تكنولوجيا

قمة قبرص الرقمية.. أوروبا تبحث عن استقلالها التكنولوجي وسط عالم فوضوي!

🗓️ 12 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 6 دقائق للقراءة

قبرص –أخبار تك

أوروبا في سباق الـ”بيت” و”البايت”

في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الهيمنة التكنولوجية بين واشنطن وبكين، تجد أوروبا نفسها مضطرة للإجابة عن سؤال وجودي: هل ستظل مجرد سوق استهلاكية للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى قوة منتجة قادرة على حماية سيادتها الرقمية؟

هذا السؤال كان محور النقاشات في قمة EuroHPC 2026، التي انطلقت في مدينة بافوس القبرصية في الفترة من 10 إلى 12 مارس الجاري، تحت شعار “بناء السيادة الرقمية الأوروبية: مصانع الذكاء الاصطناعي، والحوسبة فائقة الأداء، والتقنيات الكمومية” .

لكن المفاجأة أن هذه القمة لم تكتمل كما كان مخططاً لها. بسبب التصعيد العسكري في الشرق الأوسط واضطراب حركة الطيران، تقرر تأجيل القمة إلى إشعار آخر، في مشهد دراماتيكي يعكس هشاشة البنية التحتية الرقمية في وجه الأزمات الجيوسياسية .

هذا التأجيل نفسه أصبح دليلاً عملياً على ما يجتمع الأوروبيون لمناقشته: السيادة الرقمية ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية.

ما هي “السيادة الرقمية” ولماذا تقلق أوروبا؟

تعريف المفهوم

السيادة الرقمية ليست مجرد شعار سياسي. وفقاً لتحليل نشره المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، فإن “السيادة الحقيقية تتجسد في القدرة التشغيلية و التحكم الكامل في الأنظمة وضمان استقلاليتها تحت أي ظرف” .

بمعنى أبسط: هل تستطيع أوروبا إدارة بنيتها التحتية الرقمية (شبكات الاتصالات، مراكز البيانات، أنظمة الذكاء الاصطناعي) دون الاعتماد على تقنيات أو قرارات تتخذ في واشنطن أو بكين؟

كيف تحولت نيروبي ولاغوس إلى قبلة التكنولوجيا الأفريقية؟

الفجوة المقلقة

الأرقام التي تطرحها القمة مثيرة للقلق. تقرير للخبير الاقتصادي نوريل روبيني نشرته “مواقع اخبارية” يشير إلى أن الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة تتسع بسرعة:

  • بين عامي 2008 و2023، نما الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 87%، مقابل 13.5% فقط في الاتحاد الأوروبي.
  • انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي في الاتحاد الأوروبي من 76.5% من المستوى الأمريكي إلى 50%.
  • نصف أكبر 50 شركة تكنولوجية في العالم هي أمريكية، مقابل أربع فقط أوروبية .

هذه الفجوة تفسر لماذا باتت “السيادة الرقمية” عنواناً رئيسياً في كل قمة تكنولوجية أوروبية.

ما الذي كان سيناقش في بافوس؟

رغم التأجيل، كانت أجندة القمة تطمح إلى مناقشة عدة ملفات استراتيجية:

1. مصانع الذكاء الاصطناعي الأوروبية

تسعى أوروبا إلى إنشاء مراكز متكاملة لتطوير الذكاء الاصطناعي تعتمد على بنية تحتية أوروبية خالصة، بدلاً من الاعتماد على الخدمات السحابية الأمريكية. هذا يشمل تطوير نماذج لغوية أوروبية تدعم تعدد اللغات، وتأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية والتنظيمية للقارة .

2. الحوسبة فائقة الأداء

أوروبا تمتلك بالفعل بعضاً من أسرع الحواسيب العملاقة في العالم من خلال مشروع EuroHPC، لكن التحدي هو توسيع نطاق استخدامها ليشمل القطاعين الأكاديمي والصناعي على نطاق واسع. شركات مثل Pasqal، المتخصصة في الحوسبة الكمومية، كانت ستشارك في القمة لعرض تقنياتها .

3. التكامل بين الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي

الجيل القادم من التطبيقات سيعتمد على دمج قدرات الحوسبة الكمومية مع الذكاء الاصطناعي. أوروبا تخشى أن تتخلف في هذا السباق إذا لم تستثمر بشكل مكثف الآن .

السيادة الرقمية في مواجهة “عالم فوضوي”

تأتي هذه القمة في وقت حساس للغاية. تقرير “إف جي إس جلوبال” الذي ناقشه منتدى دافوس 2026 يشير إلى أن العالم أصبح “أكثر فوضوية، تحكمه القوة الفجة” .

مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، قال في دافوس: “النظام الدولي القائم منذ زمن طويل على القواعد انتهى ولن يعود” . هذا الإعلان يضع أوروبا أمام خيارين: إما أن تبني سيادتها الرقمية بسرعة، أو تبقى رهينة لصراعات القوى الكبرى.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أضاف: “أوروبا تفضل سيادة القانون على الوحشية” . لكن التحدي هو كيف نبني سيادة القانون في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود؟

سيادة اوربا الرقمية في خطر …

دروس من الصراع الإيراني الإسرائيلي

ما يجري في الشرق الأوسط يقدم دروساً قاسية لأوروبا. تقرير الجزيرة نت عن “حرب السيادة الرقمية” بين إيران وإسرائيل يكشف أن:

  • الفضاء السيبراني تحول إلى ساحة معركة مفتوحة، حيث تندمج الهجمات السيبرانية مع العمليات العسكرية الميدانية بشكل غير مسبوق.
  • مجموعة “سايبر أفينجرز” الإيرانية اخترقت أنظمة تحكم في المياه داخل إسرائيل باستغلال ثغرات بسيطة في كلمات المرور الافتراضية .
  • “العصفور المفترس” نفذ هجوماً “تطهيرياً” ضد بنك “سبه” الإيراني، مما أدى إلى شلل كامل في المعاملات المالية المرتبطة بالقوات المسلحة الإيرانية .
  • في فبراير 2026، وصلت نسبة الاتصال بالإنترنت في إيران إلى 1% فقط نتيجة هجمات استهدفت بوابات النفاذ الدولية .

الدرس الأوروبي: إذا كان هذا هو مصير دول في قلب الصراع، فكيف ستكون حال أوروبا إذا انقطعت كابلاتها البحرية أو تعطلت أقمارها الصناعية في لحظة أزمة؟

هل وكلاء الذكاء الاصطناعي خطر على المبرمجين الجدد؟

ملامح استراتيجية أوروبية جديدة

تحت عنوان “أمن أوروبا الرقمي.. معضلة السيادة وصراع مفاتيح التحكم”، طرح المركز الأوروبي للدراسات إطاراً استراتيجياً يتكون من ثلاثة مستويات :

1. السيادة على البيانات

ضمان خضوع البيانات للقوانين الوطنية ومنع الوصول غير المصرح به من جهات أجنبية. هذا يعني تشديد القيود على نقل البيانات خارج الحدود، وتعزيز آليات التشفير المحلية.

2. السيادة التشغيلية

تمكين الفنيين الوطنيين من إدارة وصيانة الأنظمة الحيوية بشكل مستقل تماماً عن الشركات الأم. لا يمكن أن تظل شبكات الجيل الخامس الأوروبية تحت إشراف فنيين من خارج القارة.

3. التحكم في التكنولوجيا الأساسية

منع استخدام التكنولوجيا كأداة للابتزاز السياسي. هذا يعني تطوير بدائل أوروبية للتقنيات الحساسة، أو على الأقل ضمان وجود “مفاتيح تحكم” لدى الجهات الأوروبية.

المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب يحذر من الفجوة الرقمية بين أوربا و العالم

العقبات التي تواجه الطموح الأوروبي

رغم كل هذه الخطط، هناك عقبات بنيوية تعترض طريق أوروبا:

أولاً: التشتت التنظيمي – كما يشير تحليل صندوق النقد الدولي، فإن حواجز السوق الداخلية في الاتحاد الأوروبي تعمل كرسوم جمركية تبلغ نحو 44% على السلع و110% على الخدمات. هذا أعلى كثيراً من الرسوم الأمريكية .

ثانياً: غياب التمويل الجريء – الولايات المتحدة تتمتع بنظام بيئي أعمق وأكثر ديناميكية لتمويل الشركات الناشئة، بينما لا تزال أوروبا تفتقر إلى اتحاد حقيقي لأسواق رأس المال .

ثالثاً: الثقافة – حتى وقت قريب، كان رائد الأعمال الفاشل في بعض الدول الأوروبية يواجه عقوبات جنائية، بينما في أمريكا يُنظر إلى الفشل كخبرة تعليمية .

قمة بافوس بين التأجيل والأهمية

تأجيل قمة EuroHPC 2026 بسبب أحداث الشرق الأوسط كان بمثابة “درس عملي” في هشاشة البنية التحتية الرقمية. أوروبا تدرك اليوم أن السيادة الرقمية ليست مشروعاً طويل الأجل يمكن تأجيله، بل هي ضرورة ملحة لحماية الأمن القومي والقدرة التنافسية.

كما لاحظ إرنست همنجواي في مقولة شهيرة: “الإفلاس يحدث تدريجياً، ثم فجأة”. تراجع أوروبا التكنولوجي كان تدريجياً، لكن الخوف من أن تتحول هذه التدريجية إلى “فجوة مفاجئة” لا رجعة فيها هو ما يجمع قادة القارة اليوم في بافوس، حتى لو اضطروا للاجتماع افتراضياً.

السيادة الرقمية الأوروبية لم تعد خياراً، بل ضرورة وجودية. والسؤال المتبقي: هل تمتلك أوروبا الإرادة السياسية والموارد اللازمة لتحقيق هذا الحلم قبل فوات الأوان؟


فريق “أخبار تك”

استند التقرير على تقارير وكالات انباء + مواقع اخبارية