تكنولوجيا
سباق الفضاء الروسي ينطلق.. 16 قمراً لـ”راسفيت” في المدار المنخفض
تقرير فريق “أخبار تك”
موسكو تعلن عن بداية عصر الإنترنت الفضائي الروسي
في تطور يعكس تسارع سباق الفضاء التجاري بين القوى الكبرى، أعلنت شركة الفضاء الروسية “بيورو 1440” (Bureau 1440) عن إطلاق أول دفعة تشغيلية من أقمارها الصناعية ضمن مشروع “راسفيت” (Rassvet)، الذي يهدف إلى توفير إنترنت عريض النطاق عبر الأقمار الصناعية منخفضة المدار، في منافسة مباشرة لشبكة ستارلينك (Starlink) المملوكة لإيلون ماسك .
الإطلاق الذي تم في 23 مارس الجاري، حمل 16 قمراً صناعياً على متن صاروخ سويوز-2.1ب (Soyuz-2.1b) من قاعدة بليستسك الفضائية، ويأتي بعد تأخير استمر أشهر بسبب صعوبات في الإنتاج . الشركة أكدت أن الأقمار دخلت المدار المرجعي بنجاح، وتعمل فرق التحكم على نقلها إلى مدارها المستهدف بعد الفحص النهائي لأنظمتها .
مواصفات الأقمار: تقنيات من الجيل التالي
5G NTN وأجهزة ليزر بين الأقمار
الأقمار الـ16 المطلقة هي أول دفعة من نوعها في المشروع، وتتميز بمواصفات تقنية متطورة :
- نظام اتصالات 5G NTN: وهي شبكة خلوية غير أرضية (Non-Terrestrial Network) تتيح الاتصال المباشر بين الأقمار والأجهزة الأرضية باستخدام معايير الجيل الخامس .
- أجهزة ليزر للاتصال بين الأقمار (Satellite-to-Satellite Laser Terminals) : وهي تقنية تسمح بنقل البيانات بسرعة فائقة بين الأقمار دون الحاجة إلى محطات أرضية وسيطة .
- وحدة دفع بلازمية (Plasma Propulsion Unit) : لتعديل المدارات وتجنب الحطام الفضائي.
- نظام طاقة محسن لتشغيل المعدات ذات الاستهلاك العالي .
الشركة الروسية أكدت أن هذه الدفعة تمثل “الانتقال من مرحلة التجارب إلى إنشاء خدمة اتصالات حقيقية”، بعد 1000 يوم من العمل الهندسي والتطوير .
خارطة الطريق: 250 قمراً في 2027 و900 بحلول 2035
أرقام ضخمة لكنها لا تزال خلف ستارلينك
بحسب الخطة المعلنة، ستشهد السنوات القادمة تسارعاً كبيراً في إطلاق الأقمار :
| المرحلة | عدد الأقمار | التفاصيل |
|---|---|---|
| 2026 | 150 | مستهدف إطلاقها بنهاية العام الجاري |
| 2027 | 250+ | بدء الخدمات التجارية (السرعة المستهدفة: 1 جيجابت في الثانية) |
| 2035 | 900 | الهدف النهائي للتغطية العالمية |
للمقارنة، تمتلك شبكة ستارلينك حالياً أكثر من 10,000 قمر صناعي في المدار، مع خطط لتوسيعها إلى 40,000 . هذا يعني أن مشروع راسفيت لا يزال في مراحله الأولى جداً مقارنة بمنافسه الأميركي، لكنه يشكل خطوة استراتيجية مهمة لروسيا في مجال الاتصالات الفضائية .
الهدف الاستراتيجي: السيادة الرقمية الروسية
“تخليص روسيا من الاعتماد على ستارلينك”
بحسب تصريحات ديمتري باكانوف (Dmitry Bakanov)، رئيس وكالة الفضاء الروسية (روسكوسموس)، فإن مشروع راسفيت يمثل “الرد الروسي على ستارلينك” . الهدف الأساسي هو توفير إنترنت عالي السرعة للمناطق النائية في روسيا (سيبيريا والقطب الشمالي) التي تفتقر إلى البنية التحتية الأرضية .
