الذكاء الاصطناعي

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مستقبل الطب؟

16 أبريل، 2026 فريق أخبار تك 6 دقائق للقراءة

تصور عزيزي القارئ أنك تجلس في مقهى هادئ، كوب من القهوة بيدك، وتسمع أن مريضاً بالسرطان قد يُعالَج خلال أسابيع بدلاً من سنوات. هذا ليس خيالاً علمياً. إنه واقع يتشكل الآن بفضل اندماج الذكاء الاصطناعي مع الطب.

في هذا المقال ، ننقل لكم في جولة شاملة لأحدث التطورات في عالم الطب والذكاء الاصطناعي، مستعرضاً كيف تعيد هذه التقنيات تشكيل كل شيء: من اكتشاف الأدوية إلى تشخيص الأمراض ومراقبة المرضى.

أولاً: اكتشاف الأدوية.. ثورة في المختبرات

أمازون تطلق منصة “بايو ديسكفري” (Amazon Bio Discovery)

في خطوة جريدة، كشفت أمازون ويب سيرفيسز في الرابع عشر من أبريل عام ألفين وستة وعشرين عن منصة ذكاء اصطناعي جديدة لتسريع اكتشاف الأدوية، تحمل اسم “أمازون بايو ديسكفري”.

ما الذي تقدمه المنصة؟ تستطيع واجهة المنصة باللغة الطبيعية أن تجعل الباحثين يستخدمون أوامر كتابية بسيطة مثل “صمم جسماً مضاداً لسرطان الرئة” لتصميم أدوية جديدة. كما تضم وكلاء ذكاء اصطناعي يرشدون العلماء خلال كل خطوة: من تصميم التجربة إلى اختيار النماذج المناسبة. وتوفر المنصة حلقة تجارب مغلقة، حيث يتم إرسال المرشحات الدوائية إلى مختبرات فعلية مثل “تويست بايو ساينس” (Twist Bioscience) لاختبارها، وتعود النتائج تلقائياً إلى المنصة لتحسين التصميم في الدورة التالية. وتحافظ المنصة على خصوصية كاملة، إذ يمكن للعلماء تدريب نماذج خاصة باستخدام بياناتهم التجريبية، ولا تُستخدم هذه البيانات لتدريب أنظمة مشتركة.

قصة نجاح حقيقية: مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان

يقول ناي-كونغ تشيونغ، رئيس طب الأورام في المركز: “المسار التقليدي كان غير فعّال للغاية. المرضى يأتون ومعهم ساعة. نحتاج إلى نتائج أسرع.”

استخدم الباحثون منصة “أمازون بايو ديسكفري” لتوليد حوالي ثلاثمائة ألف من الأجسام المضادة المحتملة. تم اختيار مائة ألف منها للاختبار المعملي. النتيجة كانت مذهلة: بينما كانت الطريقة التقليدية تستغرق عاماً كاملاً، استغرقت الطريقة الجديدة أسابيع قليلة فقط.

ينضم إلى هذه الثورة شركاء آخرون مثل باير (Bayer)، ومعهد برود (Broad Institute)، ومركز فريد هاتش للسرطان (Fred Hutch Cancer Center)، وشركة فوييجر ثيرابيوتيكس (Voyager Therapeutics).

تحليل هدهد: هذه ليست مجرد منصة جديدة؛ إنها إعادة تعريف لعملية البحث والتطوير الدوائي برمتها. عندما ينخفض وقت اكتشاف الدواء من سنة إلى أسابيع، فإن فرص إنقاذ الأرواح تتضاعف بشكل هائل.

ثانياً: تشخيص الأمراض.. دقة أعلى، تدخل مبكر

أبحاث رائدة من جامعة بكين

نشر فريق بحثي في جامعة بكين دراسة مهمة في أبريل عام ألفين وستة وعشرين حول تطبيق الذكاء الاصطناعي في تشخيص وعلاج سرطان المعدة.

