة دون رقابة كافية .
وكتب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة، على منصة إكس: “بما يتوافق مع القوانين السارية، بما في ذلك التعديل الرابع للدستور الأمريكي… لن يُستخدم نظام الذكاء الاصطناعي عمداً في المراقبة المحلية للأمريكيين والمواطنين” .
وجاء هذا الاتفاق مع البنتاغون بعد ساعات فقط من رفض شركة أنثروبيك (Anthropic) المنافسة الموافقة على الاستخدام العسكري غير المشروط لنماذجها، مما أثار رد فعل عنيفاً من المسؤولين الأمريكيين الذين صنفوا الشركة كـ”خطر على سلسلة التوريد”، وهو ما تعهدت أنثروبيك بمقاضاته واعتبرته “سابقة خطيرة لأي شركة أمريكية تتفاوض مع الحكومة” .

ثلاثة خطوط حمراء صارمة
كشفت أوبن إيه آي عن تفاصيل إضافية حول الاتفاقية، مؤكدة أنها تتضمن ثلاثة قيود واضحة :
- منع المراقبة الجماعية (Mass Surveillance): يُحظر استخدام التكنولوجيا في المراقبة المحلية الواسعة النطاق.
- منع أنظمة الأسلحة الذاتية (Autonomous Weapons): لا يمكن استخدام النماذج لتوجيه أنظمة أسلحة تعمل بشكل ذاتي.
- منع القرارات الآلية عالية المخاطر (High-stakes Automated Decisions): يستثنى استخدام النظام في قرارات مثل التصنيف الاجتماعي (Social Credit) أو ما يشبهه.
وأكدت الشركة أن الأنظمة ستعمل فقط من خلال بنية تحتية سحابية تسيطر عليها أوبن إيه آي، مما يسمح لها بمراقبة آليات السلامة وتحديثها، مع وجود مهندسين وباحثين معتمدين داخل فرق الحكومة للإشراف على الاستخدام .
واعترف ألتمان بأن الاتفاق تم “على عجل” وأن “القضايا معقدة للغاية وتتطلب تواصلاً واضحاً”، مضيفاً أن التكنولوجيا ليست جاهزة بعد للعديد من الأمور، وأن هناك مجالات لا يزالون يفهمون فيها المقايضات المطلوبة للسلامة .
سباق العمالقة – جوجل تستعيد التوازن
جوجل تعزز جيميني بذكاء شخصي
بعد فترة من التراجع النسبي أمام زخم أوبن إيه آي، تعود جوجل (Google) بقوة إلى حلبة المنافسة من خلال تحديث جذري لمنصة جيميني (Gemini). الشركة أعلنت عن إطلاق ميزة “الذكاء الشخصي” (Personal Intelligence)، التي تدمج بيانات خدمات جوجل المتنوعة مثل جيميل (Gmail) ويوتيوب (YouTube) وصور جوجل (Photos) لتقديم تجربة مساعد شخصي فائقة الخصوصية .

هذا التحديث، الذي يتيح لجيميني الوصول إلى مصادر متعددة وإجراء استدلالات عميقة مع الحفاظ على خصوصية عالية (حيث يمكن للمستخدم اختيار التطبيقات المرتبطة مع إبقاء الميزة معطلة افتراضياً)، يهدف إلى خلق فارق نوعي بين جيميني وتشات جي بي تي (ChatGPT) .
آبل تختار جيميني.. صفقة العقد
الخبر الأكبر في عالم الشراكات التكنولوجية كان إعلان آبل (Apple) بالتعاون مع جوجل لتكون جيميني هي التقنية الأساسية التي ستعمل عليها النسخة الجديدة من المساعد الصوتي سيري (Siri)، على أن يتم الإطلاق بحلول نهاية العام .
هذه الخطوة تمثل تحولاً كبيراً عن توجه آبل السابق الذي كان يعتمد على أوبن إيه آي كمزود رئيسي لتقنيات “آبل إنتليجنس” (Apple Intelligence). المحللون يرون أن هذه الصفقة “ترسخ مكانة جيميني كأفضل نموذج لغوي كبير للأجهزة المحمولة”، وتعزز ثقة المستثمرين في استقرار أعمال البحث لدى جوجل وربحيتها على المدى الطويل .
