تكنولوجيا

عائلات الرقاقات تهتز.. “توربوكوانت” من جوجل تضرب سوق الذاكرة وتقلب موازين الذكاء الاصطناعي

30 مارس، 2026 فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

تقرير فريق أخبار تك

في تطور غير مسبوق هز أسواق التكنولوجيا العالمية، كشفت شركة البحث (جوجل) عن تقنية جديدة لضغط الذاكرة تحمل اسم “توربوكوانت” (TurboQuant)، أثارت موجة ذعر في أسواق الأسهم، حيث انخفضت أسهم كبرى شركات الرقاقات مثل ميكرون (Micron) وويسترن ديجيتال (Western Digital) بنسبة تجاوزت 10% في أيام قليلة، وسط مخاوف من أن تصبح الرقاقات أقل أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي .

لكن هل هذه المخاوف حقيقية؟ أم أن السوق بالغ في رد فعله؟ في هذا التقرير، نستعرض تفاصيل تقنية “توربوكوانت” التي طورتها جوجل ، ونحلل تأثيرها الحقيقي على مستقبل صناعة الرقاقات والذكاء الاصطناعي.

ما هي تقنية “توربوكوانت” (TurboQuant)؟

ضغط الذاكرة بـ6 أضعاف دون فقدان الدقة

في 24 مارس 2026، نشرت جوجل (Google) عبر مدونتها البحثية تفاصيل تقنية ثورية في مجال ضغط الذاكرة، أطلقت عليها اسم “توربوكوانت” (TurboQuant) . هذه التقنية، التي ستُعرض في مؤتمر ICLR 2026، تستهدف حل أكبر مشكلة تواجه نماذج الذكاء الاصطناعي: ذاكرة التخزين المؤقت للمفاتيح والقيم (Key-Value Cache) .

ببساطة: عندما تتحدث مع روبوت دردشة مثل تشات جي بي تي، فإن النموذج يحتاج إلى تذكر ما قلته سابقاً. هذه الذاكرة تُخزن في مكان يسمى “KV Cache” . كلما طالت المحادثة، زادت المساحة التي تستهلكها هذه الذاكرة، حتى تصل إلى 70% من إجمالي ذاكرة وحدة معالجة الرسوميات (GPU) .

ما تفعله تقنية “توربوكوانت” هو تقليص حجم هذه الذاكرة بنسبة 6 أضعاف، مع الحفاظ على دقة النموذج بالكامل . ليس هذا فحسب، بل تزيد سرعة الأداء على رقاقات H100 من إنفيديا بمقدار 8 أضعاف .

كيف تعمل التقنية؟ شرح مبسط

التحدي القديم: ضغط الذاكرة مع الحفاظ على الدقة

لطالما حاول الباحثون ضغط ذاكرة النماذج اللغوية الكبيرة، لكنهم واجهوا مشكلتين رئيسيتين:

  1. تراكم الأخطاء (Error Accumulation) : كلما زاد الضغط، زادت الأخطاء، ومع طول المحادثة تتراكم هذه الأخطاء حتى تنهار دقة النموذج .
  2. البيانات الوصفية (Metadata Overhead) : طرق الضغط التقليدية تحتاج إلى تخزين بيانات إضافية (مثل عوامل القياس) إلى جانب البيانات المضغوطة، مما يقلل من فائدة الضغط أو حتى يلغيها أحياناً .

حل جوجل : مرحلتان متكاملتان

المرحلة الأولى: “بولاركوانت” (PolarQuant) – التخلص من البيانات الوصفية

تستخدم جوجل تقنية مبتكرة تعتمد على الإحداثيات القطبية (Polar Coordinates) بدلاً من الإحداثيات الديكارتية التقليدية. تخيل أنك تريد وصف موقع نقطة على خريطة:

  • الطريقة التقليدية: تقول “اذهب 3 كيلومترات شرقاً، 4 كيلومترات شمالاً” (إحداثيان).
  • الطريقة الجديدة: تقول “اذهب 5 كيلومترات بزاوية 37 درجة” (نصف البيانات).

ثم تقوم جوجل بتدوير البيانات عشوائياً، مما يجعل توزيع الزوايا موحداً، وبالتالي يمكن استخدام شبكة ضغط عالمية واحدة لجميع البيانات، مما يلغي الحاجة إلى تخزين بيانات وصفية لكل جزء على حدة .

المرحلة الثانية: “كيو جاي إل” (QJL) – تصحيح الأخطاء بـ1 بت

بعد الضغط الأول، يبقى خطأ بسيط. هنا تأتي المرحلة الثانية: تستخدم جوجل بتاً واحداً فقط (1-bit) لضغط بقايا الخطأ، مع خوارزمية رياضية تضمن أن القيمة المتوقعة للمخرجات تبقى كما هي دون انحياز. هذا يضمن أن الأخطاء لا تتراكم مع طول المحادثة، بل تظل ضمن حدود يمكن التحكم فيها .