الخلاصة هي أن الطب ينتقل من “التجربة والخبرة” إلى “الدقة والذكاء”. يتم دمج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات التحليل الجزيئي، والخزعة السائلة، والتصوير الشعاعي المتقدم. الهدف هو إنشاء نظام ذكي يغطي المريض من الفحص والتشخيص إلى اختيار العلاج والمتابعة.

تطور في أمراض الدم

وفقاً لمراجعة علمية شاملة نُشرت في أبريل عام ألفين وستة وعشرين في مجلة “حوليات أمراض الدم” (Annals of Hematology)، يمر تشخيص وعلاج سرطانات الدم بتحول جذري بفضل الذكاء الاصطناعي.

شهد التطور التاريخي عدة مراحل: من عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين إلى ألفين وأربعة عشر، كانت مرحلة التعلم الآلي التقليدي، حيث تم أول استخدام لرقاقات الحمض النووي والآلة لتمييز أنواع اللوكيميا. ثم من عام ألفين وخمسة عشر إلى ألفين وتسعة عشر، كانت مرحلة استكشاف التعلم العميق، باستخدام الشبكات العصبية لتحليل صور الدم وتصنيف الخلايا بدقة تقارب الخبراء البشريين. ومن عام ألفين وعشرين حتى الحاضر، دخلنا مرحلة البيانات متعددة الأنماط، بدمج البيانات الجينية والسريرية والتصويرية في نموذج واحد للتنبؤ بتطور المرض. ومن عام ألفين وأربعة وعشرين فصاعداً، بدأت مرحلة نماذج اللغة الكبيرة، باستخدام نماذج مثل “جي بي تي-4” (GPT-4) لدعم القرارات السريرية وتحليل النصوص الطبية غير المنظمة.

تحليل هدهد: هذا تطور ملحوظ خلال خمسة وعشرين عاماً فقط. المفتاح الآن هو دمج كل هذه الأدوات في نظام واحد متكامل وسهل الاستخدام للأطباء.

ثالثاً: المراقبة القلبية.. تقليل الإنذارات الكاذبة

هل تعلم أن الأجهزة القلبية القابلة للزرع ترسل العديد من الإنذارات التي لا تستدعي أي إجراء طبي؟ هذا يثقل كاهل الأطباء ويضيع وقتهم الثمين.

في مؤتمر جمعية نظم القلب الأوروبية لعام ألفين وستة وعشرين، قُدمت دراسات مهمة حول هذا الموضوع.

تم تحليل ألفين وستمائة وتسعة وخمسين حلقة قلبية من ألف وسبعمائة وعشرة مرضى بأجهزة من أربع شركات مختلفة: ميدترونيك (Medtronic)، بيوترونيك (Biotronik)، أبوت (Abbott)، وبوسطن ساينتيفيك (Boston Scientific). كشف التحليل أن الأجهزة المزودة بخوارزميات ذكاء اصطناعي سجلت نسبة إنذارات غير قابلة للتنفيذ بلغت اثنين وثلاثين فاصلة تسعة في المئة، بينما سجلت الأجهزة التقليدية نسبة خمسة وأربعين فاصلة أربعة في المئة.

طورت شركة “إمبليستي” (Implicity) خوارزمية سحابية تحلل إشارات القلب وفقاً للمعايير الطبية العالمية، لتكون بمثابة طبقة ذكاء اصطناعي إضافية. أظهرت النتائج حساسية في اكتشاف الحالات الحقيقية بلغت ثمانية وتسعين فاصلة ثلاثة في المئة، ونوعية في تصفية الإنذارات الكاذبة بلغت واحداً وستين فاصلة ستة في المئة، وقيمة تنبؤية إيجابية بلغت أربعة وسبعين في المئة تقريباً.

يقول أرنو روزييه، دكتوراه في الطب والرئيس التنفيذي لشركة إمبليستي: “المراقبة عن بُعد لن تنجح إلا إذا استطاع الأطباء الوثوق بالإنذارات التي يتلقونها.”