مايكروسوفت في عام “الإثبات”
في المقابل، تدخل مايكروسوفت (Microsoft) عام 2026 كـ “عام الإثبات” (Prove-it year) وفقاً لتحليلات الخبراء. مساعد كوبايلوت (Copilot) لا يزال يعاني من فكرة كونه مجرد “واجهة باهظة الثمن لقدرات عامة”، وهذا الضغط يتدفق مباشرة إلى شراكتها مع أوبن إيه آي .
رئيس مايكروسوفت التنفيذي للذكاء الاصطناعي أشار إلى أن كوبايلوت يشهد تحديثات كبيرة بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الشركة، تشمل ميزات مثل “الشخصية الرقمية” (Digital Persona) التي تمنح الخدمة وجوداً افتراضياً يشبه الإنسان، وقدرات الرؤية (Copilot Vision)، والبحث، والذاكرة .
أنثروبيك: بين السلامة والتهميش
أما أنثروبيك، فتواجه معضلة حقيقية. فبينما يلقى توجهها “السلامة أولاً” قبولاً لدى بعض المؤسسات، إلا أن موقفها المتصلب مع البنتاغون وتصنيفها كخطر أمني من قبل الحكومة يضعها في موقف صعب. الخبراء يرون أن “السلوك الأفضل لا يترجم تلقائياً إلى ميزة دائمة”، وأن أنثروبيك قد تجد نفسها في “نفس حقل الجاذبية” الذي يدور فيه الجميع، دون قدرة على تحقيق اختراق حقيقي .
أزمة الطاقة – “فاتورة الكهرباء” تقلب الموازين
إنذار البيت الأبيض: أنتم من سيدفع
في حدث قد يكون الأكثر تأثيراً على المدى الطويل، يستعد البيت الأبيض غداً 4 مارس لاستضافة قمة تضم عمالقة التكنولوجيا (أمازون، ميتا، مايكروسوفت، جوجل، إكس إيه آي، أوراكل، أوبن إيه آي) لتوقيع “تعهد حماية دافعي الفواتير” (Ratepayer Protection Pledge) .
جوهر هذا التعهد الطوعي (الذي يبدو أنه سيتحول إلى معيار إلزامي فعلي) هو إجبار شركات التكنولوجيا على بناء محطات توليد كهرباء خاصة بها، وشراء الطاقة المتجددة مباشرة، وإنشاء شبكات مستقلة لتغذية مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وذلك لمنع تحميل تكاليف استهلاك الطاقة الهائل للمراكز على فواتير الكهرباء للمواطنين العاديين .
لماذا الآن؟
السبب المباشر لهذه الخطوة الحكومية هو أن شبكة الكهرباء الأمريكية وصلت إلى حدودها القصوى. تقارير مصرف جولدمان ساكس تشير إلى أن مراكز البيانات ستكون مسؤولة عن نحو 40% من النمو في الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة بين 2026 و2030. وفي ولايات مثل فرجينيا وتكساس وكاليفورنيا، ارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة تجاوزت 20% في عام واحد فقط بسبب ضغط مراكز البيانات .
المشكلة أن البنية التحتية للشبكة الأمريكية قديمة، والحصول على موافقات لبناء خطوط نقل جديدة قد يستغرق من 5 إلى 7 سنوات. وقد وجدت شركات مثل أوبن إيه آي ومايكروسوفت نفسها في موقف محرج حيث “بُنيت مراكز البيانات ورُكبت وحدات معالجة الرسوميات (GPU)، ولكن لا يوجد كهرباء كافية لتشغيلها” .
تحول جذري في نموذج الأعمال
هذا التعهد، إذا طُبق بصرامة، سيحدث تغييراً جذرياً في صناعة الذكاء الاصطناعي:
- نهاية “المتغير القابل للاستهلاك”: الكهرباء تتحول من “تكلفة تشغيل شهرية” (Opex) إلى “استثمار رأسمالي ضخم مسبق” (Capex). بناء محطة طاقة غازية أو مزرعة شمسية مع بطاريات تخزين يتطلب مليارات الدولارات.
