تكنولوجيا

تحذيرات إنتل : أزمة رقاقات الذاكرة تمتد إلى 2028

🗓️ 5 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 8 دقائق للقراءة

من احتكار الذكاء الاصطناعي إلى هجمات “البوتات”.. كيف تحولت ذاكرة الحواسيب إلى سلعة استراتيجية نادرة؟

“أخبار تك” – وكالات

في خبر يُنذر بأسوأ أزمة تواجه صناعة الإلكترونيات منذ جائحة كورونا، كشف الرئيس التنفيذي لشركة إنتل أن نقص رقاقات الذاكرة (Memory Chips) قد يستمر حتى عام 2028، أي عامين إضافيين كاملين عما كان متوقعاً سابقاً. هذا التحذير الصادم يأتي ليؤكد أن ما كان يُعتقد أنه مجرد “تقلبات سوقية مؤقتة” قد تحول إلى أزمة هيكلية عميقة تعيد تشكيل خريطة صناعة التكنولوجيا العالمية، وتهدد جيوب المستهلكين بارتفاعات قياسية في الأسعار.

في هذا التقرير الشامل، نرصد لكم أخبار تك تفاصيل الأزمة من جميع جوانبها: من تصريحات المسؤولين، إلى تداعياتها المباشرة على الأسواق، وصولاً إلى ظاهرة غريبة تتمثل في هجمات “البوتات” التي تسرق الرقاقات من المتاجر الإلكترونية، وجهود القارة الآسيوية لإنقاذ الموقف.

تحذيرات إنتل – “الأزمة هيكلية وليست مؤقتة”

تصريحات حاسمة من قمة الصناعة

في مؤتمر صحفي عُقد على هامش فعاليات معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES) في لاس فيغاس مطلع العام، كشف الرئيس التنفيذي لشركة إنتل أن تقديرات الشركة تشير إلى استمرار أزمة نقص رقاقات الذاكرة حتى عام 2028 على الأقل. وأوضح المسؤول التنفيذي أن “الطلب المتوحش” من قطاع الذكاء الاصطناعي على رقاقات الذاكرة عالية الأداء (HBM) يفوق بكثير قدرة المصانع الحالية على التوريد، مما يخلق فجوة هيكلية لن تُسد قبل تشغيل خطوط الإنتاج الجديدة .

تحذيرات إنتل تُنذر بعصر جديد من الندرة وارتفاع الأسعار

ويأتي هذا التحذير متسقاً مع تقارير سابقة لشركة تريند فورس (TrendForce) للأبحاث، التي وصفت الزيادة الحالية في أسعار الذاكرة بأنها “غير مسبوقة” في تاريخ الصناعة .

لماذا تستمر الأزمة كل هذه المدة؟

السبب الجذري للأزمة هو “صراع الأولويات” بين منتجات الذكاء الاصطناعي والمنتجات الاستهلاكية. وفقاً لتقرير مفصل نشرته CNBC العربية، فإن شركات مثل مايكرون (Micron) تنتج ذاكرة من نوع HBM (High Bandwidth Memory) المخصصة لرقائق الذكاء الاصطناعي، وهي ذاكرة عالية التعقيد تُصنع بتكديس 12 إلى 16 طبقة من الرقاقات على شريحة واحدة، مما يحولها إلى ما يشبه المكعب .

المشكلة أن إنتاج بت واحد من ذاكرة HBM يضطر الشركة إلى التخلي عن إنتاج ثلاثة بتات من الذاكرة التقليدية (DDR) المستخدمة في الحواسيب والهواتف . وبما أن هوامش الربح على ذاكرة HBM أعلى بكثير، فإن الشركات تُفضل توجيه طاقتها الإنتاجية لتلبية طلب عمالقة الذكاء الاصطناعي (مثل إنفيديا وغوغل ومايكروسوفت) على حساب المستهلك العادي.

