تكنولوجيا
اليابان تعزز صناعة أشباه الموصلات: “النظام الوطني” يتصدر المشهد باستثمارات ضخمة وتحالفات استراتيجية
طوكيو تضخ 2.676 مليار ين في Rapidus لصناعة رقاقات 2 نانوميتر.. ومباحثات اندماج بين Mitsubishi Electric وToshiba في قطاع رقاقات الطاقة
طوكيو “أخبار تك”
في خطوات متسارعة تعكس عزم اليابان استعادة موقعها الريادي في صناعة أشباه الموصلات العالمية، تشهد طوكيو حراكاً صناعياً غير مسبوق على جبهتين استراتيجيتين:
الأولى تتعلق بضخ استثمارات ضخمة في شركة “النظام الوطني” Rapidus لإنتاج أرقى رقاقات المنطق (Logic Chips) بتقنية 2 نانوميتر.
والثانية تتعلق بمباحثات اندماج محتملة بين عملاقي الصناعة Mitsubishi Electric و Toshiba في قطاع رقاقات الطاقة (Power Chips) الحيوي.
Rapidus تحصل على 2.676 مليار ين.. والحكومة اليابانية أكبر مساهم
تمويل يفوق التوقعات
أعلنت شركة Rapidus ( رابيدوس) الناشئة، الذراع اليابانية الرسمية لإنتاج الرقاقات المتقدمة، عن إتمامها جولة تمويل استراتيجية بقيمة 2.676 مليار ين (حوالي 1.7 مليار دولار)، في خطوة تمثل نقلة نوعية في مسيرة الشركة نحو تحقيق هدفها الطموح بإنتاج رقاقات منطقية بتقنية 2 نانوميتر بحلول عام 2027 .
وجاء هذا التمويل من مصدرين رئيسيين:
- الحكومة اليابانية: استثمرت حوالي 6.4 مليار دولار من خلال هيئة تعزيز تكنولوجيا المعلومات المستقلة (IPA) التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة (METI)
- القطاع الخاص: ساهمت 32 شركة يابانية كبرى بمبلغ 1,676 مليار ين، وهو أعلى من التوقعات الأولية التي كانت تشير إلى 1,300 مليار ين

الحكومة أكبر مساهم.. مع ضمانات السيادة
بموجب هذه الجولة، تصبح الحكومة اليابانية أكبر مساهم في رابيدوس، حيث تمتلك نحو 40% من أسهم الشركة بعد احتساب كامل الحصة . لكن طوكيو حرصت على تصميم هيكل ملكية يحقق التوازن بين الدعم الحكومي والاستقلالية الإدارية:
- 11.5% فقط من الأسهم تمتلك حق التصويت، لضمان سرعة اتخاذ القرارات وتقليل البيروقراطية الحكومية
- حصلت الحكومة على “السهم الذهبي” (Golden Share) الذي يمنحها حق النقض (الفيتو) على أي قرارات استراتيجية كبرى، خاصة ما يتعلق بنقل التكنولوجيا إلى الخارج.
تفاؤل حكومي : مشروع وطني استراتيجي
في تعليقه على هذا الإنجاز، قال رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا: “هذه ليست مجرد استثمارات، بل هي اللبنات الأساسية للأمن الاقتصادي الياباني، وأساس لازدهارنا الوطني في المستقبل”. وأضاف أن الحكومة ستواصل توفير الدعم الشامل لضمان نجاح المشروع .
من جانبه، وصف وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني المشروع بأنه “حجر الزاوية في استراتيجية النمو التي تتبناها الحكومة، ومشروع وطني يجب إنجاحه لمصلحة اليابان” .
دعم حكومي متواصل يصل إلى 3 تريليونات ين
لا تتوقف طوكيو عند هذا الحد. فبالإضافة إلى هذا التمويل، خصصت الحكومة دعماً إضافياً سخياً:
- 1.7 تريليون ين كمنح بحثية وتطويرية سابقة
- 930 مليار ين إضافية مخصصة للسنوات المالية 2026-2027
- 1.5 تريليون ين إضافية كاستثمارات جديدة مخطط لها
وبذلك، يصل إجمالي الدعم الحكومي المتوقع لـ Rapidus إلى حوالي 3 تريليونات ين (حوالي 20 مليار دولار)، في إطار خطة متكاملة لدعم الصناعة المحلية .
