الذكاء الاصطناعي
هل وكلاء الذكاء الاصطناعي خطر على المبرمجين الجدد؟
أخبار تك – متابعات
إنذار مبكر لعالم البرمجة
في تحذير غير معتاد من داخل أكبر معاقل التكنولوجيا ،أطلق اثنان من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة مايكروسوفت صفارة إنذار مدوية بشأن مستقبل المبرمجين المبتدئين. مارك روسينوفيتش، المدير التقني لمنصة أزور السحابية، وسكوت هانسيلمان، نائب رئيس مجتمع المطورين، حذرا من أن وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يفترض أنهم يساعدون في كتابة الأكواد، قد يقضون على فرص الجيل الجديد من المطورين قبل أن تبدأ .
“تسارع للمحترفين.. وتباطؤ للمبتدئين”
في ورقة بحثية حملت عنوان “إعادة تعريف المهنة الهندسية لعصر الذكاء الاصطناعي”، أوضح روسينوفيتش وهانسيلمان أن أدوات البرمجة الذكية تعمل بشكل غير متوازن. فبينما تمنح كبار المطورين دفعة إنتاجية كبيرة، فإنها تخلق “سحباً من الذكاء الاصطناعي” يبطئ وتيرة عمل المطورين في بداية مسارهم المهني .
قمة قبرص الرقمية.. أوروبا تبحث عن استقلالها التكنولوجي وسط عالم فوضوي!
المشكلة أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يدّعون النجاح في كثير من الأحيان، بينما ينتجون أكواداً تعاني من مشكلات خطيرة، منها :
- أخطاء برمجية كبيرة
- خوارزميات غير فعالة
- تكرار للأكواد في أنحاء المشروع
- تجاهل الأعطال وتعليقات النظام
- ترك رموز تصحيح في الأنظمة النهائية

مثال صادم
يضرب المسؤولان مثالاً بوكيل ذكاء اصطناعي حاول إصلاح خطأ في تزامن العمليات (race condition) داخل الكود، فكان حله ببساطة إدراج أمر تأخير (Thread.Sleep) يخفي المشكلة مؤقتاً بدلاً من حلها فعلياً . ويعلقان قائلين: “فقط مهندس على دراية بأكواد التزامن لديه الثقة الكافية ليشير إلى أخطاء الوكيل” .
شركات التكنولوجيا تتخذ قراراتها
النتيجة المنطقية التي بدأت تظهر هي أن الشركات، عندما ترى هذا النمط، تستنتج أنه من الأكثر كفاءة توظيف عدد أقل من المبتدئين والاعتماد على مهندسين ذوي خبرة يمكنهم الإشراف بشكل أفضل على أنظمة الذكاء الاصطناعي .
الأرقام تؤكد هذه المخاوف. بحسب بيانات من جامعة هارفارد، شهدت الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي التوليدي انخفاضاً حاداً في توظيف المبتدئين مقارنة بالشركات التي لم تتبناه، بينما بقيت مستويات توظيف الخبراء دون تغيير يذكر .
صندوق رأس المال الجريء SignalFire، في تقريره عن حالة المواهب لعام 2025، وجد أن توظيف الخريجين الجدد في شركات التكنولوجيا الكبرى انخفض إلى 7% فقط من إجمالي التوظيف في 2024، بانخفاض 25% عن العام السابق . الأكثر إثارة للقلق، أن معدلات توظيف الفئة العمرية 22-25 عاماً في الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تراجعت بنسبة 13% منذ إطلاق GPT4 .
رسالة تحذيرية
يحذر المسؤولان في مايكروسوفت قائلين: “إذا ركزت المنظمات فقط على الكفاءة قصيرة المدى – أي توظيف من يمكنهم بالفعل توجيه الذكاء الاصطناعي – فإنها تخاطر بإفراغ الجيل القادم من القادة التقنيين” .
هل تختفي وظائف البرمجة أم تتحول؟
إعادة تعريف الأدوار
لكن الصورة ليست قاتمة تماماً. شركة آي بي إم، على سبيل المثال، تتخذ نهجاً معاكساً. في فبراير الماضي، أعلنت الشركة عن خطط لمضاعفة توظيف المبتدئين ثلاث مرات في 2026.
الحرب الأسترالية على عمالقة التكنولوجيا: معركة شرسة لحماية الأطفال في العصر الرقمي
نيكل لامورو، المسؤولة عن الموارد البشرية في آي بي إم، شرحت أن “الوظائف التي كانت موجودة قبل سنتين أو ثلاث سنوات يمكن الآن تنفيذها إلى حد كبير بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما يتطلب من الشركات إعادة تعريف القيمة التي يقدمها الموظفون الجدد” . في النموذج الجديد، يركز المطورون المبتدئون على العمل المباشر مع العملاء بدلاً من كتابة أكواد يتولاها الذكاء الاصطناعي.
تحذير من فجوة مستقبلية
تحذر لامورو من أن تقليص توظيف المبتدئين اليوم سيخلق “نقصاً في المواهب متوسطة المستوى” مستقبلاً، مما سيرفع تكاليف التوظيف الخارجي بشكل كبير .
