الذكاء الاصطناعي

“كلود” ينفجر شعبية بين المستخدمين المحترفين ويقترب من عرش تشات جي بي تي

30 مارس، 2026 فريق أخبار تك 6 دقائق للقراءة

فريق أخبار تك

في تطور غير مسبوق يعكس تحولاً عميقاً في مشهد الذكاء الاصطناعي، تشهد منصة كلود (Claude) من شركة أنثروبيك (Anthropic) طفرة غير مسبوقة في عدد المستخدمين الدافعين، وسط تراجع ملحوظ في زخم المنافس الأكبر تشات جي بي تي (ChatGPT) من أوبن إيه آي (OpenAI) .

اللافت أن هذا الصعود لم يأتِ فقط بسبب التفوق التقني، بل بفضل موقف أخلاقي واضح: رفض أنثروبيك استخدام تقنياتها في العمليات العسكرية القاتلة والمراقبة الجماعية للأميركيين، وهو الموقف الذي كلفها عقوداً حكومية بمئات الملايين، لكنه أكسبها قلوب المستخدمين العاديين .

الأرقام التي تصدم وادي السيليكون

1. ارتفاع قياسي في المشتركين الدافعين

كشفت بيانات تحليلية أجرتها شركة إنداغاري (Indagari) لصالح موقع تك كرانش (TechCrunch)، استندت إلى مليارات المعاملات المجهولة المصدر لنحو 28 مليون مستهلك أميركي، عن قفزة هائلة في عدد المشتركين المدفوعين في كلود .

الأرقام الرئيسية:

  • قفز عدد المشتركين المدفوعين من 34 ألفاً في ديسمبر 2025 إلى 42 ألفاً في يناير 2026 .
  • التسارع الأكبر حدث بين يناير وفبراير 2026، حيث قفز العدد من 42 ألفاً إلى ما يقرب من 60 ألف مشترك، أي زيادة بنحو 17 ألف مشترك في شهر واحد .
  • أكد متحدث باسم أنثروبيك أن الاشتراكات المدفوعة تضاعفت أكثر من مرة خلال العام الجاري .

2. سيطرة على المشتركين الجدد في قطاع الأعمال

بيانات من شركة التكنولوجيا المالية رامب (Ramp) ترسم صورة أكثر تفاؤلاً لأنثروبيك:

  • في فبراير 2026، ارتفعت حصة أنثروبيك من اشتراكات برمجيات الأعمال بنسبة 4.9%، بينما تراجعت حصة أوبن إيه آي بنسبة 1.5% .
  • ربع الشركات على منصة رامب تدفع حالياً مقابل كلود (مقابل واحد من كل 25 شركة قبل عام) .
  • الأكثر إثارة: 70% من الشركات التي تشترك في خدمة ذكاء اصطناعي للمرة الأولى تختار كلود، وليس تشات جي بي تي .

3. تفوق في التطبيقات وتحميلات غير مسبوقة

على مستوى تطبيقات الهواتف الذكية، حقق كلود إنجازاً لافتاً:

  • بعد نهاية فبراير 2026، سجل تطبيق كلود رقماً قياسياً في التحميلات اليومية بلغ زيادة 69.19% في يوم واحد في الولايات المتحدة .
  • تصدر كلود قائمة التطبيقات المجانية على متجر آيفون (iOS) في أميركا، متفوقاً على تشات جي بي تي .

4. قفزة في حصة السوق

بيانات من شركة الأبحاث أندريسن هورويتز (a16z) تظهر تحولاً في توزيع حصة السوق بين أغسطس 2025 وفبراير 2026:

  • كلود: ارتفعت حصته من 1.5% إلى 4% في الولايات المتحدة، وتضاعفت عالمياً .
  • تشات جي بي تي: تراجعت حصته من 57% إلى 42% في الولايات المتحدة، ومن 73% إلى 57% عالمياً .

لماذا كلود الآن؟ العوامل الخمسة وراء الطفرة

1. الموقف الأخلاقي: “لا للحرب، لا للتجسس”

في قلب هذه الطفرة، قصة إنسانية أكثر منها تقنية. في أواخر يناير 2026، بدأت تقارير إعلامية تظهر عن خلاف عميق بين أنثروبيك ووزارة الدفاع الأميركية . الشركة رفضت السماح للجيش باستخدام نماذجها في “عمليات قتل ذاتية” (Lethal Autonomous Operations) أو “المراقبة الجماعية للمواطنين الأميركيين” .

الموقف تصاعد عندما هددت الوزارة بتصنيف أنثروبيك كـ”خطر على سلسلة التوريد”، وهو ما قد يدمر أعمالها الحكومية . رد الرئيس التنفيذي داريو أمودي (Dario Amodei) في 26 فبراير ببيان عام حازم، ورفعت الشركة دعاوى قضائية .

النتيجة: بينما كانت أوبن إيه آي توقع عقوداً مع البنتاغون، أصبحت أنثروبيك بطلة “الذكاء الاصطناعي المسؤول”. تحليل “مشاعر العلامة التجارية” أظهر أن سمعة أنثروبيك ارتفعت من 61.2 إلى 63.9، بينما تراجعت سمعة أوبن إيه آي من 55.5 إلى 49.3 .

حتى المشاهير انضموا للدعم: المغنية كيتي بيري (Katy Perry) نشرت لقطة شاشة تظهر اشتراكها في أعلى فئة من كلود، وأعضاء مجلس الشيوخ أبدوا دعمهم العلني .