سوميت سادانا، رئيس قسم الأعمال في مايكرون، صرح لشبكة CNBC: “نحن حالياً لا نستطيع تلبية سوى ثلثي احتياجات الذاكرة متوسطة الأجل لبعض العملاء” . وأضاف أن جميع طلبات عام 2026 قد “نفدت بالكامل” .

تداعيات مباشرة – من تحذيرات لينوفو إلى انكماش السوق اليابانية

لينوفو تطلق تحذيراً عاجلاً وترفع الأسعار

في خطوة استباقية تعكس حجم الأزمة، أصدرت شركة لينوفو (Lenovo) العملاقة تعميماً رسمياً لشركائها حول العالم، تحذر فيه من “موجة ارتفاع أسعار قادمة” في أجهزة الحواسيب والخوادم .

الشركة طلبت من شركائها تقديم الطلبات في أسرع وقت ممكن، وتحديداً قبل نهاية فبراير 2026، لتجنب الأسعار الجديدة. وأوضحت أن الطلبات المسجلة قبل هذا الموعد قد تستفيد من الأسعار الحالية، لكن في حال تأخر الشحن حتى نهاية مارس 2026، قد يتم إعادة تسعيرها وفق التكاليف الجديدة .

الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض الحواسيب ستشهد زيادات تتجاوز 1000 دولار، وفقاً للتعميم الداخلي. كما قامت لينوفو بتعليق بعض برامج الخصومات وتقليص العروض الترويجية بسبب عدم استقرار تكلفة المكونات .

يانغ يوانكينغ، الرئيس التنفيذي للمجموعة، أكد أن أسعار رقائق الذاكرة ارتفعت بنسبة تتراوح بين 40% و50% خلال الربع الماضي، مع احتمالات تضاعف أسعار العقود في الربع الحالي. هذا أدى إلى تراجع صافي أرباح الشركة بنسبة 21% رغم نمو الإيرادات .

اليابان تسجل انكماشاً تاريخياً في مبيعات الحواسيب

على الجانب الآخر من المحيط الهادئ، بدأت التداعيات تظهر بوضوح في السوق اليابانية. تقارير من موقع Tom’s Hardware تشير إلى أن ثلاثة متاجر يابانية كبرى على الأقل أوقفت قبول الطلبات الجديدة على الحواسيب المكتبية المبنية حسب الطلب (BTO) .

متجر Sycom أوقف الطلبات مؤقتاً، ثم عاد مع تحذير بأن أوقات التسليم ستكون أطول من المعتاد. أما العلامتان التجاريتان الشهيرتان G-Gear وeX.computer التابعتان لمتجر TSUKUMO، فقد أوقفتا قبول الطلبات الجديدة تماماً. كما أعلنت شركة Mouse Computers أن بعض منتجاتها ستواجه تعليقاً في المبيعات، مع تأكيد أن أسعارها سترتفع بعد استئناف الطلبات في يناير .

وبحسب موقع Digitimes، سجلت شحنات الحواسيب الشخصية في اليابان خلال يناير 2026 انخفاضاً بنسبة 15.9%، وهو أسوأ أداء في 30 شهراً، مما أنهى 19 شهراً متتالياً من النمو .

دين بيلر، المؤسس المشارك لشركة جوس لابز (Goose Labs) ، روى تجربة شخصية تعكس حجم الارتفاع: قبل بضعة أشهر، اشترى ذاكرة بسعة 256 جيجابايت بحوالي 300 دولار. وفي منشور على فيسبوك يوم الاثنين الماضي، قال: “من كان يظن أن هذه الذاكرة ستكلف حوالي 3000 دولار بعد بضعة أشهر فقط؟” .

ظاهرة غريبة – “البوتات” تسرق الرقاقات!

