الأمن السيبراني
الوحدة 802: ذراع الموساد الخفي لجمع المعلومات من وسائل التواصل
أخبار تك
عندما تصبح وسائل التواصل ساحة استخباراتية
بينما تركز الأضواء على الوحدة 8200 كذراع التجسس الإلكتروني الأبرز في إسرائيل، تعمل في الظل وحدة أخرى أقل شهرة لكنها لا تقل خطورة: الوحدة 802 (Unit 802). هذه الوحدة، التابعة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، مكرسة بشكل خاص لجمع المعلومات وتحليلها من وسائل التواصل الاجتماعي والمصادر المفتوحة، في مهمة تعكس التحول الجذري في طبيعة الحروب الحديثة من ساحات القتال التقليدية إلى فضاء المعلومات الرقمي.
ما هي الوحدة 802؟
الوحدة 802 هي وحدة متخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة (أوسينت) تابعة لجهاز الموساد الإسرائيلي. بينما تركز الوحدة 8200 (التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية) على اعتراض الاتصالات والتجسس الإلكتروني، تتخصص الوحدة 802 في جمع وتحليل المعلومات المتاحة للعموم من الإنترنت، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي .
تأسست الوحدة استجابة للحاجة المتزايدة إلى استخلاص معلومات استخباراتية قيّمة من الكم الهائل من البيانات التي ينشرها المستخدمون طواعية على منصات مثل فيسبوك وإكس وتيك توك وإنستغرام وتلغرام. المعلومات التي تجمعها تشمل: منشورات، صور، فيديوهات، تعليقات، إعجابات، مواقع جغرافية، وتحليلات للمشاعر العامة .
مهام الوحدة 802
1. رصد التهديدات الأمنية
تقوم الوحدة بمراقبة منصات التواصل لرصد أي تهديدات محتملة لأمن إسرائيل. يشمل ذلك ت追踪 نشاط الجماعات المعادية، وتحليل خطاب الكراهية، وتحديد الأفراد الذين قد يشكلون خطراً أمنياً . باستخدام أدوات متطورة، يمكن للوحدة تحليل ملايين المنشورات يومياً للبحث عن كلمات مفتاحية وأنماط سلوكية تشير إلى نوايا عدائية.
2. دعم العمليات النفسية والحرب الإعلامية
تلعب الوحدة 802 دوراً محورياً في ما يعرف بـ”الحرب الإعلامية” أو “العمليات النفسية”. تقوم بتحليل المشاعر العامة تجاه إسرائيل في مختلف دول العالم، وتحديد نقاط الضعف في الخطاب المعادي، وتوفير المعلومات اللازمة لشن حملات تضليل موجهة .
في نوفمبر 2025، كشف المتحدث العسكري الإسرائيلي السابق دانيال هاغاري أن إسرائيل “خسرت معركة وسائل التواصل” بشأن غزة، ودعا إلى إنشاء جهاز دعاية جديد على غرار قدرات الوحدة 8200 . هذه الدعوة تعكس إدراكاً عميقاً بأن المعركة القادمة ستكون في الفضاء الرقمي، وأن الوحدات المتخصصة مثل 802 هي أدوات حاسمة في هذه المعركة.
3. جمع المعلومات عن النخب والشخصيات المؤثرة
تقوم الوحدة ببناء ملفات مفصلة عن الشخصيات المؤثرة في العالم العربي والإسلامي، بما في ذلك سياسيون، أكاديميون، صحفيون، ونشطاء. هذه الملفات تستخدم في:
- فهم مواقفهم وتحالفاتهم
- تحديد نقاط ضعفهم المحتملة
- استهدافهم بحملات تضليل أو تشويه مخصصة
- تجنيدهم أو الضغط عليهم
4. مراقبة التوجهات العامة وتحليلها
تستخدم الوحدة 802 تقنيات متقدمة لتحليل الاتجاهات العامة في العالم العربي، بما في ذلك:
- قياس الرأي العام تجاه قضايا سياسية محددة
- رصد التحولات في الخطاب الإعلامي والديني
- تحليل التفاعل مع الأحداث الكبرى
- تحديد القضايا التي يمكن استغلالها لإثارة الفتن
5. دعم عمليات التجنيد
تلعب المعلومات التي تجمعها الوحدة دوراً مهماً في عمليات تجنيد العملاء. من خلال تحليل نشاط الأفراد على وسائل التواصل، يمكن تحديد نقاط ضعفهم (مشاكل مالية، طموحات سياسية، علاقات عاطفية) التي يمكن استغلالها لتجنيدهم أو ابتزازهم .