لماذا اهتزت أسواق الرقاقات؟

1. ميكرون (Micron) – أسهم تخسر 16% في أسبوع

كانت شركة ميكرون (Micron) الأكثر تضرراً من إعلان التقنية الجديدة. انخفض سهمها بنحو 16% خلال الأسبوع الماضي، وسط مخاوف من أن تقنية “توربوكوانت” ستقلل الطلب على رقاقات الذاكرة عالية النطاق (HBM) التي تعتبر ميكرون من أكبر منتجيها .

تحليل: لكن المحللين في مورغان ستانلي (Morgan Stanley) وبنك أوف أميركا (Bank of America) يرون أن رد فعل السوق مبالغ فيه. التقنية الجديدة تضغط جزءاً محدداً فقط من الذاكرة (KV Cache)، وليس الذاكرة الكلية للنموذج. كما أن زيادة الكفاءة ستشجع على بناء نماذج أكبر، مما يزيد الطلب على الذاكرة في النهاية .

2. ويسترن ديجيتال (Western Digital) وسانديسك (SanDisk) – الناند تحت الضغط

انخفض سهم ويسترن ديجيتال (Western Digital) بنسبة 4.7%، وسانديسك (SanDisk) بنسبة 5.7%، وسط مخاوف من أن تقليل احتياجات الذاكرة سيقلل الطلب على وحدات التخزين فائقة السرعة (SSD) .

الواقع: شركة سيجيت (Seagate)، المتخصصة في الأقراص الصلبة التقليدية، كانت الأقل تضرراً، لأن التقنية الجديدة تؤثر على الذاكرة السريعة (التي تستخدم في التدريب والاستدلال) وليس على التخزين البطيء (الذي يستخدم للأرشيف) .

3. إنفيديا (Nvidia) – مفارقة الأداء

ارتفع سهم إنفيديا بعد التصحيح الأولي، حيث أدرك المستثمرون أن زيادة كفاءة رقاقات H100 بنسبة 8 أضعاف تعني أن العملاء سيحصلون على قيمة أكبر من رقاقات إنفيديا، مما قد يزيد الطلب عليها، لا يقلله .

ماذا يقول الخبراء؟

مورغان ستانلي (Morgan Stanley): “الرد فعل مبالغ فيه”

في تقرير عاجل، طمأنت مورغان ستانلي (Morgan Stanley) المستثمرين، مؤكدة أن تقنية “توربوكوانت” لا تستهدف سوى جزء صغير من الذاكرة (KV Cache)، وليس الذاكرة الكلية. بل إن تحسين الكفاءة قد يؤدي إلى توسع السوق، حيث يمكن للشركات بناء نماذج أكبر وأكثر تعقيداً .

بنك أوف أميركا (Bank of America): “نموذج ديب سيك تكرر”

شبه محللو بنك أوف أميركا (Bank of America) ما حدث مع “توربوكوانت” بما حدث مع نموذج ديب سيك (DeepSeek) الصيني في يناير 2026، عندما أثار الذعر في الأسواق. في كلتا الحالتين، كان رد فعل المستثمرين مبالغاً فيه، ولم تؤثر التقنيات الجديدة على الطلب طويل الأجل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي .

محللون مستقلون: “تحول في مكان عنق الزجاجة”

يرى محللون أن التقنيات الجديدة لا تقضي على الحاجة إلى الرقاقات، بل تنقل عنق الزجاجة من الذاكرة إلى المعالجة. بمعنى آخر، ستصبح الشركات قادرة على تشغيل نماذج أكبر بنفس الموارد، مما يزيد الطلب على القوة الحاسوبية، وليس يقلله .

خلاصة: ثورة في الكفاءة، وليس نهاية للرقاقات

ما كشفته جوجل هو إنجاز هندسي هائل: القدرة على تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي عملاقة بنصف الذاكرة تقريباً، وبدون أي خسارة في الدقة. هذا يعني أن الشركات ستوفر مبالغ طائلة، وأن المستخدمين سيحصلون على تجارب أسرع وأكثر سلاسة.

لكن هذا لا يعني نهاية صناعة الرقاقات. بل على العكس، الرقاقات لا تزال هي الأساس. ما تغير هو أننا أصبحنا نستخدمها بكفاءة أعلى. وكما قال محللو مورغان ستانلي: “الذاكرة لا تزال العنق الزجاجة المطلق للذكاء الاصطناعي. هذه التقنيات الجديدة لا تقتل الطلب، بل تفتح الباب لنماذج أكبر وأكثر تعقيداً” .

السؤال الذي يبقى مفتوحاً: كيف ستستجيب شركات الرقاقات لهذه الثورة البرمجية؟ هل ستزيد من قدراتها التنافسية، أم ستبقى رهينة للتقلبات السريعة في السوق؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.