الأمن السيبراني
الحرب الأسترالية على عمالقة التكنولوجيا: معركة شرسة لحماية الأطفال في العصر الرقمي
كانبرا تطلق أضخم حملة تنظيمية عالمية لفرض قيود عمرية صارمة على منصات الذكاء الاصطناعي وتهدد بحجب الخدمات غير الممتثلة
كانبرا- “أخبار تك”
في خطوة غير مسبوقة تعكس تصدياً حاسماً لمخاطر العصر الرقمي، تخوض أستراليا ما يوصف بأنه “أشرس حرب تنظيمية” ضد شركات التكنولوجيا الكبرى، بهدف حماية الأطفال والمراهقين من مخاطر منصات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي. فبعد أن كانت أول دولة في العالم تفرض حظراً على استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي في ديسمبر الماضي، تستعد كانبرا اليوم لمعركة جديدة مع عمالقة التكنولوجيا مع اقتراب المهلة النهائية لامتثال خدمات الذكاء الاصطناعي للقوانين الجديدة.
المهلة الأخيرة – 9 مارس 2026
إنذار نهائي لشركات الذكاء الاصطناعي
مع اقتراب ساعة الصفر، حددت الحكومة الأسترالية يوم 9 مارس 2026 موعداً نهائياً لجميع خدمات الذكاء الاصطناعي العاملة على أراضيها، بما في ذلك أدوات البحث الشهيرة مثل ChatGPT ومنصات المحادثة التفاعلية (Companion Chatbots)، لفرض قيود صارمة تمنع القُصّر دون 18 عاماً من الوصول إلى محتوى غير لائق، وتحديداً:
- المواد الإباحية
- المحتوى الذي يحرض على العنف الشديد
- محتوى تشجيع إيذاء النفس
- محتوى اضطرابات الأكل
وتواجه الشركات المخالفة غرامات مالية ضخمة تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي (حوالي 35 مليون دولار أمريكي) .

تحذير صارم من الهيئة التنظيمية
في تصريح حاسم، أكد متحدث رسمي باسم المفوضية الإلكترونية الأسترالية (eSafety Commissioner) أن الجهاز الرقابي لن يتهاون مع المخالفين، مشيراً إلى أن الهيئة “ستستخدم كامل صلاحياتها في حال عدم الامتثال” . وأضاف أن هذه الصلاحيات قد تمتد إلى “إجراءات ضد خدمات البوّابات الرئيسية مثل محركات البحث ومتاجر التطبيقات”، التي تشكل نقاط الوصول الأساسية لهذه الخدمات .
هذا التصريح يحمل تهديداً واضحاً لشركات مثل Apple و Google، المسؤولتان عن متاجر التطبيقات الأكثر انتشاراً في العالم، بإجبارها على حجب التطبيقات غير الممتثلة عن المستخدمين الأستراليين.
واقع مخيف – تحقيق رويترز يكشف حجم الأزمة
الغالبية العظمى غير مستعدة
قبل أسبوع واحد فقط من الموعد النهائي، كشف تحقيق أجرته وكالة رويترز عن واقع مقلق يكشف حجم التحدي الذي تواجهه أستراليا. فمن بين أكثر 50 منتج ذكاء اصطناعي نصي شهرة في العالم :
- 9 شركات فقط قامت بتطبيق أو الإعلان عن خطط لتطبيق أنظمة للتحقق من العمر
- 11 منصة قامت بفرض مرشحات محتوى شاملة أو أعلنت عن حجب خدماتها بالكامل عن أستراليا
- 30 منصة لم تتخذ أي خطوات ظاهرة للامتثال للقوانين الجديدة
الأدوات الأكثر خطورة في مرمى النيران
تتركز المخاوف بشكل خاص على منصات المحادثة التفاعلية (Companion Chatbots)، التي صممت لمحاكاة العلاقات الإنسانية وتوفير رفقة افتراضية. وكشف التحقيق أن :
- ثلاثة أرباع هذه المنصات لا تمتلك أي أنظمة لتصفية المحتوى أو التحقق من العمر
- سدسها لا يوفر عنوان بريد إلكتروني للإبلاغ عن الانتهاكات، وهو مطلب أساسي في القانون الجديد
غروك في الواجهة: أداة ماسك تحت المجهر
تصدرت أداة الذكاء الاصطناعي الشهيرة Grok، المملوكة لشركة xAI التابعة لإيلون ماسك، قائمة المنصات غير الممتثلة، حيث تبين أنها لا تمتلك أي إجراءات للتحقق من العمر أو مرشحات محتوى نصية، وذلك رغم كونها قيد التحقيق عالمياً للاشتباه في فشلها بوقف إنتاج صور إباحية مركبة للأطفال . ولم ترد شركة xAI على طلبات التعليق.
