اخبار تك برشلونة تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يتوج ملكاً.. ومعارك التقنية تشتعل بين العمالقة -المؤتمر العالمي للهواتف المحمولة

🗓️ 3 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 9 دقائق للقراءة

برشلونة، إسبانيا – “أخبار تك”

في يومه الثاني، يواصل المؤتمر العالمي للهواتف المحمولة (MWC 2026) زخمه الاستثنائي، محولاً مركز Fira Gran Via للمعارض في برشلونة إلى ساحة حرب تكنولوجية مفتوحة. فبعد افتتاح حاشد شهد تحذيرات من الفجوة الرقمية ومشاركة قياسية للشركات الصينية، انطلقت فعاليات اليوم الثاني بكثافة غير مسبوقة، لتؤكد أن “عصر الذكاء” (The IQ Era) الذي يحمله المؤتمر هذا العام ليس مجرد شعار دعائي، بل هو واقع يتبلور أمام أعين 110 آلاف زائر توافدوا على المدينة من أكثر من 200 دولة .

هذا التقرير يغطي أبرز ما شهده اليوم الثاني من إعلانات كبرى، ومناقشات استراتيجية، وكشف عن تقنيات مستقبلية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة، وتضع الأسس لشبكات الجيل السادس (6G) التي ستغيّر وجه الاتصالات في العقد القادم.

عمالقة الاتصالات يرسمون ملامح المستقبل

“مهندسو عصر الذكاء” على المنصة الرئيسية

شهد اليوم الثاني من MWC 2026 حضوراً كثيفاً لكبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الاتصالات، الذين تناوبوا على المنصة الرئيسية في القاعة 4 لمناقشة التحولات الكبرى التي يقودها الذكاء الاصطناعي .

كان أبرز المتحدثين هو يانغ تشاوبين، الرئيس التنفيذي لمجموعة أعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في هواوي (Huawei)، الذي شارك في جلسة رئيسية حملت عنوان “مهندسو عصر الذكاء” (Keynote 6: Architects of the AI Age). وأكد يانغ أن شبكات الاتصالات لم تعد مجرد بنية تحتية لنقل البيانات، بل تحولت إلى “عمود فقري للذكاء الاصطناعي الموزع”، مشيراً إلى أن الرقائق والخوارزميات وحدها لا تكفي لتحقيق نقلة نوعية في الأداء دون شبكات ذكية قادرة على التكيف مع أحمال العمل الهائلة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي .

وفي جلسة لاحقة على مسرح ماركوني في القاعة 6، تحدث إريك يانغ، رئيس أعمال الناقلات في هواوي، عن “معادلة القيمة” للذكاء الاصطناعي في قطاع الاتصالات (Telco for AI: The Value Equation)، حيث استعرض كيف يمكن لمشغلي الشبكات تحقيق عائد اقتصادي أكبر من خلال دمج قدرات الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الخاصة بهم، وتقديم خدمات جديدة للشركات تعتمد على التحليلات الفورية والتعلم الآلي .

5G المتقدم (5G-Advanced) يقود الطريق نحو 6G

في الوقت الذي تركز فيه الأضواء على الجيل السادس، شدد قادة الصناعة على أن رحلة الجيل الخامس لم تنته بعد. في كلمته الافتتاحية أمس، دعا فيفيك بادريناث، المدير العام لجمعية GSM (GSMA)، المشغلين إلى “إكمال رحلة 5G”، مشيراً إلى أن شبكات الجيل الخامس المستقلة (5G Standalone) يمكن أن تضيف ما يصل إلى 187 مليار دولار أمريكي إلى إيرادات قطاع الاتصالات المتنقلة .

واستجابة لهذه الرؤية، أعلنت شركة China Mobile عن مبادرة جديدة لتطوير شبكات 5G-Advanced تهدف إلى تعزيز أداء الشبكات لدعم أجهزة الذكاء الاصطناعي، والمركبات المتصلة، والخدمات الغامرة (immersive services). هذا التوجه يعكس كيف يقوم المشغلون بتكييف بنيتهم التحتية لتواكب أنماط الاستخدام المتطورة .