خارطة طريق طموحة: من 2 نانوميتر إلى 1 نانوميتر
تعمل Rapidus وفق خطة زمنية طموحة للغاية تهدف إلى اللحاق بركب الرواد العالميين مثل TSMC و Samsung:
- 2027: بدء الإنتاج التجاري لرقاقات 2 نانوميتر في المصنع الأول بمدينة تشيتوسي في هوكايدو
- 2029: بدء إنتاج رقاقات 1.4 نانوميتر في المصنع الثاني
- 2030: تحقيق الربحية التشغيلية
- 2031: طرح الشركة للاكتتاب العام الأولي (IPO) في البورصة
وتخطط الشركة لاستثمار أكثر من 7 تريليونات ين (47 مليار دولار) إجمالاً لتحقيق هذه الأهداف، مع حصولها حتى الآن على تعهدات تمويلية بنحو 5 تريليونات ين .
شركاء جدد ينضمون للنظام الوطني
شهدت هذه الجولة توسعاً كبيراً في قاعدة المساهمين، حيث انضمت 24 شركة جديدة إلى المستثمرين المؤسسين الثمانية (تويوتا، سوني، NTT، NEC، سوفت بنك، دينسو، كيوكسيا، وميتسوبيشي UFJ) .
من أبرز الأسماء الجديدة:
- فوجيتسو (Fujitsu) وهوندا (Honda)
- كانون (Canon) وفوجي فيلم (Fuji Film)
- JX المتقدمة للمعادن (JX Advanced Metals) وسيكو إبسون (Seiko Epson)
- بنك اليابان للاستثمار وميتسوي سوميتومو وبنوك كبرى أخرى
- IBM اليابان، الذراع الياباني للشريك التكنولوجي الأمريكي الذي يوفر تقنية 2 نانوميتر
Mitsubishi Electric و Toshiba تبحثان اندماجاً في قطاع رقاقات الطاقة
مباحثات استراتيجية في قطاع حيوي
على صعيد متصل، أكدت مصادر مطلعة أن شركتي Mitsubishi Electric و Toshiba تجريان مباحثات متقدمة للتعاون أو الاندماج في مجال رقاقات الطاقة (Power Chips)، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية لليابان في هذا القطاع الحيوي الذي يشهد طلباً متزايداً بفضل التحول للطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية .
رقاقات الطاقة: العمود الفقري للتحول الأخضر
تعتبر رقاقات الطاقة مكوناً أساسياً في:
- السيارات الكهربائية (إدارة الطاقة وكفاءة البطاريات)
- الطاقة المتجددة (محولات الطاقة الشمسية والرياح)
- البنية التحتية للشبكات الذكية (توزيع الكهرباء بكفاءة)
وتسيطر شركات يابانية مثل Mitsubishi Electric و Toshiba و Fuji Electric وRohm على حصة كبيرة من السوق العالمي، خاصة في رقاقات كربيد السيليكون (SiC) ونيتريد الغاليوم (GaN) المتطورة.
لماذا الاندماج الآن؟
تكمن أهمية هذه المباحثات في عدة عوامل:
- المنافسة العالمية الشرسة: تواجه الشركات اليابانية منافسة قوية من عمالقة مثل Infineon الألمانية و Onsemi الأمريكية و STMicroelectronics الأوروبية
- الحاجة لاستثمارات ضخمة: يتطلب التوسع في إنتاج رقاقات الطاقة المتطورة استثمارات كبيرة في البحث والتطوير وخطوط الإنتاج
- التكامل التكنولوجي: يمكن أن يحقق الاندماج تآزراً (Synergy) كبيراً بين خبرات Mitsubishi Electric في أنظمة الطاقة وخبرات Toshiba في أشباه الموصلات
- الطلب المتنامي: مع تسارع التحول للسيارات الكهربائية، من المتوقع أن ينمو سوق رقاقات الطاقة بمعدلات مضاعفة سنوياً
تداعيات محتملة
إذا ما أثمرت المباحثات عن اتفاق نهائي، فسوف يتم إنشاء كيان عملاق متخصص في رقاقات الطاقة بقدرات تنافسية عالمية، قد يصبح ضمن أكبر 3 شركات في القطاع عالمياً.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تنسجم مع رؤية الحكومة اليابانية التي تشجع إعادة هيكلة الصناعات ودمج الشركات لخلق كيانات قادرة على المنافسة عالمياً، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات.