أندريه يونين (Andrei Ionin)، عضو أكاديمية تسيولكوفسكي لعلوم الفضاء، أوضح أن المشروع سيعزز “السيادة الرقمية الروسية”، قائلاً: “هذا سيضمن للمواطنين الروس إمكانية الوصول إلى الإنترنت الفضائي دون الاعتماد على المنتجات الأجنبية، التي يمكن أن تتعرض للتقييد في أي لحظة بسبب التوترات السياسية” .
كما أن الجيش الروسي يعتبر المستفيد الرئيسي من هذه الخدمات، حيث سيمكن الأقمار القوات من الاتصال الآمن خارج حدود روسيا دون الحاجة إلى الاعتماد على الشبكات التجارية الغربية .
تحديات كبيرة: الإنتاج والتأخير والمنافسة
تأخير طويل وتمويل ضخم
المشروع، الذي بدأ في عام 2020، واجه تأخيرات كبيرة. كان من المقرر إطلاق الدفعة الأولى في أواخر 2025، لكن مشاكل في الإنتاج أدت إلى تأجيلها إلى مارس 2026 .
التمويل المخصص للمشروع ضخم أيضاً :
- 102.8 مليار روبل (1.26 مليار دولار) من الميزانية الفيدرالية حتى 2030 .
- 329 مليار روبل (4 مليارات دولار) من استثمارات الشركة الخاصة .
لكن التحدي الأكبر لا يزال في الإنتاج الضخم للمحطات الأرضية (الأطباق) التي يحتاجها المستخدمون النهائيون. بحسب الخبراء، فإن المحطات الأرضية لراسفيت أكبر حجماً من نظيرتها في ستارلينك، وهي موجهة أساساً للاستخدام المؤسسي (الشركات، الحكومة، الجيش) وليس للأفراد .
السبق السوفيتي والواقع الحالي
المفارقة اللافتة أن روسيا، التي أطلقت أول قمر صناعي في التاريخ (سبوتنيك 1 عام 1957) وأرسلت أول إنسان إلى الفضاء (يوري غاغارين عام 1961)، تعاني اليوم من تراجع كبير في قطاع الفضاء التجاري بسبب نقص التمويل وهجرة الكفاءات . مشروع راسفيت هو محاولة لاستعادة جزء من هذا المجد، لكن الفجوة بينه وبين ستارلينك لا تزال شاسعة .
كما أشارت تقارير إلى أن الشركة الأم لبيورو 1440 (IKS Holding) هي المورد الرئيسي لمعدات المراقبة الإلكترونية والتنصت الهاتفي للحكومة الروسية، مما يثير تساؤلات حول الأبعاد الأمنية للمشروع إلى جانب أهدافه التجارية .
خلاصة: بداية الطريق وليس النهاية
إطلاق 16 قمراً صناعياً هو خطوة أولى مهمة في مشروع طموح، لكن الطريق لا يزال طويلاً جداً أمام روسيا لبناء شبكة إنترنت فضائية قادرة على منافسة ستارلينك. مع خطط للوصول إلى 250 قمراً بحلول 2027 و900 بحلول 2035، لا تزال روسيا متأخرة بعشرات الآلاف من الأقمار عن منافسها الأميركي.
لكن ما هو مهم في هذا الإطلاق هو أنه يعكس إدراكاً روسياً متزايداً بأن الاتصالات الفضائية لم تعد مجرد مشروع علمي، بل أصبحت أساساً للسيادة الرقمية والأمن القومي. في عالم تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، تمتلك روسيا الآن بديلاً وطنياً يقلل اعتمادها على الخدمات الغربية، ويمنحها قدرة على تقديم خدمات الإنترنت الفضائي لحلفائها في المستقبل .





