الذكاء الاصطناعي

من صناعة الأدب إلى الأدب الاصطناعي

🗓️ 9 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

تقرير خاص – “أخبار تك”

رحلة الشعر العربي من الارتجال إلى الخوارزميات

مر الشعر العربي بمراحل تحول كبرى على مدى قرون. بدأ بـ مرحلة الارتجال والسليقة، حيث كان الشاعر الجاهلي يرتجل القصيدة على البديهة في المحافل والأسواق. ثم تلاها مرحلة الصناعة، حيث أصبحت القصيدة تُبنى وفق قواعد وأوزان وأغراض محددة، وخضعت هذه المرحلة نفسها لأطوار متعددة من التطور. ثم جاءت مرحلة الزخرفة والمحسنات البديعية واللفظية في عصور الانحدار، حيث طغى الاهتمام بالصياغة على حساب المضمون.

واليوم، نقف على أعتاب مرحلة جديدة كلياً: مرحلة الأدب الاصطناعي. ليس على المستوى العربي فقط، بل على المستوى العالمي. الروايات التي تتصدر قوائم الأكثر مبيعاً لم تعد بالضرورة نتاج جهد بشري خالص، بل قد تكون من صنع خوارزميات ذكاء اصطناعي تدربت على ملايين النصوص لتقلد أسلوب الكتابة البشرية.

هل يمكن صياغة مصطلح “الأدب الاصطناعي”؟ السؤال لم يعد نظرياً. مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي ووكلائه، أصبح هذا المصطلح واقعاً يفرض نفسه على المشهد الأدبي العالمي.

ما هو “الأدب الاصطناعي”؟

“الأدب الاصطناعي” (Artificial Literature) هو مصطلح حديث يشير إلى الأعمال الأدبية (روايات، قصص، شعر، مسرحيات) التي يتم إنتاجها أو المشاركة في إنتاجها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي .

هذه الأنظمة لا تكتفي بإعادة ترتيب الكلمات، بل تتعلم من كميات هائلة من النصوص البشرية السابقة أنماط اللغة، التراكيب، الحبكات، وحتى الأساليب الأدبية لمختلف الكتاب. ثم تعيد إنتاج هذه الأنماط في صياغات جديدة تماماً .

الفرق الجوهري: بينما كان الكاتب البشري يحتاج سنوات من التجريب والخطأ ليصوغ روايته، يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج رواية كاملة في دقائق أو حتى ثوانٍ .

روايات في قائمة الأكثر مبيعاً.. من كتبها حقاً؟

في تطور أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية، كشفت تقارير متعددة عن وجود روايات حققت مبيعات ضخمة في منصات مثل أمازون، تبين لاحقاً أن مؤلفيها اعتمدوا بشكل مباشر على الذكاء الاصطناعي.

دراسة من جامعة نيوكاسل كشفت أن استخدام نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة (مثل ChatGPT o1) في كتابة الروايات يمكن أن يسرع عملية الإنتاج بمقدار 50 ضعفاً مقارنة بالطرق التقليدية . هذا يعني أن رواية كانت تحتاج عاماً كاملاً لكتابتها يمكن إنجازها في أسبوع واحد فقط.

الأرقام تتحدث:

  • شركة StoryOne النمساوية أعلنت عن أداة يمكنها إنجاز كتاب غير روائي خلال ساعة واحدة فقط، أي أسرع بـ 300 مرة من الطرق التقليدية .
  • منصة GlobeScribe البريطانية تقدم ترجمة أدبية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تنجز معظم الكتب خلال 24 ساعة مع الحفاظ على “صوت” المؤلف الأصلي .

رواية “LOH”، التي تدخلت في قوائم أمازون للأكثر مبيعاً في فئة الخيال العلمي الميتافيزيقي، كتبها مؤلف ومهندس تقني أمضى أربعة عقود في قطاع التكنولوجيا. الرواية تستكشف أسئلة حول الذكاء الاصطناعي والإيمان والسلطة . رغم أن المؤلف بشري، إلا أن الرواية تجسد المخاوف والطموحات المرتبطة بعصر الذكاء الاصطناعي.

