تكنولوجيا

طوكيو تستهدف ريادة “الذكاء الفيزيائي” بمضاعفة إنتاج الرقاقات 5 مرات

🗓️ 12 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

طوكيو – أخبار تك

أعلنت الحكومة اليابانية رسمياً عن خطة طموحة لإعادة الهيمنة على قطاع التكنولوجيا العالمي، عبر التركيز على مجال جديد يسمى “الذكاء الفيزيائي” (Physical AI)، وهو الأساس لتشغيل الروبوتات والآلات بالذكاء الاصطناعي . في خطوة وصفتها وسائل الإعلام اليابانية والعالمية بأنها “إعلان حرب تكنولوجي” ،

جاء هذا الإعلان خلال اجتماع “مجلس استراتيجية النمو الياباني” الذي عُقد في العاصمة طوكيو يوم 10 مارس 2026، برئاسة رئيسة الوزراء يوريكو كويكي، حيث تم الكشف عن خارطة طريق طموحة تهدف إلى تقسيم سوق التكنولوجيا العالمية مع الولايات المتحدة والصين بحلول عام 2040 .

اجتماع 10 مارس والاستراتيجية الجديدة

في خطوة استراتيجية غير مسبوقة، كشفت الحكومة اليابانية عن 61 منتجاً وتقنية في 17 مجالاً استراتيجياً للتركيز عليها، مع تحديد أولويات واضحة لـ 27 منها.

رئيسة الوزراء يوريكو كويكي وصفت هذه المنتجات بأنها “تم اختيارها من زوايا متعددة تشمل ضرورة تقليل المخاطر المحلية، وإمكانية الاستحواذ على الأسواق الخارجية، والقيمة الابتكارية للتكنولوجيا” .

الأهداف الرقمية الطموحة:

  • رفع مبيعات أشباه الموصلات المنتجة محلياً من 8 تريليونات ين حالياً إلى 40 تريليون ين بحلول 2040 (أي زيادة خمسة أضعاف) .
  • استهداف قطاع الحوسبة السحابية بقيمة 5 تريليونات ين بحلول 2035 (زيادة سبعة أضعاف) .
  • إنشاء مراكز بحث وتطوير للرقاقات الأكثر تقدماً لمواكبة الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات .

ما هو “الذكاء الفيزيائي” ولماذا تراهن عليه اليابان؟

تعريف المفهوم الثوري

الذكاء الفيزيائي (Physical AI) ليس مجرد امتداد للذكاء الاصطناعي التقليدي الذي يعالج البيانات والمعلومات. وفقاً لتحليل NHK الياباني، فإن هذا المجال الجديد يمثل “قدرة الآلات والروبوتات على إدراك البيئة المحيطة والتفاعل معها في الزمن الفعلي، واتخاذ قرارات ذاتية بناءً على ذلك” .

بمعنى أبسط: إذا كان الذكاء الاصطناعي التقليدي يركز على “التفكير”، فإن الذكاء الفيزيائي يركز على “التفكير والحركة معاً”، وهو ما يمثل الفارق الجوهري بين روبوت دردشة وروبوت صناعي يؤدي مهام فعلية.

دموع على عرش التكنولوجيا : سيرة العلامات التي حكمت العالم ثم تلاشت!

الميزة اليابانية الفريدة

اليابان لا تدخل هذا السباق من فراغ. بحسب تقرير Nikkei، تمتلك اليابان مخزوناً هائلاً من براءات الاختراع والشركات الرائدة في مجال الروبوتات، مثل Fanuc وYaskawa وSoftBank . الخطة الجديدة تهدف إلى دمج هذه القدرات الميكانيكية التقليدية مع برمجيات الذكاء الاصطناعي المتطورة.

وزير الأمن الاقتصادي الياباني صرح في فبراير الماضي: “الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات هما تقنيتان أساسيتان تؤثران بشكل مباشر على القدرة التنافسية الصناعية والأمن القومي. الدول الكبرى تحشد إمكانياتها الحكومية والخاصة لتعزيز وجودها في هذين المجالين، واليابان ليس لديها وقت لتضيعه” .

اليابان بلد الجمال والتكنولوجيا

3 قواعد جديدة لدعم “الذكاء الفيزيائي”

لتنفيذ هذه الاستراتيجية الطموحة، أعلنت الحكومة اليابانية عن إنشاء ثلاث قواعد دعم رئيسية لتعزيز صناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي :

قاعدة تصميم الرقاقات (طوكيو – خريف 2026)

ستُفتتح في العاصمة طوكيو خلال خريف 2026، وستركز على دعم تصميم الرقاقات المخصصة للذكاء الفيزيائي. ستُجهز القاعدة بأحدث أدوات التصميم الآلي وخوادم حاسوبية فائقة، مع توفير خبراء متخصصين للدعم الفني .