50 ألف طلب في الساعة.. والرقاقات تختفي من الأسواق

في تطور يضيف بُعداً جديداً للأزمة، كشفت شركة Datadome المتخصصة في الأمن السيبراني عن ظاهرة مثيرة للقلق: برمجيات آلية (بوتات) تستخدمها عصابات السوق السوداء لشراء رقاقات DDR5 النادرة بكميات هائلة، مما يفاقم الأزمة ويرفع الأسعار أكثر .

ظاهرة غريبة – “البوتات” تسرق الرقاقات!

فريق البحث Galileo التابع للشركة اكتشف عملية متطورة يقوم فيها المحتالون بإساءة استخدام خدمات عبر الإنترنت لمراقبة الأسعار والاستحواذ على مخزون ذاكرة DDR5. البوتات كانت ترسل أكثر من 50 ألف طلب في الساعة، بمتوسط 550 محاولة مسح لكل قائمة منتج. إجمالاً، حجبت DataDome أكثر من 10 ملايين طلب مسح ضار .

كيف تعمل هذه البوتات؟

  • مسح المخزون كل 6.5 ثانية: البوتات كانت تفحص توفر كل قطعة ذاكرة محددة بمعدل مرة كل 6.5 ثانية .
  • تجنب الكشف: استخدمت البوتات تقنيات متقدمة مثل إضافة معلمات “كسر الذاكرة المؤقتة” (Cache-busting) إلى كل طلب، ومعايرة سرعتها لتظل دون عتبات الإنذار .
  • استهداف شامل: لم تكتفِ البوتات بذاكرة المستهلكين، بل استهدفت أيضاً موردي الذاكرة الصناعية ومكونات الأجهزة الخام مثل مقابس DIMM .
  • أنماط غير بشرية: كشفت التحليلات أن حركة المرور استمرت بنفس الكثافة طوال أيام الأسبوع (بما في ذلك عطلات نهاية الأسبوع)، وهو نمط يستحيل أن ينتج عن بشر حقيقيين .

النتيجة هي حلقة مفرغة: البوتات تشتري الرقاقات فور توفرها، مما يخلق ندرة مصطنعة ترفع الأسعار، مما يجعل السوق السوداء أكثر ربحية، مما يجذب المزيد من البوتات.

قائمة العلامات التجارية المستهدفة

كشفت DataDome أن البوتات استهدفت مجموعة واسعة من العلامات التجارية، من أشهرها:

  • Corsair: (Vengeance RGB، Dominator Titanium)
  • Crucial: (Pro Series)
  • Kingston: (Fury Beast RGB، FURY Impact)
  • Patriot: (Viper Venom)
  • Lexar: (Ares RGB Gaming)
  • TE Connectivity وAmphenol: (المكونات الخام)

الجهود الآسيوية – 136 مليار دولار لإنقاذ الموقف

استثمارات ضخمة رغم الأزمة

في الجانب المشرق من القصة، تخطط شركات أشباه الموصلات الآسيوية العملاقة لإنفاق 136 مليار دولار خلال العام الجاري، بزيادة قدرها 25% عن العام الماضي، في محاولة لزيادة الإنتاج وسد الفجوة المتسعة بين العرض والطلب .

وتستحوذ ثلاث شركات رئيسية على سوق ذاكرة الوصول العشوائي بالكامل تقريباً: مايكرون (Micron) الأميركية، إس كيه هاينكس (SK Hynix) الكورية، وسامسونغ للإلكترونيات (Samsung Electronics) الكورية. جميعها تستفيد من الارتفاع الكبير في الطلب.

مايكرون تقوم حالياً ببناء مصنعين كبيرين في بويز (أيداهو) سيبدآن إنتاج الذاكرة في عامي 2027 و2028، وتعتزم البدء في إنشاء مصنع في بلدة كلاي (نيويورك) يتوقع أن يبدأ تشغيله في 2030 .

سامسونغ أعلنت أن ربحها التشغيلي في الربع الأخير من 2025 تضاعف ثلاث مرات تقريباً. أما إس كيه هاينكس فتفكر في إدراج أسهمها في البورصة الأميركية مع ارتفاع سعر سهمها في كوريا الجنوبية .