الصين تتقدم .. والروبوت صديق الإنسان

هونور (Honor): من الهاتف إلى الرفيق البشري

واصلت الشركات الصينية هيمنتها على أرض المعرض، حيث استحوذت على المساحات الأكبر والأكثر جذباً للزوار. جناح هواوي في القاعة 1 بمساحة 9000 متر مربع، كان الأكبر على الإطلاق، متفوقاً بأكثر من الضعف على المساحة المجمعة لأجنحة العمالقة الكوريين (سامسونج، SK Telecom، KT، LG Uplus) .

لكن النجمة الأبرز في اليوم الثاني كانت هونور (Honor)، التي تواصل جذب الأنظار نحو ابتكارها الثوري “الهاتف-الروبوت” (Robot Phone). بعد الإعلان عنه أمس، عادت هونور اليوم لتقدم عروضاً حية تظهر قدرات الجهاز الفائقة. الزوار توافدوا بأعداد كبيرة لتجربة الهاتف الذي يمتلك كاميرا “ميكانيكية” تعمل بمنصة “رباعية المحاور” (4-DOF)، تمكن الكاميرا من الدوران والإيماء ومتابعة المستخدم وكأنها “رأس” صغير لروبوت ودود .

جيمس لي، الرئيس التنفيذي لشركة Honor، كشف في مؤتمر صحفي عن الفلسفة الكامنة وراء هذا الابتكار، قائلاً: “جوهر الذكاء الاصطناعي هو الإنسان”، وأضاف أن الشركة تسعى من خلال مفهومها الجديد “الذكاء البشري المعزز” (Augmented Human Intelligence – AHI) إلى دمج حاصل الذكاء (IQ) مع الذكاء العاطفي (EQ) لتعزيز قدرة الإنسان على التكيف والتطور في عالم سريع التغير .

شاومي (Xiaomi): من الهاتف إلى السيارة الكهربائية الخارقة

لم تكتفِ شاومي (Xiaomi) بإطلاق سلسلة هواتفها المتميزة 17 و17 Ultra قبل المؤتمر، بل جاءت إلى برشلونة بسلاح جديد: سيارة كهربائية خارقة (Electric Hypercar). في جناحها المزدحم، عرضت شاومي رؤيتها المتكاملة للنظام البيئي الذكي، حيث يتم ربط الأجهزة الشخصية (الهواتف، الساعات، الأجهزة المنزلية) مع حلول التنقل (السيارات) عبر منصة ذكاء اصطناعي موحدة.

الهاتف الجديد 17 Ultra، الذي حصل على شهادة APO من لايكا (Leica) – وهي أعلى درجة للعدسات الخالية من الانحراف اللوني – كان محط أنظار عشاق التصوير المحترف، حيث يضم نظام كاميرا ثلاثي (فائق الاتساع، واسع، ومقرب) بتقنيات لايكا المتطورة .

سامسونج (Samsung) ترد بـ”الخصوصية المطلقة”

في مواجهة الزخم الصيني، ركزت سامسونج على تقديم قيمة مختلفة: الأمن والخصوصية. كشفت الشركة الكورية عن هاتفها الرائد الجديد Galaxy S26 Ultra، المزود بتقنية ثورية هي الأولى عالمياً: “شاشة مضادة للاطلاع” (Privacy Display). هذه التقنية تعمل على مستوى الأجهزة (Hardware Level)، حيث يمكن للمستخدم بلمسة زر تغيير زاوية تشتت الضوء المنبعث من البكسلات، مما يجعل المحتوى غير قابل للقراءة لأي شخص ينظر إلى الشاشة من زاوية مائلة، مع بقائه واضحاً تماماً للمستخدم المباشر .

بنجامين براون، المسؤول التسويقي لسامسونج في أوروبا، وصف الهاتف بأنه “الجهاز الأكثر خصوصية في العالم”، مشيراً إلى أن الهاتف هو أقرب جهاز إلينا ويحتوي على كل تفاصيل حياتنا المهنية والشخصية، ومن واجب الشركة حماية هذه المعلومات من أعين المتطفلين .

موتورولا (Motorola) تعود إلى الواجهة

الشركة العريقة موتورولا (Motorola) لم تكن غائبة عن المشهد، حيث قدمت هاتفها القابل للطي الجديد Razr Fold، في أول دخول جاد لها إلى سوق الهواتف القابلة للطي. الهاتف يأتي بشاشة خارجية 6.6 بوصة، وشاشة داخلية قابلة للطي بحجم 8.09 بوصة عند فتحها، مع بطارية ضخمة 6000 ميلّي أمبير، وقدرات تصوير فيديو بدقة 8K . محللون يرون أن توقيت إطلاق موتورولا لهذا الجهاز مثالي، خاصة مع التوقعات بدخول أبل (Apple) إلى سوق الهواتف القابلة للطي قريباً .