رابعاً: الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان من هونغ كونغ

في معرض هونغ كونغ الدولي للتكنولوجيا المبتكرة في أبريل عام ألفين وستة وعشرين، كشفت دائرة الصحة في هونغ كونغ عن مشروع طموح لنظام ذكاء اصطناعي لقراءة صور الأشعة السينية للأسنان.

يهدف المشروع إلى أتمتة إنشاء المخططات البيانية للأسنان من صور الأشعة. في الوضع الحالي، يستغرق إدخال البيانات عشر دقائق يدوياً لكل مريض. أما النموذج الأولي فقد حقق حساسية بلغت ستة وتسعين في المئة ودقة بلغت أربعة وتسعين في المئة على مستوى الأسنان الفردية. الخطوات القادمة تشمل التطوير الكامل للنظام وتطبيقه على جميع خدمات طب الأسنان الحكومية.

تحليل هدهد: هذه حالة نموذجية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تخفيف الأعباء الإدارية عن الأطباء، ليتفرغوا لما هو أهم: رعاية المرضى.

خامساً: د. أوز: الذكاء الاصطناعي يطور القوى العاملة، لا يهددها

في مؤتمر سيمافور للاقتصاد العالمي (Semafor World Economy) في واشنطن في الخامس عشر من أبريل عام ألفين وستة وعشرين، تحدث الدكتور محمد أوز، مدير مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية الأمريكية (Medicare و Medicaid)، عن رؤيته للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

رسالته الرئيسية كانت واضحة: “إذا تمكنا من تمكين الأمريكي العادي من الوصول إلى الرعاية التي يحتاجها، فسيتمكن من تحقيق مستوى أعلى من النجاح في حياته، بما في ذلك المشاركة في القوى العاملة.”

من التطبيقات التي يؤمن بها: استخدام الروبوتات لتقديم رعاية أفضل للحوامل في المناطق الريفية، مثل إجراء الموجات فوق الصوتية عن بُعد، واستخدام البرامج عن بُعد لمرضى الصحة النفسية الذين يفتقرون إلى إمكانية الوصول.

لكنه حذر أيضاً من المخاطر، قائلاً: “القلق الأكبر هو احتمال ألا يقوم الذكاء الاصطناعي بما هو الأفضل للمريض أثناء تقديم النصيحة – أن يتم التلاعب به، أو يضل طريقه، أو يهلوس.”

سادساً: كوزموس هيلث (Cosmos Health) تخفض التكاليف التشغيلية

أعلنت شركة “كوزموس هيلث” عن توقعها خفض نفقاتها التشغيلية بنسبة تصل إلى ثلاثين في المئة بفضل دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها. تشمل مجالات التطبيق تحسين سير العمل وأتمتة المهام المتكررة، وتحسين تجربة العملاء من خلال خدمات مخصصة وأسرع، وتحسين استراتيجيات المبيعات باستخدام تحليلات الذكاء الاصطناعي.

تحليل ختامي: ماذا يعني كل هذا؟

ما نراه اليوم هو بداية عصر جديد في الطب.

في مجال اكتشاف الأدوية، نشهد تحولاً من سنوات إلى أسابيع. في مجال التشخيص، ننتقل من الاعتماد على الخبرة البشرية إلى الدعم بالبيانات والأنماط. في مجال المراقبة، نتجاوز زيارات المستشفى إلى مراقبة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع عن بُعد. وفي مجال الإدارة، نتحول من الأعباء اليدوية إلى الأتمتة الذكية.

لكن لا تزال هناك تحديات متبقية، منها جودة البيانات وتوحيدها عبر المؤسسات المختلفة، وقابلية تفسير النماذج وما يعرف بـ”الصندوق الأسود”، والخصوصية والأمان للمعلومات الصحية الحساسة، والتحقق السريري من خلال تجارب مستقبلية متعددة المراكز.

خلاصة

الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة مستقبلية في الطب؛ إنه حاضر يعمل في المختبرات، والعيادات، وغرف العمليات، وحتى في جيوب المرضى عبر هواتفهم الذكية.