مخاوف من “التلاعب العاطفي”
تكشف وثائق الجهاز التنظيمي الأسترالي عن قلق عميق إزاء سلوك شركات الذكاء الاصطناعي، حيث أعرب المتحدث الرسمي عن “قلق eSafety من أن شركات الذكاء الاصطناعي تستخدم التلاعب العاطفي والتشخيص البشري وغيرها من التقنيات المتقدمة لجذب وإدمان الشباب على الاستخدام المفرط للروبوتات المحادثة” .
وتشير تقارير الجهاز إلى وجود أطفال بعمر 10 سنوات يتحدثون إلى هذه الأدوات التفاعلية لمدة تصل إلى 6 ساعات يومياً .

شهادات أكاديمية صادمة
في تعليقها على نتائج التحقيق، قالت ليزا غيفن، مديرة مركز البيئات المعلوماتية للإنسان والذكاء الاصطناعي في جامعة RMIT: “نتائج رويترز غير مفاجئة، لأن معظم هذه الأدوات تُصمم دون النظر إلى المخاطر المحتملة والحاجة إلى ضوابط السلامة هذه” .
وأضافت: “يبدو الأمر وكأننا نختبر تجريياً كل هذه الأشياء لصالح هذه الشركات، وهي تحاول أن ترى إلى أي مدى يمكن دفع المجتمع للقبول بهذه المخاطر” .
معركة متعددة الجبهات – من الذكاء الاصطناعي إلى حماية الخصوصية
كود خصوصية الأطفال (Children’s Privacy Code)
لا تقتصر الحرب الأسترالية على تنظيم الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تمتد إلى بناء إطار شامل لحماية خصوصية الأطفال في الفضاء الرقمي. فبموجب قانون التعديلات على الخصوصية لعام 2024 (POLA Act)، يعمل مكتب مفوض المعلومات الأسترالي (OAIC) على تطوير كود خصوصية الأطفال على الإنترنت، الذي سيدخل حيز التنفيذ في 10 ديسمبر 2026 .
ويهدف الكود إلى تغطية جميع الخدمات الإلكترونية “التي يحتمل أن يصل إليها الأطفال”، ويتوقع أن يتضمن متطلبات صارمة مثل :
- أدوات واضحة تمنح الأطفال سيطرة مباشرة على بياناتهم
- حماية من “التوجيه الخفي” (nudging) الذي يدفع الأطفال لمشاركة المزيد من البيانات
- قيود على التتبع والإعلانات الموجهة
- تقليل جمع البيانات إلى الحد الأدنى مع إيقاف مشاركة الموقع الجغرافي افتراضياً
انتقاد حاد لشركات التكنولوجيا الكبرى
في تقرير شفافية لاذع صدر في فبراير 2026، وجهت المفوضية الإلكترونية الأسترالية انتقادات حادة لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم، متهمة إياها بالفشل في معالجة مخاطر استغلال الأطفال جنسياً .
وكشفت المفوضية أن :
- الشركات الكبرى لا تزال تفشل في سد “فجوات السلامة” في اكتشاف ومنع استغلال الأطفال
- هناك قصور في الكشف عن الإساءة الحية عبر الإنترنت في خدمات مكالمات الفيديو شائعة الاستخدام، بما في ذلك FaceTime من Apple وWhatsApp من Meta وTeams من Microsoft
- الشركات تفتقر إلى الكشف الاستباقي الكافي للمواد المصنّعة حديثاً لاستغلال الأطفال
ولم ترد شركة Apple على طلبات التعليق، لكنها أشارت إلى أنها ستستخدم “طرقاً معقولة” لمنع القُصّر من تحميل تطبيقات 18+ في أستراليا .
روبلوكس تحت المجهر: اختبار شامل
في تطور لافت، أعلنت المفوضية الإلكترونية في فبراير 2026 عن إجراء اختبار شامل لمنصة الألعاب الشهيرة Roblox، التي تضم أكثر من 600 مليون مستخدم نشط شهرياً، للتحقق من امتثالها لتسعة التزامات سلامة تعهدت بها في 2025 .
وتشمل الالتزامات التي تخضع للاختبار :
- التحقق من العمر في الوقت الفعلي
- بروتوكولات موافقة الوالدين للمستخدمين تحت 16 عاماً للتواصل مع البالغين
- آليات رقابة بالمحتوى تعمل بالذكاء الاصطناعي
- حسابات ولي الأمر لمراقبة النشاط
وتشير التقديرات إلى أن 30% من مستخدمي Roblox يتواجدون في آسيا، مما يجعل نتائج هذا الاختبار ذات تداعيات عالمية .