2. إعلانات السوبر بول: “نحن لن نعرض عليك إعلانات”

في فبراير 2026، عرضت أنثروبيك سلسلة من الإعلانات التلفزيونية خلال مباراة السوبر بول (أكبر حدث تلفزيوني في أميركا)، سخرت فيها من قرار أوبن إيه آي بعرض إعلانات داخل تشات جي بي تي .

الإعلانات كانت “حادة، مضحكة، وفعالة”، ووعدت المستخدمين بأن كلود “لن يفعل ذلك أبداً” . حتى الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي سام ألتمان أقر بأن الإعلانات كانت مؤثرة، رغم أنه انتقدها لاحقاً .

3. منتجات ثورية: كلود كود وكلود كوورك

في يناير 2026، أطلقت أنثروبيك أداتين غيرتا قواعد اللعبة :

أولاً: كلود كود (Claude Code) – وكيل برمجة متطور يستطيع كتابة الأكواد وتصحيحها واختبارها وتحديث الأنظمة القديمة بشكل مستقل. حققت هذه الأداة وحدها إيرادات سنوية متكررة بلغت 2.5 مليار دولار في أقل من ستة أسابيع . وقد تضاعفت اشتراكات الأعمال في كلود كود أربع مرات منذ يناير .

ثانياً: كلود كوورك (Claude Cowork) – وكيل إنتاجي متكامل يمكنه إدارة الاجتماعات، وتلخيص المستندات، وأتمتة مهام العمل المعقدة.

4. ميزة “استخدام الحاسوب” (Computer Use)

في مارس 2026، أطلقت أنثروبيك ميزة ثورية تسمح لكلود بالتحكم في حاسوب المستخدم بشكل مستقل – النقر، التمرير، وتنفيذ المهام. هذه الميزة تعمل مع تطبيق ديسباتش (Dispatch) الذي يتيح للمستخدم إرسال أوامر من هاتفه، وينفذها كلود على حاسوبه المنزلي أو المكتبي .

هذه الميزات جذبت شريحة جديدة من المستخدمين المحترفين الذين يحتاجون إلى أتمتة حقيقية، وليس مجرد محادثة.

5. الجودة التقنية: ذاكرة أسطورية و”دستور أخلاقي”

على الجانب التقني، يتميز كلود بقدرته على التعامل مع مئات الآلاف من الكلمات في جلسة واحدة (نافذة سياق ضخمة)، مما يجعله مثالياً للمحامين والباحثين والمطورين الذين يحتاجون إلى تحليل مستندات طويلة .

كما أن منهجية “الذكاء الاصطناعي الدستوري” (Constitutional AI)، حيث يُدرَّب النموذج على اتباع مبادئ أخلاقية واضحة بدلاً من الاعتماد فقط على التغذية الراجعة البشرية، جعلته الخيار المفضل في المجالات الحساسة .

كلود لا يزال بعيداً.. لكن الفجوة تتقلص

رغم كل هذا الزخم، لا يزال تشات جي بي تي يسيطر على السوق بأرقام ضخمة:

  • 900 مليون مستخدم نشط أسبوعياً، أي أكثر من 10% من سكان العالم .
  • لا يزال يجذب بين 13,500 و21,000 مشترك جديد أسبوعياً .

لكن التوجه واضح: حصة السوق تتغير. وإذا استمرت وتيرة نمو كلود الحالية، فقد يصبح المنافس الحقيقي الوحيد لـ ChatGPT خلال السنوات القادمة .

التحدي الكبير – أزمة القدرة الاستيعابية

لكن النجاح له ثمن. الطفرة في الإقبال على كلود كشفت عن نقطة ضعف خطيرة: القدرة الاستيعابية المحدودة.

في 29 مارس، أعلنت أنثروبيك عن تغيير في سياسة الاستخدام لمواجهة الطلب المتزايد . في أوقات الذروة (5 صباحاً إلى 11 صباحاً بتوقيت المحيط الهادئ)، قد تنفد حصة المستخدمين (Pro و Max) في أقل من 5 ساعات .

ما يعنيه هذا: مستخدم يدفع 200 دولار شهرياً قد لا يتمكن من استخدام الخدمة في ساعات الصباح إذا كان الطلب مرتفعاً. هذه الأزمة تعكس التحدي الأكبر الذي يواجه مزودي الذكاء الاصطناعي اليوم: ليست الخوارزميات هي النادرة، بل رقاقات الحوسبة (GPUs) التي تشغلها .

عصر جديد من المنافسة

طفرة كلود ليست مجرد قصة نجاح تقني، بل هي درس استراتيجي. في عصر تتسابق فيه الشركات على عقود البنتاغون، اختارت أنثروبيك طريقاً مختلفاً: التمسك بالمبادئ، والتركيز على المستخدم العادي والمطور، والاستثمار في أدوات عملية تحل مشكلات حقيقية .

النتيجة: شركة أصبحت حديث العالم، ومنتج يتدفق إليه المستخدمون بأرقام قياسية، وعلامة تجارية ارتفعت مكانتها الأخلاقية بينما تنافسها تتراجع.

السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ستستطيع أنثروبيك تحويل هذا الزخم إلى تفوق دائم، أم أن أزمة القدرة الاستيعابية وارتفاع التكاليف ستعيد الأمور إلى مربع الصفر؟

المصدر : وكالات ابناء + مواقع اخبارية وتقنية