الصناعة على أعتاب التريليون دولار

رغم الأزمة، تتجه صناعة أشباه الموصلات العالمية إلى تحقيق إنجاز تاريخي: بلوغ إيرادات قدرها تريليون دولار لأول مرة في 2026. بحسب رابطة صناعة أشباه الموصلات (SIA)، بلغت مبيعات القطاع نحو 791.7 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن تقفز بنسبة 26% إضافية في 2026 .

جون نيوفر، الرئيس التنفيذي للرابطة، قال إن السوق بلغت هذا المستوى “بسرعة تفوق التقديرات الأصلية”، مشيراً إلى أن التقديرات السابقة كانت تشير إلى حاجة السوق لنحو أربع سنوات إضافية لبلوغ مستوى التريليون دولار .

ماذا يعني هذا للمستهلك العادي؟

1. ارتفاع أسعار كل شيء

الذاكرة ليست مجرد مكون للحواسيب، بل هي عنصر أساسي في كل جهاز إلكتروني. الهواتف الذكية، الأجهزة اللوحية، أجهزة الألعاب، وحتى السيارات الحديثة تعتمد على رقاقات الذاكرة. هذا يعني أن أسعار كل هذه المنتجات مرشحة للارتفاع خلال السنوات القادمة.

2. ندرة مستمرة حتى 2028

مع تأكيد إنتل ومايكرون أن الأزمة قد تستمر حتى 2028، يجب على المستهلكين أن يتعايشوا مع فكرة أن “الأسعار المنخفضة” للذاكرة (كما كانت قبل عامين) لن تعود قريباً.

3. تأثير على دورة الاستبدال

الارتفاع الحاد في الأسعار قد يدفع المستهلكين إلى إطالة دورة استبدال أجهزتهم. بدلاً من شراء حاسوب جديد كل 3-4 سنوات، قد يمتد العمر الافتراضي للاستخدام إلى 5-6 سنوات، مما يؤثر على مبيعات الشركات المصنعة.

4. البوتات تهدد المستهلك العادي

ظاهرة البوتات تعني أن المستهلك العادي قد لا يتمكن حتى من شراء الذاكرة المتاحة، لأنها تُشترى فوراً من قبل عصابات السوق السوداء. شركة DataDome تحذر من أن أنظمة الأمن التقليدية غير كافية لمواجهة هذه الهجمات، وتحتاج المتاجر الإلكترونية إلى حلول متقدمة تعتمد على تحليل السلوك .

خلاصة: أزمة تعيد تشكيل صناعة التكنولوجيا

ما نشهده اليوم ليس مجرد “نقص مؤقت” في أحد المكونات الإلكترونية، بل هو تحول هيكلي عميق في صناعة التكنولوجيا العالمية. الطلب المتوحش للذكاء الاصطناعي على رقاقات الذاكرة عالية الأداء أعاد ترتيب أولويات الإنتاج، مما جعل المستهلك العادي في أسفل سلم الأولويات.

بينما تستثمر الشركات الآسيوية 136 مليار دولار لزيادة الإنتاج، وتتجه الصناعة نحو تحقيق تريليون دولار لأول مرة في التاريخ، يبقى المستهلك العادي هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة: يدفع أسعاراً أعلى، ويواجه ندرة في المنتجات، ويتنافس مع البوتات على القطع النادرة.

الخلاصة الأهم: السنوات الثلاث القادمة (حتى 2028) ستكون سنوات “الندرة الممنهجة” في سوق الإلكترونيات. على المستهلكين أن يتأقلموا مع واقع جديد: التكنولوجيا أصبحت ترفاً، والذاكرة أصبحت سلعة استراتيجية.

إعداد: “أخبار تك”

وكالات انباء + مواقع اخبارية وتقنية