تكنولوجيا

“بلورات الذاكرة” ثورة في تخزين البيانات.. 360 تيرابايت في زجاجة واحدة تدوم 138 مليار سنة

🗓️ 10 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 4 دقائق للقراءة

تقرير علمي – “أخبار تك”

وداعاً للأقراص الصلبة؟

في زمن تتعطل فيه الأقراص الصلبة بعد سنوات قليلة، وتفقد فيها أشرطة التخزين المغناطيسي بياناتها بعد عقد أو اثنين، يأتي العلماء اليوم بخبر قد يغير مفهوم “الأرشفة” إلى الأبد: بلورات الذاكرة خماسية الأبعاد (5D Memory Crystals).

هذه التقنية الثورية، التي طورتها جامعة ساوثهامبتون البريطانية على مدى عقدين من الزمن، تستطيع تخزين 360 تيرابايت من البيانات في قرص زجاجي لا يتجاوز حجمه 5 بوصات (حوالي 12.7 سم)، مع ضمان بقاء هذه البيانات سليمة لمدة تصل إلى 138 مليار سنة في الظروف العادية، أي أطول من عمر الكون نفسه .

ما هي تقنية 5D؟ وكيف تعمل؟

لفهم هذه التقنية، تخيل أن الأقراص الصلبة التقليدية تكتب بياناتها على سطح ثنائي الأبعاد (طول وعرض). أما تقنية 5D فتكتب البيانات داخل الحجم الكامل للزجاج (أبعاد ثلاثية: طول، عرض، ارتفاع). ثم تضيف بُعدين إضافيين هما: اتجاه النقوش النانوية وقوتها، ليصبح المجموع خمسة أبعاد .

كيف يتم ذلك؟ باستخدام ليزر فائق السرعة يُسمى “الليزر الفيمتوثاني” (femtosecond laser)، يقوم العلماء بإطلاق نبضات قصيرة جداً (أقل من تريليون جزء من الثانية) داخل الزجاج. هذه النبضات تغير البنية الجزيئية للزجاج في نقاط محددة، محدثة تأثيراً بصرياً دائماً يمكن قراءته لاحقاً .

بمجرد كتابة البيانات، تصبح محفورة فيزيائياً داخل الزجاج. لا تحتاج إلى كهرباء للحفاظ عليها، ولا تتأثر بالعوامل الخارجية. هي مجرد نقوش مجهرية تقرأ بالمجهر الضوئي .

الصورة من موسوعة خلية العربية للعلوم

مزايا لا تحصى

1️⃣ مقاومة الظروف القاسية

هذه البلورات مصنوعة من الكوارتز المنصهر (fused quartz)، وهي نفس المادة المستخدمة في النوافذ المقاومة للحرارة. يمكنها تحمل:

  • حرارة تصل إلى 1000 درجة مئوية (حرارة الحمم البركانية)
  • إشعاعات نووية عالية (محمية من التأين)
  • عوامل كيميائية قاسية (لا تصدأ ولا تتآكل)
  • الرطوبة والعوامل الجوية لملايين السنين

2️⃣ صديقة للبيئة

الوسائط التقليدية (الأقراص الصلبة، الأشرطة المغناطيسية) تتحول إلى نفايات إلكترونية سامة بعد انتهاء عمرها. أما بلورات 5D، فمصنوعة من الزجاج النقي الذي لا يتحلل كيميائياً ولا ينتج عنه أي تلوث عند التخلص منه .

3️⃣ آمنة من هجمات الفدية

لأن البيانات تُكتب مرة واحدة ولا يمكن تعديلها (WORM: Write Once, Read Many)، فهي محصنة ضد هجمات برامج الفدية التي تشفر الملفات. المهاجم لا يستطيع تغيير أي شيء داخل الزجاج .

تطبيقات واقعية.. من الأرض إلى الفضاء

هذه التقنية ليست نظرية فقط. بل تم تطبيقها بالفعل في مشاريع حقيقية:

في الفضاء: في 2018، حملت سيارة تيسلا رودستر التي أطلقها إيلون ماسك إلى الفضاء قرصين من هذه البلورات. أحدهما في مكتبة ماسك الشخصية، والآخر في الفضاء الخارجي، كرسالة للأجيال القادمة أو لأي كائن ذكي قد يعثر عليها يوماً .

أرشيف جينوم البشرية: تم تخزين الجينوم البشري الكامل على هذه البلورات، كجزء من مشروع “سفينة نوح الجينية” للحفاظ على شفرة الحياة .

مشروع سيليكا (Project Silica): شركة مايكروسوفت تعمل على مشروع ضخم لأرشفة كود المصدر الخاص بـجيت هاب (GitHub) بالكامل باستخدام هذه التقنية، لضمان بقاء التراث البرمجي للبشرية لملايين السنين .

المكتبات الوطنية: العديد من الدول تدرس استخدام هذه التقنية لأرشفة الوثائق التاريخية والوطنية التي يجب أن تبقى لقرون قادمة دون تلف .

لكن.. هناك عقبات

رغم كل هذه الإنجازات، لا تزال التقنية تواجه تحديات:

  • سرعة الكتابة بطيئة: الليزر الفيمتوثاني يكتب البيانات ببطء (حوالي 4 ميجابايت في الثانية). هذا يعني أن كتابة 360 تيرابايت كاملة ستستغرق أكثر من سنتين حالياً .
  • التكلفة عالية: أجهزة الكتابة تكلف حوالي 30 ألف دولار، وأجهزة القراءة حوالي 6000 دولار. ليس شيئاً يمكن وضعه في حاسوبك المنزلي .
  • القراءة تتطلب معدات خاصة: لا يمكن قراءة هذه البلورات بمحرك أقراص عادي، بل تحتاج إلى مجاهر ضوئية متخصصة .

لذلك، تستهدف التقنية حالياً “البيانات الباردة” (Cold Data)، أي البيانات التي تخزن لفترات طويلة جداً ونادراً ما تُقرأ (الأرشيفات الوطنية، السجلات الطبية القديمة، المكتبات الرقمية)، وليس للاستخدام اليومي .

هل نكتب التاريخ على الزجاج؟

بلورات الذاكرة 5D ليست مجرد تطور تقني عادي. إنها قفزة نوعية في مفهوم الحفظ. لأول مرة، يمكننا تخيل أرشيف يدوم لأجيال لا تحصى، يتحمل الحروب، الكوارث الطبيعية، وحتى نهاية الحضارات.

قد لا نحتاجها في حواسيبنا الشخصية قريباً، لكنها ستحدث ثورة في:

  • أرشيف الفاتيكان والمكتبات الوطنية
  • السجلات الطبية للبشرية
  • الجينوم البشري والأنواع المهددة بالانقراض
  • التراث الثقافي والفني
  • أكواد المصدر البرمجية

الخلاصة: نحن نصنع اليوم “أقراصاً من الزجاج” سيرها أحفادنا بعد مليون سنة، ليسألوا: كيف عاش أجدادنا؟ والإجابة ستكون محفورة في زجاج لا يموت.

“أخبار تك” استنادا على ابحاث ومراجع علمية ومواقع إخبارية