الصورة الكاملة – استراتيجية يابانية متكاملة لصناعة الرقاقات
معادلة متوازنة: دعم النظام الوطني وتحفيز الاندماجات
ما تشهده اليابان اليوم هو تنفيذ استراتيجية شاملة لتعزيز صناعة أشباه الموصلات تقوم على ركيزتين متوازيتين:
- دعم اللاعبين الكبار (Mitsubishi، Toshiba، Sony، etc.) عبر تشجيع الاندماجات والاستثمارات لتعزيز تنافسيتهم في مجالات تخصصهم (رقاقات الطاقة، أجهزة الاستشعار، etc.)
- إنشاء “النظام الوطني” Rapidus لملء الفجوة في الرقاقات المتطورة (أقل من 5 نانوميتر) التي تهيمن عليها TSMC و Samsung حالياً
تهديد وجودي يدفع التحرك الياباني
يأتي هذا الحراك المتسارع في ظل إدراك ياباني عميق بأن الهيمنة التايوانية على الرقاقات المتطورة (أكثر من 90% من إنتاج الرقاقات دون 7 نانوميتر تتركز في تايوان) تشكل ثغرة استراتيجية في الأمن الاقتصادي الياباني والعالمي.

نظرة مستقبلية: هل تنجح اليابان؟
الرهان على Rapidus يعد الأكثر طموحاً في تاريخ الصناعة اليابانية الحديثة. فمنافسة عمالقة مثل TSMC و Samsung في سباق التكنولوجيا المتطورة تتطلب:
- استثمارات خرافية (7 تريليونات ين)
- خبرات تكنولوجية (يتم تأمينها عبر الشراكة مع IBM و Imec )
- كفاءات بشرية (يتم تدريبها عبر إرسال مئات المهندسين للولايات المتحدة وأوروبا)
أما في قطاع رقاقات الطاقة، فالموقف يبدو أكثر تفاؤلاً، حيث تمتلك اليابان بالفعل قاعدة صناعية قوية وخبرات متراكمة، والاندماج المحتمل بين Mitsubishi وToshiba قد يخلق كياناً عملاقاً قادراً على قيادة السوق العالمي في هذه الفئة الحيوية.
خلاصة: اليابان تعيد رسم خريطة أشباه الموصلات
ما تشهده اليابان اليوم ليس مجرد استثمارات عادية، بل هو إعادة هيكلة شاملة لصناعة الرقاقات، تضعها في موقع القوة للمنافسة في العقد القادم. بينما يراهن “النظام الوطني” Rapidus على اللحاق بركب التكنولوجيا المتطورة، يعمل عمالقة الصناعة التقليديون على تعزيز مواقعهم في قطاعاتهم المتخصصة عبر الاندماجات الاستراتيجية.
السنوات القليلة القادمة، وخاصة 2027 موعد بدء إنتاج 2 نانوميتر، و2029 موعد إنتاج 1.4 نانوميتر، ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت استراتيجية طوكيو ستنجح في استعادة اليابان لمكانتها كقوة عظمى في عالم الرقاقات، أم ستبقى أحلاماً طموحة في مواجهة واقع تكنولوجي معقد.
(شركة رابيدوس (Rapidus Corporation) هي شركة يابانية تأسست في أغسطس 2022 ومقرها طوكيو)
وكالات انباء + مواقع اخبارية شرق آسيوية