مقال تك

الصحفي الأخير: هل نحن بصدد قراءة الكلمات الأخيرة للبشر؟

27 مارس، 2026 فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

كتبت / نايلة الصليبي

زلزال في غرف التحرير

منذ عشرين عاماً، كانت غرف الأخبار تضج بوقع مطابع الرصاص ورائحة الحبر الساخن، قبل أن يستحيل ذلك الضجيج إلى نبضات رقمية تسكن فضاء الإنترنت، ثم تنتهي حبيسة شاشات الهواتف التي لا تغادر قبضاتنا. اليوم، لا نشهد مجرد تطور تقني، بل نعاصر تحولاً عميقاً يمس طبيعة الحقيقة ذاتها، إذ لم تعد الخوارزميات مجرد ناقل للخبر، بل باتت هي من يصيغه ويشكله.

وفي هذا المنعطف، يبرز تساؤل أساسي  يتجاوز التقنية ليلامس الفلسفة: هل يهمك معرفة ما إذا كان كاتب هذا المقال إنساناً بدم ومشاعر، أم مجرد سطر برمجي في خادم بعيد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ترسم ملامح ما تبقى من إنسانيتنا في عصر الأتمتة المتسارعة.

الآلة تكتب كل شيء.. لكنها لا تختار شيئاً

في أروقة إحدى وكالات الأنباء العالمية الكبرىAP، لم تعد التقارير تتطلب انتظاراً. فقد تمكّن مهندس أنظمة من تشغيل نظام ذكاء اصطناعي أنتج 3700 تقرير في زمن لا يتجاوز 0.3 ثانية، شملت نتائج رياضية ومؤشرات بورصة وحالة الطقس.

غير أن هذه الكفاءة المذهلة تكشف عن خلل عميق: فالآلة تُجيد إنتاج المعلومات، لكنها تعجز عن ممارسة الصحافة بمعناها الحقيقي. وفرة المعلومات دون غاية أخلاقية تُفضي إلى إفراغها من قيمتها، لأن الفعل الصحفي في جوهره هو انحياز واعٍ لما يهم الناس، لا مجرد رصد محايد لما يحدث.

“الإنسان يختار ما يستحق الكتابة. الآلة تكتب كل شيء يمكن أن يُكتب”.

البيانات باردة: لماذا لا تملك الخوارزميات ثقلاً إنسانياً؟

تفتقر الأخبار المولَّدة آلياً إلى ما يمكن تسميته “الرنين الإنساني”، ذلك الأثر الذي يحدثه الخبر في وجدان القارئ.  فهنالك ثلاثة أوجه من الغياب في كل خبر يخرج من الخوارزميات :

• السياق الإنساني: قد تخبرك الآلة بدقة عن عدد الضحايا، لكنها لا تدرك حجم الفاجعة أو مرارة اليتم الكامنة خلف الرقم.

• السؤال الأخلاقي: الصحفي البشري يبحث عن “لماذا” ومن “المسؤول”، بينما تكتفي الآلة بوصف “ماذا” حدث، متخليةً عن دورها كمحاسب للسلطة.

• الشك المنتج: الصحفي الجيد لا يقبل البيانات كحقائق مطلقة، بل يمارس شكاً صحياً في المصادر الملتوية، أو المصادر المتحيزة، وهو ما تعجز عنه الآلة التي تظل سجينة جودة مدخلاتها.

يتجلى هذا الفرق في قصة عائلة لاجئة  استغرق تقريرها ثلاثة أيام من المعايشة والدموع؛ وقد كان ذلك التقرير البشري كفيلاً بتغيير سياسات دولية، وهو أثر لا يمكن للأرقام الصماء أن تحققه مهما بلغت دقتها وسرعتها.

التلوث الإدراكي: حين يصبح الشك هو القاعدة

لا يتوقف التهديد عند المعلومة الكاذبة، بل يتعداه إلى ما بات يُعرف بـ”التلوث الإدراكي” (Cognitive Pollution). فمع تطور تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، أصبح تزوير المقاطع الصوتية والمرئية سلاحاً فتاكاً. والخطر الحقيقي هنا ليس في دفعنا إلى تصديق الكذب، بل في دفعنا إلى التشكيك في الحقيقة ذاتها، مما يؤدي إلى تآكل تدريجي في الثقة الاجتماعية.

ومع ذلك، تكشف بعض التجارب عن وجه مغاير للتقنية، ففي تحقيقات “وثائق بنما“، استطاع الذكاء الاصطناعي مسح عشرة ملايين وثيقة في ساعات معدودة، وهو عمل يعجز عنه البشر في عمر كامل. وفي واقعة أخرى، أنقذ الفحص التقني الدقيق لنبرة صوت مسؤول في مقطع مسرَّب حياةَ إنسان من تهمة كاذبة. هنا تتجلى الآلة خادماً للحقيقة، لا منافساً لها.