تحول جذري في فلسفة الرقابة – من التوجيه إلى الإنفاذ
2026: عام الإنفاذ الفعلي
يحذر الخبراء القانونيون من أن عام 2026 يمثل نقطة تحول جوهرية في النهج التنظيمي الأسترالي، حيث يتحول من “تشجيع أفضل الممارسات” إلى “الإنفاذ النشط” .
ويأتي هذا التحول بعد أول عقوبة مدنية تُفرض بموجب قانون الخصوصية في 2025 ضد مختبرات Clinical Labs الأسترالية بسبب اختراق بيانات Medlab Pathology .
أدوات رقابية موسعة
باتت الهيئة التنظيمية الأسترالية تمتلك الآن مجموعة أدوات إنفاذ موسعة بشكل كبير، تشمل :
- إصدار إشعارات مخالفة لخرق التزامات محددة
- فرض عقوبات مدنية لمجموعة أوسع من انتهاكات الخصوصية
- سلطات تحقيق معززة
وتشمل أولويات العمل التنظيمي للفترة 2025-2026 مراقبة دقيقة للتقنيات الناشئة مثل البيومترية والتعرف على الوجه وتتبع البيكسل .
عمليات مسح قطاعية
لأول مرة، ستجري OAIC عملية مسح امتثال قطاعية، تستهدف 60 شركة في بيئات جمع البيانات عالية المخاطر مثل خدمات التأجير والعقارات والصيدليات وأماكن الترفيه المرخصة، للتحقق من امتثال سياسات الخصوصية للقانون .
وتواجه الشركات غير الممتثلة غرامات تصل إلى 330 ألف دولار للكيانات الاعتبارية .
ردود فعل الشركات ومواقفها
آبل: استجابة محدودة
أعلنت شركة Apple على موقعها الإلكتروني الأسبوع الماضي أنها ستستخدم “طرقاً معقولة” لمنع القُصّر من تحميل تطبيقات 18+ في أستراليا، دون تحديد طبيعة هذه الطرق .
جوجل: صمت حذر
رفض متحدث باسم Google، التي تمتلك أكبر محرك بحث في أستراليا وثاني أكبر متجر تطبيقات، التعليق على الموقف .
شركات ممتثلة
من ناحية أخرى، بدأت بعض الشركات الكبرى في اتخاذ خطوات جادة، حيث قامت ChatGPT وReplika وAnthropic’s Claude بتطبيق أنظمة للتحقق من العمر أو مرشحات شاملة، بينما قطعت Character.AI التواصل المفتوح مع المستخدمين تحت 18 عاماً .
موقف الصناعة
قالت جينيفر دوكسبري، رئيسة السياسات في مجموعة صناعة الإنترنت DIGI، التي قادت صياغة كود الذكاء الاصطناعي قبل المصادقة عليه من الجهاز التنظيمي، إن eSafety تحاول إخطار خدمات المحادثة الآلية بالقواعد الجديدة، لكن “في النهاية، أي خدمة تعمل في أستراليا مسؤولة عن فهم التزاماتها القانونية وضمان امتثالها لها” .
خلاصة: نموذج أسترالي يهدد بتغيير قواعد اللعبة عالمياً
ما تفعله أستراليا اليوم يتجاوز كونه مجرد تشريعات محلية، فهو يشكل نموذجاً عالمياً في مواجهة مخاطر التكنولوجيا على الأطفال. فمع تهديدها بحجب خدمات البوّابات الرئيسية (محركات البحث ومتاجر التطبيقات)، وفرض غرامات بملايين الدولارات، وإجراء عمليات مسح قطاعية شاملة، تضع كانبرا نفسها في طليعة الدول التي تتحدى هيمنة عمالقة التكنولوجيا.
التساؤل الكبير الذي يطرح نفسه الآن: هل تنجح أستراليا في فرض رؤيتها؟ وهل تحذو دول أخرى حذوها؟
الأيام المقبلة، خاصة بعد انقضاء مهلة 9 مارس، ستحمل الإجابة عن هذه التساؤلات، وستكشف ما إذا كانت “الحرب الأسترالية” ستتحول إلى ثورة عالمية في تنظيم علاقة الأطفال بعالم التكنولوجيا، أم ستبقى مجرد تجربة فريدة في مواجهة قوى تكنولوجية هائلة.
“أخبار تك” وكالات انباء + مواقع وصحف اخبارية