الفضاء بوابة جديدة للاتصال – حضور استثنائي لـSpaceX

عندما يلتقي مدار الأرض بالشبكات الأرضية

لأول مرة في تاريخ المؤتمر، يحتل قطاع الفضاء مكانة رئيسية على جدول الأعمال. اليوم الثاني شهد جلسات نقاش حاشدة حول “الاتصال من الفضاء” (Space-based Connectivity)، بمشاركة أبرز اللاعبين العالميين .

الحضور الأكثر لفتاً للانتباه كان لوفد رفيع المستوى من شركة SpaceX، ضم الرئيسة التنفيذية للعمليات غوين شوتويل ونائب رئيس هندسة ستارلينك (Starlink) مايكل نيكولز. في جلسة رئيسية، ناقش الثنائي كيفية دمج الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض مع شبكات الاتصالات الأرضية لتوفير تغطية عالمية، خاصة في المناطق النائية أو مناطق الكوارث التي تفتقر إلى البنية التحتية الأرضية .

شركات الفضاء تعرض حلولاً مبتكرة

إلى جانب SpaceX، قدمت شركات الفضاء الكبرى حلولاً متكاملة:

  • SES: استعرضت استراتيجية لربط شبكات الأقمار الصناعية في مدارات مختلفة (المدار الأرضي المنخفض LEO والمدار الجغرافي الثابت GEO) لتعزيز التغطية وعرض النطاق الترددي .
  • Viasat: أظهرت كيف يمكن للمركبات (السيارات، الشاحنات) الحفاظ على اتصال صوتي عالي الجودة عبر الأقمار الصناعية حتى في مناطق انقطاع شبكات الهاتف المحمول .
  • Eutelsat: قدمت بنيتها التحتية المتكاملة للاتصالات عبر الأقمار الصناعية المخصصة للشركات والحكومات.

هذا الحضور القوي لقطاع الفضاء يؤكد أن الحدود بين الشبكات الأرضية والفضائية أصبحت أكثر تداخلاً من أي وقت مضى، وأن “التغطية الشاملة” (Ubiquitous Coverage) باتت هدفاً واقعياً وليس مجرد حلم مستقبلي.

روبوتات جديدة وتطبيقات ذكية

الروبوت البشري: مايكل جاكسون في المؤتمر

إلى جانب الهاتف-الروبوت، عرضت هونور (Honor) أول روبوت بشري لها موجه للسوق الاستهلاكي. الروبوت أذهل الحضور بقدراته الحركية الفائقة، حيث أدى رقصة “المون ووك” (Moonwalk) الشهيرة لمايكل جاكسون، وتمكن من القفز وأداء حركات بهلوانية دقيقة .

ميزة “التخلص من السموم الرقمية” (Digital Detox) حاضرة بقوة

في ظل المخاوف المتزايدة من إدمان التكنولوجيا، شهد المؤتمر تقديم حلول مبتكرة لمساعدة المستخدمين على التحكم في علاقتهم بأجهزتهم. شركة HMD الفنلندية قدمت ميزة “التخلص من السموم” (Detox) في هواتفها، التي تتيح للمستخدمين إخفاء تطبيقات معينة وتحديد فترات زمنية للابتعاد عن الهاتف (ساعة، ساعتان، أو أكثر) .

أما شركة Light الأمريكية، فذهبت إلى أبعد من ذلك عبر هاتفها الجديد Light Phone، الذي يقدم تجربة “بالغة البساطة” (Minimalist). الهاتف يحتوي فقط على الوظائف الأساسية (اتصالات، رسائل، موسيقى) دون أي تطبيقات تواصل اجتماعي أو إعلانات أو صفحات لا نهائية للتصفح، ليكون بمثابة “صندوق أدوات” يضع بين يدي المستخدم ما يحتاجه حقاً فقط .

تحديات خارج القاعة – الحرب تعطل الحضور والمحتجون يرفعون الصوت

الطائرات تعود أدراجها

لم تسلم فعاليات المؤتمر من تداعيات الأحداث الجيوسياسية الكبرى. فبسبب التوتر في الشرق الأوسط والغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تعرضت حركة الطيران المدني لاضطرابات كبيرة. العديد من الرحلات الجوية القادمة من آسيا والتي كانت تقل وفوداً للمشاركة في المؤتمر أُجبرت على العودة أدراجها أو الهبوط في مطارات بديلة .