قاعدة معدات التصنيع (هوكايدو – 2029)

ستُنشأ بالقرب من مصنع شركة Rapidus في مدينة تشيتوسي بمقاطعة هوكايدو، وستركز على تطوير معدات التصنيع المتطورة. من المقرر أن تستضيف القاعدة أحدث أجهزة الطباعة الضوئية بالحزمة البالغة الدقة (EUV) من شركة ASML الهولندية .

قاعدة أشباه الموصلات المركبة

سيتم إنشاء مركز متخصص لتطوير واختبار أشباه الموصلات المركبة (مثل كربيد السيليكون ونيتريد الغاليوم)، التي تتميز بسرعة أعلى واستهلاك أقل للطاقة، مما يجعلها مثالية لتطبيقات الذكاء الفيزيائي ومراكز البيانات .

شراكات استراتيجية مع TSMC وRapidus

الخطة اليابانية لا تعتمد فقط على الجهود المحلية، بل تستند إلى شراكات دولية قوية :

  • TSMC: تواصل الشركة التايوانية العملاقة بناء مصنعها الجديد في كوماموتو، والذي سيركز على إنتاج الرقاقات التقليدية المستخدمة في السيارات والمعدات الصناعية .
  • Rapidus: الشركة اليابانية الناشئة التي تأسست عام 2022، تستهدف إنتاج رقاقات متطورة بتقنية 2 نانوميتر بحلول عام 2027، بدعم من شركات يابانية كبرى مثل تويوتا وسوني وسوفت بنك .

دروس من الماضي.. انهيار ثم انتعاش

القصة المؤلمة لصناعة الرقاقات اليابانية

في الثمانينيات، كانت اليابان تسيطر على أكثر من 50% من سوق الرقاقات العالمية. لكن التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، والضغوط التنافسية من كوريا وتايوان، أدت إلى انهيار سريع خلال التسعينيات. في أوائل الألفية الجديدة، هبطت حصة اليابان إلى أقل من 10% .

اتفاقية الرقاقات اليابانية الأمريكية عام 1986 فرضت قيوداً على الصادرات اليابانية، وعندما لم تلتزم طوكيو بالكامل، فرضت واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 100% على جميع الإلكترونيات اليابانية في العام التالي، مما دفع الشركات التكنولوجية إلى البحث عن موردين خارج اليابان .

التحليق فوق وادي السيليكون: تقرير أخبار تك عن مستجدات التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي في أمريكا

الدروس المستفادة

الآن، تتبنى اليابان استراتيجية مختلفة تماماً. بدلاً من الاعتماد على الذات فقط، تفتح أبوابها للاستثمارات الأجنبية (مثل TSMC) وتشجع الشراكات الدولية. وزير الأمن الاقتصادي صرح صراحة بأن “تجاوز حدود الشركات والحدود الوطنية هو شرط أساسي للقدرة التنافسية الدولية” .

اليابان تعود بقوة إلى السباق

الخطة اليابانية الجديدة تمثل أكثر من مجرد أهداف اقتصادية طموحة. إنها إعلان واضح بأن طوكيو تنوي استعادة مكانتها كقوة تكنولوجية كبرى، والمنافسة بندية مع الولايات المتحدة والصين في المجالات الأكثر تقدماً.

التحدي الأكبر الذي تواجهه اليابان اليوم ليس في القدرات التصنيعية (التي لا تزال قوية)، بل في التصميم والبرمجيات. الشركات اليابانية لا تزال متأخرة في مجال تصميم رقاقات الذكاء الاصطناعي مقارنة بـNvidia الأمريكية . لكن طوكيو تراهن على أن الجمع بين القوة الميكانيكية التقليدية والاستثمارات الضخمة في البحث والتطوير، سيمكنها من سد هذه الفجوة خلال العقد القادم.

كما خلص تقرير ستاندفورد إلى أن استراتيجية اليابان لإحياء صناعة الرقاقات تعتمد على مشروعين رئيسيين: التعاون مع TSMC لتأمين الرقاقات التقليدية، ودعم Rapidus لتطوير الرقاقات المتطورة . هذه المعادلة المزدوجة قد تكون المفتاح لنجاح طوكيو في سباق الذكاء الفيزيائي العالمي.

فريق “أخبار تك” – أنتج هذا التقرير بناء على تقارير إخبارية وتقنية ..