ما تأثير ذلك على العالم العربي؟
تحديات مماثلة لكن بسياقات مختلفة
المنطقة العربية، وخاصة دول الخليج، تواجه تحديات مماثلة لكن بخصائص محلية. تقرير حديث من منصة Fast Company Middle East يشير إلى أن “استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح الآن معياراً أساسياً متوقعاً” من أي موظف تقني .
زان أولحاق، رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة (إندافا) Endava، يوضح أن الفارق الحقيقي لم يعد في من يجيد كتابة الأوامر للذكاء الاصطناعي، بل في “من يستطيع تحمل مسؤولية النتائج” . فالذكاء الاصطناعي يمكنه توليد المخرجات، لكنه لا يتحمل المسؤولية، ولا يستطيع تفسير الفروق الدقيقة أو تحديد متى يكون الشيء خاطئاً من الناحية السياقية.
دراسات من المنطقة
كشفت بيانات منصة كورسيرا للتعليم الإلكتروني عن توجه مهم في الإمارات: ارتفاع بنسبة 105% في الالتحاق بدورات الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال العام الماضي، وارتفاع بنسبة 107% في الالتحاق بدورات التفكير النقدي . هذا يشير إلى أن المؤسسات في المنطقة تدرك الحاجة إلى الجمع بين المهارات التقنية والقدرات البشرية.
دول الخليج تستبق الأزمة
تقرير من Gulf News يؤكد أن الطلب على المواهب في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات في الخليج يتصدر قوائم التوظيف، حيث سجلت الإمارات نمواً بنسبة 48% في وظائف الذكاء الاصطناعي خلال 2024-2025، متصدرة العالم في هذا المجال .

كيف يمكن للشباب العربي الاستعداد؟
من مهارات التشغيل إلى مهارات التحكم
الخبراء في المنطقة يقدمون نصائح عملية للشباب العربي الراغب في دخول مجال البرمجة:
أولاً: تجاوز مهارات التشغيل الأساسية
معايير التقييم تغيرت. لم يعد أصحاب العمل يبحثون عن من يجيد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل عن من يستطيع تطبيق “الحكم البشري” داخل سير العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهذا يعني القدرة على تحديد المشكلات بوضوح، ومراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي، واكتشاف أخطاء النظام، واتخاذ قرارات ذكية .
ثانياً: بناء مشاريع حقيقية
أندرياس هاسيلوف، الرئيس التنفيذي لشركة Ombori، ينصح الشباب بـ “تجاوز الشهادات، فهي تصبح قديمة قبل أن يجف حبرها. جربوا الأدوات المتاحة اليوم، وجربوا بجرأة، وابنوا مجموعة من المشاريع الحقيقية، لا مجرد إكمال دورات” .
ثالثاً: التخصص العميق
نافين ناريندران، نائب الرئيس في Enterprise Minds، يؤكد أن “التعمق هو الحماية الوحيدة”. هل لديك جملة واحدة تصف تخصصك الأساسي، حيث يمكنك بمساعدة الذكاء الاصطناعي أن تصبح مساهماً لا غنى عنه؟ إذا لم تكن هذه الجملة مقنعة، فأنت في خطر .
نموذج “المنظمة الموجهة”
يقترح مسؤولو مايكروسوفت نموذج “المنظمة الموجهة”، حيث يتم الاقتران الرسمي بين مهندسين كبار ومطورين مبتدئين لتوجيه كل منهم والأنظمة الذكية التي يستخدمونها . هذا النموذج يمكن أن تتبناه الشركات الناشئة في المنطقة العربية لضمان استمرارية المواهب.
نهاية المبتدئين أم بداية مرحلة جديدة؟
التحذير الذي أطلقته مايكروسوفت ليس ناقوس خطر للمبرمجين المبتدئين، بل هو دعوة لإعادة تعريف دورهم. في عالم لم يعد المطلوب فيه مجرد كتابة أكواد، أصبح المبرمج المبتدئ مطالباً بأن يكون مدققاً، ناقداً، متمكناً من الأساسيات، وقادراً على التعلم المستمر.
المنطقة العربية، وخاصة الخليج، تسير بخطى سريعة نحو هذا النموذج الجديد، مع استثمارات ضخمة في المهارات البشرية إلى جانب التقنية. النجاح في هذا البيئة الجديدة لن يكون لمن يجيد استخدام الأدوات فحسب، بل لمن يستطيع “الوقوف خلف النتائج” وتحمل مسؤوليتها.
كما يختتم خبراءتقنيون تقريرهم: “القدرة على الأتمتة تفتح الباب، لكن الحكم والقدرة على التكيف والمساءلة هي ما يبقيك في الواجهة ولا يمكنهم الاستغناء عنك “ .
( في سلسلة من التقارير السابقة، استعرضت “أخبار تك” الجدل المحتدم في أوساط التكنولوجيا حول تداعيات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، في الوقت الراهن وفي العقود المقبلة ، ليكون القارئ العربي على وعي كامل بهذه التحولات الجذرية، وليكن قادراً على اتخاذ قراراته المهنية بناءً على رؤية مستقبلية واضحة، لا على اجتهادات شخصية أو مخاوف غير مبنية على معلومات).
فريق “أخبار تك”
يستند التقرير على تقارير مايكروسوفت و شركات تقنية ومواقع إخبارية