معارك حقوق النشر في فرانكفورت

معرض فرانكفورت الدولي للكتاب 2025 شهد معركة ضروس بين الناشرين وشركات التكنولوجيا العملاقة. اتهامات وجهت لهذه الشركات بأنها تعاملت مع الكتب المنشورة كـ”منجم ذهب بيانات” لتدريب نماذجها اللغوية، دون استشارة المؤلفين أو دفع تعويضات.

الانتقادات:

  • كاثرين شميت-فريدريش، رئيسة اتحاد الناشرين الألمان: وصفت هذه الممارسات بأنها “أكبر عملية سرقة بيانات في التاريخ”، مشيرة إلى أن أصحاب المليارات يسيطرون على الخوارزميات التي تحدد ما يقرأه الناس .
  • فولفرام فايمر، وزير الثقافة الألماني: قال إن التنقيب عن البيانات “يستغل أفكار وإبداعات عدد لا يحصى من الناس”، ويحول الكتب إلى مجرد “مواد استهلاكية” .

الكاتب البشري بين الخوف والاستفادة

دراسة من جامعة باث شملت 225 طالباً جامعياً خلصت إلى نتائج مزدوجة:

  • استخدام ChatGPT يحسن إبداعية المخرجات ويقلل الجهد المطلوب للمهمة، خاصة لغير الناطقين بالإنجليزية كلغة أم.
  • لكنه في المقابل يقلل من متعة الإنجاز والشعور بالملكية الفكرية، ويثير مخاوف أخلاقية لدى المستخدمين .

تحذير تيد شانغ، كاتب الخيال العلمي المرموق، يذهب إلى جوهر المشكلة. في مقالته الشهيرة، يرى أن الفرق بين الكتابة البشرية والكتابة الآلية هو “عدد الخيارات” التي يتخذها الكاتب. رواية من 10 آلاف كلمة تعني حوالي 10 آلاف خيار واعٍ. بينما الذكاء الاصطناعي، الذي يتلقى بضع مئات من الكلمات كتعليمات، لا يتخذ خيارات بل يملأ الفراغات بمتوسطات مملة من نصوص الآخرين .

مستقبل المصطلح: هل ننحت “الأدب الاصطناعي”؟

السؤال الذي طرحته المقدمة: هل يمكن صياغة ونحت مصطلح “الأدب الاصطناعي”؟

الإجابة: ليس ممكناً فحسب، بل أصبح ضرورة ملحة. المصطلح بدأ يظهر في الأبحاث الأكاديمية والمقالات النقدية. الصين، على سبيل المثال، تناقش بجدية ما يسمى “الأدب المولد بالذكاء الاصطناعي” وعلاقته بالإنسانيات .

التحديات:

  • كيف نميز بين الأدب البشري الخالص والأدب المنتج آلياً؟ بعض الدول بدأت مبادرات مثل “الشهادة العضوية للأدب” (Organic Literature Certification) التي تمنحها شركة Books By People البريطانية للكتب التي يكتبها بشر فقط .
  • هل يمكن للآلة أن تنتج أدباً حقيقياً يحمل بصمة إنسانية؟ تيد شانغ يعتقد أن القيمة الأدبية الحقيقية تكمن في “الخيارات المتعددة” التي يتخذها الكاتب عبر آلاف الكلمات، وهي خيارات لا تستطيع الآلة محاكاتها .

بين صناعة الأدب وصناعة الآلة

ما يمر به الأدب العالمي اليوم يشبه ما مر به الشعر العربي عبر قرون: تحولات كبرى في مفهوم “الصناعة”. لكن الفرق أن التحولات السابقة كانت داخلية، نابعة من تطور الذائقة البشرية. أما التحول الحالي، فخارجي، تفرضه آلة تتعلم كيف تحاكي البشر.

الخلاصة: “الأدب الاصطناعي” لم يعد احتمالاً مستقبلياً، بل هو واقع يفرض نفسه. الروايات التي تتصدر القوائم قد تكون من صنع بشر أو من صنع خوارزميات. ومع تزايد صعوبة التمييز، تبرز أسئلة جوهرية: هل سنصل إلى يوم لا نستطيع فيه معرفة من كتب الرواية؟ وهل سيفقد الأدب قيمته إذا عرفنا أن مصدره آلة لا تشعر ولا تتألم؟

الطريق إلى الإجابة لا يزال طويلاً، لكن السير فيه قد بدأ بالفعل.


“أخبار تك”