- إغلاق باب المنافسة أمام الشركات الناشئة: الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تستطيع تحمل تكاليف بناء بنيتها التحتية للطاقة سيتم استبعادها تلقائياً من سباق الذكاء الاصطناعي، مما يعزز هيمنة العمالقة.
- تغيير خريطة مراكز البيانات: لم يعد معيار اختيار موقع مركز البيانات هو “القرب من المواهب” أو “التكلفة التشغيلية”، بل “القرب من مصادر الطاقة”. نتوقع هجرة ضخمة لمراكز البيانات من السواحل إلى المناطق الوسطى والجنوبية حيث الأراضي الفسيحة والطاقة الأقل تكلفة .
معارك جانبية وتطورات أخرى
على صعيد تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة مثل التأمين الصحي، تشهد الولايات المتحدة حرباً قانونية وسياسية بين الولايات والحكومة الفيدرالية. ولايات مثل فلوريدا (بقيادة الحزب الجمهوري) وميريلاند (بقيادة الديمقراطيين) تسن قوانين للحد من استخدام الذكاء الاصطناعي في رفض المطالبات التأمينية واتخاذ القرارات الطبية .
في المقابل، أصدر الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً في ديسمبر الماضي يسعى إلى “إبطال مفعول معظم جهود الولايات لتنظيم الذكاء الاصطناعي”، بحجة أن الشركات الأمريكية يجب أن تكون حرة في الابتكار دون أعباء تنظيمية مفرطة، وأن المنافسة مع الخصوم (خاصة الصين) تتطلب نهجاً موحداً . هذا الصراع قد يصل إلى المحكمة العليا.
إس بيس إكس تخطط لطرح عام ضخم
على هامش أخبار الذكاء الاصطناعي، تخطط شركة سبيس إكس (SpaceX) لتقديم طلب طرح عام أولي (IPO) سري خلال مارس الجاري، بقيمة سوقية مستهدفة تتجاوز 1.75 تريليون دولار، وبحجم اكتتاب قد يصل إلى 500 مليار دولار، في خطوة قد تكون الأكبر في تاريخ الأسواق المالية .
خلاصة: ثلاثية الصراع تنتج مشهداً معقداً
ما يجري في الولايات المتحدة اليوم ليس مجرد سباق تكنولوجي عادي، بل هو صراع ثلاثي الأبعاد:
- البعد الأول (سياسي/عسكري): تحاول شركات الذكاء الاصطناعي تحقيق توازن دقيق بين الاستفادة من عقود الحكومة الضخمة وبين الحفاظ على مبادئها الأخلاقية وسمعتها العامة. أزمة أوبن إيه آي وأنثروبيك مع البنتاغون تعكس عمق هذه المعضلة.
- البعد الثاني (تجاري/تنافسي): جوجل تستعيد توازنها بفضل صفقة آبل وتحديثات جيميني، بيناضغط على مايكروسوفت وأوبن إيه آي لإثبات قدرتهما على تقديم قيمة حقيقية تتجاوز “الواجهات البراقة”.
- البعد الثالث (بنيوي/طاقوي): أزمة الكهرباء تهدد بقلب الطاولة على الجميع، وتفرض واقعاً جديداً قد يعيد تعريف مفهوم “القوة الحاسوبية” ليشمل “القوة الكهربائية” كمكون أساسي لا يقل أهمية عن الرقاقات.
في النهاية، يبدو أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة “النضج المؤلم”، حيث لم تعد الأفكار والمعاومات وحدها كافية، بل أصبحت البنية التحتية (الطاقة) والعلاقة مع المؤسسات الحاكمة (البنتاغون) عوامل حاسمة في تحديد من سيبقى ومن سيرحل.
إعداد: فريق “أخبار تك”
وكالات انباء + مواقع صحفية واخبارية وتقنية