تكنولوجيا
الذكاء الاصطناعي سلاح الحروب الحديثة: موجة تضليل غير مسبوقة تجتاح منصات التواصل في نار الصراع الإيراني الاسرائيلي
تحليل إخباري – “أخبار تك”
معركة موازية على الجبهة الرقمية
بينما تحتدم المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، تدور معركة لا تقل شراسة على جبهة أخرى: جبهة المعلومات. فمنذ اندلاع العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير الماضي، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة غير مسبوقة من المحتوى المضلل والمصنّع بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما خلق حالة من الفوضى المعلوماتية التي وصفها خبراء بأنها “ضباب الحرب الرقمي” .
تحليلات حديثة من بي بي سي ڤيريفاي ونيوزغارد تكشف أن المحتوى المُنتَج بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد جذب مئات الملايين من المشاهدات عبر منصات التواصل خلال الأيام القليلة الماضية، في ظاهرة هي الأولى من نوعها من حيث الحجم والسرعة .
نماذج صادمة من خيال الآلة
برج خليفة يحترق وهمًا
من أبرز الأمثلة على هذا التضليل، مقطع فيديو متداول على نطاق واسع يُظهر برج خليفة في دبي يلتهمه اللهب بينما تظهر جموع من الناس تركض باتجاه المبنى المزدحم. الفيديو الذي حصد عشرات الملايين من المشاهدات، لم يكن سوى مشهداً مصنّعاً بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، انتشر في لحظة بلغت فيها ذروة القلق بين السكان والسياح بعد تقارير عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت المدينة .
مشاهد تلفزيونية كاذبة
في حادثة أخرى، بثت قنوات تلفزيونية إخبارية على عجل مشاهد قيل إنها لصواريخ إيرانية باليستية تضرب مدينة تل أبيب. غير أن تدقيقاً لاحقاً من صحفيين متخصصين في التحقق كشف أن المقطع المتداول هو من إنتاج الذكاء الاصطناعي، ولا علاقة له بالواقع على الأرض .
صحيفة رسمية تنشر صورة مزيفة
حتى وسائل الإعلام الرسمية لم تسلم من هذه الموجة. صحيفة تهران تايمز الإيرانية نشرت عبر حسابها على منصة إكس صورة زعمت أنها تُظهر دماراً لحق بنظام رادار أمريكي في قطر إثر هجوم بطائرة مسيرة إيرانية. تحليل متعمق أجرته فاينانشال تايمز كشف أن الصورة هي تعديل بالذكاء الاصطناعي لصورة حقيقية من قاعدة بحرية أمريكية في البحرين التقطت قبل عام كامل، حيث ظهرت ثلاث مركبات خارج القاعدة في نفس الموضع في كلتا الصورتين، دليلاً قاطعاً على التلاعب .
استهداف وعي الجمهور
أحد الخبراء في مركز أبحاث جامعة أكسفورد للإنترنت علق قائلاً: “مقاطع الفيديو هذه تقوض الثقة في المعلومات الموثوقة المتاحة عبر الإنترنت وتجعل توثيق الأدلة الحقيقية أكثر صعوبة” .
من المستفيد؟ دوافع اقتصادية وسياسية
آلة لطباعة الأموال
اللافت في هذه الموجة الجديدة أن المحتوى المضلل لم يعد يقتصر على الأطراف المتحاربة. تحقيقات بي بي سي ڤيريفاي كشفت أن منشئي محتوى على منصات التواصل يستغلون الأحداث الجارية لإنتاج فيديوهات درامية باستخدام الذكاء الاصطناعي، بهدف تحقيق أرباح مادية من برامج مشاركة الإيرادات.
تيموثي غراهام، خبير الإعلام الرقمي في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا، أوضح الآلية: “بمجرد أن يتأهل منشئ المحتوى لبرنامج المشاركة في الإيرادات، يصبح المحتوى الفيروسي المنتج بالذكاء الاصطناعي بمثابة آلة لطباعة الأموال. هذا خلق مشروعاً غير مسبوق للتضليل الإلكتروني” .
