مقال تك
الذكاء الاصطناعي وتحولات الصراع في الشرق الأوسط
رئيس التحرير
ما وراء عدسات الصراع التقليدي
يصف كثير من المحللين الصراع الذي اندلع في أكتوبر ٢٠٢٣ وتصاعده الإقليمي اللاحق عبر عدسات تقليدية: مأساة المعاناة المدنية، وإعادة ترتيب جيوسياسي، وعودة الحرب الإقليمية. لكن تحت الواقع الحركي للصواريخ والعمليات البرية، يكمن تحول عميق وصامت في طبيعة القتال. فالحرب الراهنة في الشرق الأوسط تُعد على الأرجح أول صراع واسع النطاق لا يكون فيه الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تجريبية ثانوية، بل ركيزة مركزية في الاستراتيجية العسكرية.
من اكتساب الأهداف إلى الحرب المعلوماتية، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل ساحة المعركة، ضاغطاً دورة “المستشعر إلى المُطلِق” إلى سرعات تتحدى الإدراك البشري، ومثيراً أسئلة أخلاقية ملحة حول مستقبل الحروب.
“مصنع الأهداف”: الذكاء الاصطناعي والاستخبارات
يُعد التطبيق الأكثر أهمية – والأكثر إثارة للجدل – للذكاء الاصطناعي في هذا الصراع في مجال معالجة الاستخبارات وتوليد الأهداف. تاريخياً، كانت عملية تحديد الأهداف العسكرية تتطلب تحليلاً بشرياً شاقاً للصور الفضائية، واستخبارات الإشارات، والمصادر البشرية. أما في حرب الشرق الأوسط الجديدة، فقد استخدمت قوات الدفاع الإسرائيلية منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما أنظمة أُشير إليها بـ”الإنجيل” و”لافندر”، لأتمتة هذه العملية.
تستخدم هذه الأنظمة خوارزميات التعلّم الآلي لفرز كميات هائلة من البيانات – الاتصالات المعترضة، ولقطات الطائرات المسيرة، وبيانات المراقبة – لتحديد الأنماط الدالة على نشاط حركتي “حماس” أو “حزب الله”. والنتيجة هي “مصنع أهداف” قادر على توليد آلاف الأهداف المحتملة يومياً، بمعدل يفوق بكثير القدرة التحليلية البشرية التقليدية.
الميزة التشغيلية واضحة: فهي تتيح للجيش تدمير بنية الخصم التحتية بسرعة. لكن التداعيات التحليلية صارخة. فاعتماد الخوارزميات الاحتمالية يُدخل هامش خطأ إحصائي في عملية اتخاذ القرارات القاتلة. وقد ظهرت تقارير تشير إلى أنه رغم تحقيق هذه الأنظمة معدلات دقة عالية، فإنها أذنت أيضاً بتنفيذ ضربات ضد أفراد لا تربطهم سوى صلات ضعيفة بالمجموعات المسلحة. وقد بيّنت الحرب أنه عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الاستهداف، يرتفع خطر الأضرار الجانبية بشكل متناسب، مما يفرض مواجهة بين الكفاءة التشغيلية والقانون الإنساني الدولي.
الوحدة 802: ذراع الموساد الخفي لجمع المعلومات من وسائل التواصل
الحرب المعرفية: التزييف العميق وضباب المعلومات
بينما يوجّه الذكاء الاصطناعي الذخائر المادية، فهو أيضاً السلاح الرئيس في المجال المعرفي. فقد عُزّزت الحرب المعلوماتية المحيطة بالصراع بالذكاء الاصطناعي التوليدي. فقد استخدمت الجهات الفاعلة من الدول والجهات غير الحكومية أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى مُزيّف عميقاً، والتلاعب بالصوت، وتوليد صور اصطناعية على نطاق غير مسبوق.
وشهدنا حالات لصور مولّدة بالذكاء الاصطناعي لانفجارات تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتسجيلات صوتية مُلفّقة لقادة عالميين، وشبكات روبوتات آلية تُضخّم سرديات محددة. وهذا التشبع التكنولوجي يخلق “ضباب حرب فائق”. فبالنسبة للجمهور والمراقبين الدوليين، أصبح التمييز بين لقطات الانتهاكات الحقيقية والدعاية المولّدة بالذكاء الاصطناعي شبه مستحيل في الوقت الفعلي.
ويخدم هذا غرضاً استراتيجياً مزدوجاً. فبالنسبة للمهاجمين، يبث الارتباك ويقوّض الثقة في وسائل الإعلام المؤسسية. أما بالنسبة للمدافعين، فيعقّد المشهد الدبلوماسي من خلال طمس الحقيقة الميدانية. وفي هذا الصراع، أصبحت الحقيقة أول ضحية، ليس للرقابة فحسب، بل للتوليد الخوارزمي أيضاً.