أدوات وتقنيات الوحدة 802
1. منصات مراقبة متطورة
تستخدم الوحدة منصات مراقبة متطورة تشبه تلك التي تم استعراضها في التقرير الرئيسي، مثل “بطرية كراولر” و“شادودراغون هورايزون”، لكن مع تكييفها لتناسب اللغة العربية وثقافات المنطقة . هذه المنصات تتيح:
- جمع آلي للمعلومات من عشرات المنصات
- تحليل متقدم باستخدام تقنيات التعلم الآلي
- التعرف على الوجوه والأشياء في الصور والفيديوهات
- تتبع الحسابات عبر منصات متعددة
2. التعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى
كشفت تحقيقات استقصائية أن أكثر من 100 ضابط استخبارات إسرائيلي سابق يعملون في شركة ميتا (المالكة لواتساب وفيسبوك وإنستغرام) في مناصب حساسة تتعلق بالبيانات والأمن والخصوصية . من بينهم:
- شيرا أندرسون: رئيسة سياسات الذكاء الاصطناعي في ميتا، خدمت سابقاً في الجيش الإسرائيلي .
- دورون فاينروب: مهندس بيانات في مكتب ميتا بمدريد، طور خلال خدمته في الوحدة 8200 طريقة لتحليل البيانات الكبيرة تقلل القرارات البشرية من أيام إلى ساعات، وهي خوارزمية تتوافق مع الذكاء الاصطناعي “لافندر” المستخدم في عمليات الاغتيال الجماعية ضد الفلسطينيين .
كما توظف مايكروسوفت أكثر من 160 عضواً سابقاً في الوحدة 8200 في مناصب للأمن السيبراني، بما في ذلك لمنتجات مثل مايكروسوفت أزور ومدافع مايكروسوفت . هذا التواجد المكثف لعناصر استخباراتية في شركات التكنولوجيا العملاقة يثير تساؤلات خطيرة حول استقلالية هذه المنصات وإمكانية تحولها إلى أدوات لخدمة أهداف استخباراتية.
3. الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي
تعتمد الوحدة بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات البيانات الهائلة. تقنيات مثل معالجة اللغات الطبيعية تسمح بتحليل المشاعر وفهم الخطاب المعقد باللهجات العربية المختلفة. أنظمة مثل “لافندر” (Lavender)، الذي طورته الوحدة 8200 وتم توثيق استخدامه في عمليات استهداف في غزة ، تعكس كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحول البيانات المفتوحة إلى أهداف استخباراتية قابلة للتنفيذ.
التوظيف المزدوج – عندما تتحول شركات التكنولوجيا إلى أدوات استخباراتية
ظاهرة مثيرة للقلق
تثير ظاهرة توظيف خريجي الوحدات الاستخباراتية الإسرائيلية في شركات التكنولوجيا الكبرى تساؤلات خطيرة حول استقلالية هذه المنصات وقدرتها على حماية خصوصية المستخدمين .
ما الذي يعنيه هذا؟
- يمكن لهؤلاء الموظفين تسهيل وصول الأجهزة الاستخباراتية إلى بيانات المستخدمين.
- يمكنهم التأثير على سياسات المحتوى لصالح روايات معينة.
- يمكنهم تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطرق تخدم أهدافاً استخباراتية.
مشروع “نيمبوس” – التعاون المباشر مع الاحتلال
مشروع “نيمبوس” (Nimbus) هو اتفاق بقيمة 1.2 مليار دولار بين غوغل وأمازون والحكومة الإسرائيلية، يهدف إلى توفير أدوات الذكاء الاصطناعي والمراقبة للاستخدام العسكري . هذا التعاون المباشر يثير مخاوف جدية حول كيفية استخدام بيانات المستخدمين وتقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين.
تطبيق ويز (Waze) وأدوات أخرى
شركات مثل ويز (Waze) وداتاماينر (Dataminr) أسسها خريجو الوحدة 8200، وتعتبر أذرعاً استخباراتية لإسرائيل في البنى التحتية الرقمية العالمية . داتاماينر، على وجه الخصوص، تستخدم لتحليل بيانات وسائل التواصل في الوقت الفعلي وتقديم إنذارات مبكرة عن الأحداث، وهي أداة يمكن استخدامها لأغراض استخباراتية وأمنية.
تحديات أمنية تواجه الوحدة 802
رغم قدراتها المتطورة، تواجه الوحدة 802 تحديات أمنية متزايدة، أبرزها الهجمات المضادة من مجموعات قرصنة مثل “حنظلة” (Handala)، التي نجحت في اختراق أنظمة إسرائيلية متعددة .
في نوفمبر 2024، أعلنت مجموعة حنظلة أنها اخترقت شركة “سيليكوم” (Silicom)، التي وصفتها بأنها “أكبر وأخطر شركة واجهة للوحدة 8200” . المجموعة قالت إن الشركة مسؤولة عن تصميم وتنفيذ جميع محطات التجسس الإلكتروني للوحدة 8200 والموساد في الأراضي المحتلة وحول العالم.