تضليل سياسي منظم
إلى جانب الدوافع الاقتصادية، هناك أبعاد سياسية واضحة. تقارير من معهد الحوار الاستراتيجي (ISD) تشير إلى أن حسابات وهمية على منصات التواصل انتحلت صفة قيادات إيرانية كبرى، في محاولة لبث الفوضى والتأثير على الرأي العام. كما تم تداول لقطات من ألعاب الفيديو على أنها مشاهد حقيقية للهجمات الصاروخية .
استهداف الشباب في الهند
في تطور خطير، كشفت أجهزة استخبارات هندية عن حملات منظمة تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج فيديوهات دعائية بـلغات محلية متعددة (المالايالامية، الكشميرية، الهندية، الأردية) بهدف استقطاب الشباب وتجنيدهم عبر استغلال الصراع الدائر .
منصات التواصل تتحرك متأخرة
سياسة جديدة من إكس
في مواجهة هذا السيل الجارف من التضليل، أعلنت منصة إكس (تويتر سابقاً) عن سياسة جديدة اعتباراً من 3 مارس، تقضي بحرمان المستخدمين الذين ينشرون فيديوهات مصنعة بالذكاء الاصطناعي عن صراعات مسلحة دون الإفصاح بوضوح عن مصدرها، من عائدات المشاركة في الإيرادات لمدة 90 يوماً، مع التهديد بالحرمان الدائم في حال تكرار المخالفة .
نيكيتا بير، رئيس المنتج في المنصة، علق: “في أوقات الحرب، من الضروري أن يحصل الناس على معلومات حقيقية من الميدان. تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل من السهل جداً إنتاج محتوى يمكن أن يضلل الناس” .

غرامات مشددة في دول الخليج
على المستوى المحلي، أصدرت وزارة الداخلية السعودية تحذيرات عاجلة للمواطنين والمقيمين بضرورة توخي الحذر وعدم تصديق الشائعات ، من جهة ثانية حذرت شرطة دبي من نشر الشائعات والمعلومات المضللة، مؤكدة أن المخالفين سيواجهون غرامات لا تقل عن 200 ألف درهم .
صعوبات تقنية
رغم هذه الإجراءات، يحذر خبراء من أن المشكلة أعمق. فقد اكتشفت نيوزغارد أن أداة البحث العكسي عن الصور من جوجل أنتجت ملخصات غير دقيقة عن صور مضللة متعلقة بالصراع، مما كشف “نقطة ضعف كبيرة في نظام يستخدم على نطاق واسع للتحقق من صحة الصور” . كما وجدت بي بي سي أن روبوت الدردشة غروك المدمج في منصة إكس أخفق في التحقق من صحة مقاطع فيديو مصنعة، وأكد خطأ أنها حقيقية .
العصر الجديد للحروب
ما نشهده اليوم ليس مجرد موجة تضليل عابرة. إنه تحول جذري في مفهوم الحرب النفسية والإعلامية. التقارير تشير إلى أن المحتوى المضلل المنتج بالذكاء الاصطناعي المرتبط بهذا الصراع وحده حصد أكثر من 21.9 مليون مشاهدة على منصة إكس وحدها .
آري أبيلسون، المشارك في تأسيس منصة OpenOrigins لمكافحة التزييف العميق، لخص المشهد بعبارة بليغة: “ضباب الحرب يتحول بسرعة إلى طين الحرب، حيث يخلق المحتوى التخليقي الاصطناعي ضوضاء لا نهائية في الأنظمة البيئية للمعلومات” .
في هذا العصر الجديد، أصبح التمييز بين الحقيقي والمصنع مهمة شاقة، والثقة في أي صورة أو مقطع فيديو لم تعد أمراً مسلماً به.
فريق “أخبار تك”