الأنظمة الذاتية والميزة غير المتكافئة
يتجلى المظهر المادي للذكاء الاصطناعي بوضوح في انتشار الذخائر الذاتية التحليق والذخائر الكامنة. وغالباً ما تُسمى هذه الأنظمة عامية بـ”الطائرات المسيرة الانتحارية”، وقد تطورت من متفجرات بسيطة يتم التحكم فيها عن بعد إلى صيادين أذكياء قادرين على تحديد الأهداف والاشتباك معها بأقل تدخل بشري.
وفي مسرح الشرق الأوسط، دمّقرت هذه الأسلحة القوة الجوية للجهات غير الحكومية. فقد استخدمت مجموعات مثل “حماس” و”حزب الله” طائرات مسيرة رخيصة نسبياً مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي التقليدية باهظة الثمن. وفي المقابل، تنشر جهات فاعلة دولية مثل إسرائيل معترضات مدعومة بالذكاء الاصطناعي وحراساً آليين لتأمين الحدود.
ويمثل هذا تحولاً في “نسبة تبادل التكاليف”. فبطارية دفاع جوي بقيمة مليون دولار يمكن أن تُرهق أو تُستنزف بواسطة أسراب من الطائرات المسيرة الرخيصة والذكية. كما أن دمج الذكاء الاصطناعي في هذه الأنظمة – مما يسمح لها بالملاحة دون نظام التموضع العالمي وتحديد الأهداف بصرياً – يشير إلى نهاية الحقبة التي كانت فيها التفوق الجوي يُحدَّد بحجم أسطول من المقاتلات النفاثة فحسب.
الصندوق الأسود : الذكاء الاصطناعي في معارك الشرق الأوسط
المأزق الأخلاقي: “البشر في حلقة القرار”
يُعد التآكل التدريجي لمبدأ “البشر في حلقة القرار” الاستنتاج التحليلي الأكثر أهمية من هذا الصراع. فالإطار الأخلاقي التقليدي للحرب يعتمد على الحكم البشري للتمييز بين المقاتلين والمدنيين، ووزن المكسب العسكري للضربة مقابل الضرر المحتمل.
لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل على أساس الاحتمالات، وليس اليقينيات. فعندما تُعلّم خوارزمية مبنى ما كعقدة قيادية بسبب نمط من استخدام الهواتف، تفتقر إلى الفهم السياقي لمعرفة ما إذا كانت عائلة قد لجأت إلى ذلك المبنى تحديداً. وفي خضم الصراع عالي الكثافة، عندما يكون القادة تحت ضغط لاستخدام تدفق الأهداف الذي يوفره الذكاء الاصطناعي، توجد نزعة منهجية لمعاملة مخرجات الآلة كحقيقة موضوعية، متجاوزين التدقيق الدقيق.
وهذا يخلق “فجوة في المساءلة”. فإذا أسفرت ضربة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي عن سقوط ضحايا مدنيين بشكل غير قانوني، يصبح تحديد المسؤولية معقداً من الناحيتين القانونية والأخلاقية. هل الخطأ يقع على المبرمج، أم القائد الذي وافق على الهدف، أم البيانات نفسها؟ يشير الصراع الراهن إلى أن الجيوش أصبحت أكثر استعداداً للمقايضة بين اليقين المطلق والسرعة، معتبرة أن “البشر في حلقة القرار” عنق زجاجة بدلاً من كونه ضمانة.
الواقع الجديد
لا يُعد دور الذكاء الاصطناعي في حرب الشرق الأوسط الجديدة مجرد إسقاط مستقبلي؛ بل هو واقع راهِن. فالصراع يُعد ساحة اختبار قاتمة لخوارزميات الحرب، مُظهِراً أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تسريع وتيرة القتال، وإرباك الدفاعات، والهيمنة على فضاء المعلومات.
لكن هذه القفزة التكنولوجية تأتي بتكلفة باهظة. فنموذج “مصنع الأهداف” يخاطر بتطبيع أحداث الخسائر الجماعية كاحتمالات إحصائية، بينما يهدد الذكاء الاصطناعي التوليدي بتفكيك الواقع المشترك المطلوب للحل الدبلوماسي.
ومع استقرار الغبار على هذا الفصل من تاريخ الشرق الأوسط، هناك أمر واحد مؤكد: لقد شهد العالم أول حرب تعتمد على الذكاء الاصطناعي. والدروس المستفادة هنا – حول فتك الخوارزميات وهشاشة الحقيقة – ستُحدّد عقيدة الحرب للقرن الحادي والعشرين. والتحدي المطروح أمام المجتمع الدولي الآن هو وضع أطر قانونية وأخلاقية يمكنها تنظيم هذه الأدوات قبل أن تجعل الوكالة البشرية عديمة الجدوى في قرارات الحرب والسلم.