الخوارزمية في كرسي التحرير: من يحرس الحراس الجدد؟

انتقلت سلطة التحرير، في العصر الرقمي، من الإنسان إلى الخوارزمية التي لا تعمل لمصلحة الحقيقة، بل لمصلحة التفاعل. نحن أمام “صندوق أسود” (Black Box) قد لا يدرك حتى مصمموه كيف يتخذ قراراته، مما يعني التخلي الفعلي عن السيادة البشرية في بناء السرديات العالمية.

ولعل أخطر تجليات هذا النظام ما يمكن تسميته “إلغاء السياق” (Decontextualization)؛ فمن خلال عدسة الآلة، قد تُصنَّف صورة “طفلة فيتنام” الشهيرة محتوىً غير لائق لاحتوائها على عري، متجاهلةً قيمتها التوثيقية كصرخة في وجه الحرب. الآلة رأت بياناً، بينما رأى الإنسان ذاكرة إنسانية لا تُمحى.

ما لا يمكن ترميزه: الشجاعة والحدس والثقة

ثمة ركائز إنسانية تظل عصية على الاختراق البرمجي، وهي ما يقوم عليه الفعل الصحفي الحقيقي:

• الشجاعة: القدرة الأخلاقية على نشر ما يغضب الأقوياء، والشجاعة النفسية للاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه.

– الحدس والحس النقدي (The Gut Feeling): الذكاء الاصطناعي لا يستطيع “الشك” في نبرة صوت مصدر أو الشعور بأن هناك شيئاً مريباً يحدث خلف الكواليس. قدرة الصحفي المخضرم على استشعار الخطأ قبل أن يتضح، ورصد التناقضات الخفية في لغة الجسد أو تردد المصدر، وهو إدراك لا يمكن رقمنته.الصحافة هي فن قراءة ما بين السطور، والآلات تقرأ السطور فقط.

• الثقة : المصدر الذي يخاطر بحياته لا يبوح بأسراره لخوارزمية، بل لإنسان يثق في حكمه وقدرته على حمايته.

-المسؤولية الأخلاقية والقانونية: المساءلة والمسؤولية: الصحفي يتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية أمام المجتمع.

 إذا أخطأ الذكاء الاصطناعي، من الذي سيحاسب؟ الصحافة مهنة تقوم على “المسؤولية”، والآلة لا تملك ضميراً لتعتذر أو شجاعة لتقف أمام القضاء للدفاع عن كلمتها.

-الحكم الأخلاقي: ماذا يُنشر؟ متى؟ وكيف تُصاغ القصة دون أذى؟

-السياق الإنساني: فهم الدوافع، والمشاعر، والتعقيدات الثقافية.

الصحفي “النموذجي “:

المستقبل ليس “إنسان ضد آلة”، بل “إنسان مدعوم بالآلة” الصحفي الناجح اليوم هو من يستخدم الذكاء الاصطناعي كـ “مساعد شخصي:

  1. يترك للآلة عناء البحث في أرشيف البيانات الضخم.
  2. يستخدم أدوات التحقق الرقمي لكشف الزيف.
  3. يتفرغ هو للتحليل، الاستقصاء، وصياغة القصص الإنسانية المؤثرة.

الخطر ليس في الاستبدال بقدر ما هو في المصداقية فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يُنتج معلومات مزيفة بشكل مقنع جدًا، مما يجعل دور الصحفي الموثوق أكثر أهمية، لا أقل أهمية …

“الذكاء الاصطناعي يُنتج معلومات، لكن الصحافة تصنع معنى. ولن تصبح الآلة صحفية حتى تتعلم معنى المعنى.”

نحو صحافة بشرية معززة لا مُستبدَلة

طريق الخلاص ليس في معاداة التقنية، بل في إخضاعها لمنطق إنساني واضح: شفافية إلزامية تُميّز المحتوى المولَّد آلياً، وبقاء المحرر البشري مرجعية نهائية لا يمكن تجاوزها، وضمان عدالة اقتصادية للمؤسسات التي تُستخدم بياناتها في تدريب هذه النماذج.

في نهاية المطاف، يظل “الصحفي الأخير” هو ذلك الذي يرفض أن يكون مجرد واجهة لمخرجات الخوارزميات، متمسكاً بدوره حارساً للوجدان الجماعي. وإذا قرأت غداً خبراً ووجدت نفسك تتساءل: “هل كتب هذا إنسان؟”.. فتلك اللحظة من الوعي هي خط دفاعنا الأول والأخير.

نايلة الصليبي – صحفية من اصل عربي تعمل في مونت كارلو الدولية