رجل الأعمال الهندي كريشنان، الذي كان على متن إحدى هذه الرحلات، قال في تصريح لوسائل إعلام: “كنا نشاهد أخبار التوتر في المنطقة، وعندما اقتربنا من الأجواء العراقية، أدركت أننا لا نسير على المسار الصحيح، كنا نحلق في دوائر” . الطائرة عادت في النهاية إلى الدوحة، ليخسر الراكب فرصة حضور المؤتمر.

احتجاجات على مشاركة إسرائيل

على بعد أمتار من قاعات العرض، خرجت مظاهرة احتجاجية ضمت حوالي 30 شخصاً أمام مركز المعارض، رفعوا خلالها لافتات تطالب بمقاطعة الشركات الإسرائيلية المشاركة في المؤتمر، احتجاجاً على الحرب في غزة والضربات الأخيرة على إيران. وهتف المحتجون: “قاطعوا إسرائيل! قاطعوا أمريكا!” . رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كان قد وصف في كلمته الافتتاحية الهجوم على إيران بأنه “غير قانوني” .

أرقام وتقارير – الاقتصاد الرقمي في ازدياد

تقرير الاقتصاد الرقمي 2026

نشرت GSMA اليوم التقرير السنوي “الاقتصاد الرقمي 2026” (Mobile Economy 2026)، الذي كشف عن أرقام مثيرة:

  • القيمة الاقتصادية: ساهمت تكنولوجيا و خدمات الهاتف المحمول بمبلغ 7.6 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي عام 2025، أي ما يعادل 6.4% من الناتج العالمي. ومن المتوقع أن تصل هذه المساهمة إلى 11.3 تريليون دولار (8.4% من الناتج العالمي) بحلول عام 2030 .
  • فرص العمل: دعم قطاع الهاتف المحمول 50 مليون وظيفة حول العالم عام 2025 .
  • انتشار 5G: بحلول 2030، من المتوقع أن 57% من جميع اتصالات الهاتف المحمول ستعمل بتقنية 5G .
  • تهديدات الأمن السيبراني: توقع التقرير أن ترتفع التكلفة العالمية للجرائم الإلكترونية، بما فيها الاحتيال، من 9.22 تريليون دولار في 2024 إلى 15.63 تريليون دولار بحلول 2029. ومع تحول الشبكات إلى أنظمة معرّفة برمجياً ومعتمدة على الذكاء الاصطناعي، فإن أكثر من 90% من المشغلين يعتبرون بيئة التهديدات “عالية” أو “عالية جداً” .

خلاصة: المشهد يكتمل.. والرهان على الذكاء

مع نهاية اليوم الثاني، يبدو المشهد أكثر وضوحاً: MWC 2026 لم يعد مجرد معرض للهواتف، بل تحول إلى منصة شاملة تعكس التحول الجذري في صناعة التكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة إضافية، بل أصبح “النظام التشغيلي” للعصر الجديد، من الشبكات (6G، 5G-Advanced) إلى الأجهزة (الهاتف-الروبوت، السيارات الذكية) إلى الخدمات (الاتصال عبر الأقمار الصناعية).

المعارك بين العمالقة شرسة: الصين تتصدر بابتكاراتها الجريئة، وكوريا ترد بتقنيات الخصوصية، وأمريكا تفتح بوابة الفضاء، وأوروبا تدعو لضبط الوتيرة وتوحيد المعايير. الغائب الأكبر كان أبل (Apple)، التي فضّلت عقد مؤتمرها الخاص عبر الإنترنت بالتزامن مع MWC .

أما خارج القاعات، فتبقى التحديات الجيوسياسية (الحرب، الاحتجاجات) حاضرة، تذكّر الجميع بأن التكنولوجيا ليست بمعزل عن العالم، بل هي جزء لا يتجزأ من تحولاته واضطراباته.

غداً: اليوم الثالث والأخير من المؤتمر، مع تركيز أكبر على مستقبل الشبكات حتى 2030، وجلسة خاصة حول “المواهب في عصر الذكاء الاصطناعي”.

إعداد: فريق التغطية – “أخبار تك” برشلونة