في الهجوم، قالت حنظلة انها تمكنت من الحصول على 40 تيرابايت من البيانات السرية، بما في ذلك جميع رسائل البريد الإلكتروني والمراسلات والوثائق الإدارية والمالية ووثائق البحث والتطوير . قامت المجموعة بمسح جميع البيانات، بما في ذلك النسخ الاحتياطية، مما أحدث شللاً كبيراً في عمليات الشركة.
في هجوم لاحق، قالت حنظلة انها نجحت في اختراق شبكة “إس إس في بلوكتشين” (SSV Blockchain Network)، التي تستخدمها الموساد لتحويل الأموال إلى شبكة جواسيسها في المنطقة. المجموعة حصلت على 8 تيرابايت من المعلومات شديدة الحساسية، بما في ذلك جميع الوثائق المالية وسجلات المعاملات وشفرة المصدر الكاملة للمشروع .
هذه الاختراقات المتكررة تشير إلى أن الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، رغم تفوقها التكنولوجي، ليست محصنة ضد الهجمات المضادة، وأن هناك ثغرات في أنظمتها يمكن استغلالها.
أخطاء أمنية بشرية
في أبريل 2024، كشفت صحيفة الغارديان أن قائد الوحدة 8200، يوسي ساريئيل، تعرض لاختراق أمني كبير عندما ترك أثراً رقمياً مكّن من كشف هويته . ساريئيل نشر كتاباً عام 2021 تحت اسم مستعار بعنوان “فريق الإنسان الآلة”، لكنه أدرج فيه عنوان بريد إلكتروني يمكن تتبعه بسهولة إلى حسابه الشخصي على جوجل. كما تبين أنه استخدم اسمه الحقيقي في نشاطه على ويكيبيديا العبرية لتحرير صفحات حول قضايا عسكرية وسياسية حساسة .
هذا الخطأ الأمني الفادح من قائد أكبر وحدة استخباراتية في إسرائيل يعكس ثغرة خطيرة في ثقافة الأمن السيبراني الإسرائيلي، ويظهر أن البشر يظلون الحلقة الأضعف في أي نظام أمني، بغض النظر عن مدى تقدم التكنولوجيا التي يستخدمونها.
الآثار على العالم العربي
استهداف النخب والمؤثرين
الوحدة 802 تركز جهودها على جمع المعلومات عن النخب العربية: سياسيون، أكاديميون، صحفيون، ونشطاء. هذه المعلومات تستخدم ل:
- فهم مواقفهم وتوجهاتهم
- تحديد نقاط ضعفهم المحتملة
- استهدافهم بحملات تشويه أو تضليل مخصصة
استغلال الخلافات الداخلية
كما ورد في التقرير الرئيسي، تقوم الوحدة 802 بتحليل الخلافات الداخلية في المجتمعات العربية (سياسية، طائفية، قبلية، اجتماعية) واستغلالها لتوسيع الفجوات وإثارة الفتن. المعلومات التي تجمعها تسمح لها بتحديد:
- القضايا الأكثر استقطاباً للرأي العام
- الأطراف المتصارعة ونقاط ضعف كل طرف
- التوقيت المناسب لضخ محتوى استفزازي
التأثير على الرأي العام
من خلال تحليل المشاعر العامة، يمكن للوحدة تصميم حملات تضليل تستهدف قضايا بعينها، بهدف تشويه صورة دول أو شخصيات، أو دفع الجمهور نحو مواقف معينة تخدم أجندة الاحتلال. معركة السرديات هي واحدة من أهم جبهات الصراع، ووسائل التواصل هي ساحة المعركة الرئيسية فيها .
الوحدة 802 والخطر الخفي
الوحدة 802 تمثل نموذجاً متطوراً لاستخبارات وسائل التواصل، وتجسيداً للتحول العميق في طبيعة الحروب المعاصرة. لم تعد المعركة تقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي حيث تتقاتل السرديات وتُسرق الهويات وتُدار العقول.
للمجتمعات العربية، يمثل نشاط هذه الوحدة خطراً وجودياً. إنها تعمل على جمع المعلومات عن نقاط الضعف والخلافات، ثم تعيد استخدامها كأسلحة فعالة لنشر الفوضى وتعميق الانقسامات. الوعي بهذه الآليات هو خط الدفاع الأول.
كما خلص تقريرنا الرئيسي، على المجتمعات العربية أن تدرك أن ما ينشر على وسائل التواصل ليس مجرد تواصل عابر، بل هو جزء من معركة وجودية على الهوية والاستقرار. الإعلام الرقمي المسؤول، والتفكير النقدي، وعدم الانجراف وراء العناوين المثيرة، كلها أدوات أساسية لمواجهة هذا الخطر الداهم.
- التقرير مبني على تقارير اخبارية ومواقع متخصصة