الذكاء الاصطناعي
موسوعة بريتانيكا تقاضي شات جي بي تي”بدعوى السرقة العلمية”
فريق أخبار تك
معركة قانونية جديدة في وجه عمالقة الذكاء الاصطناعي
في أحدث فصول الصراع المحتدم بين ناشري المحتوى التقليديين وشركات الذكاء الاصطناعي، رفعت موسوعة بريتانيكا (Encyclopaedia Britannica) وشركتها التابعة ميريام وبستر (Merriam-Webster) دعوى قضائية ضد شركة أوبن إيه آي (OpenAI) أمام المحكمة الفيدرالية في مانهاتن، متهمة إياها بـ “الانتهاك الهائل لحقوق النشر” .
الدعوى، التي قدمت يوم الجمعة 13 مارس الجاري، تمثل أحدث وأهم التحديات القانونية التي تواجهها الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتسلط الضوء على السؤال الجوهري: من يملك الحق في الاستفادة من المعرفة البشرية المتراكمة على مدى قرون؟
اتهامات بـ”السرقة المنهجية” لـ100 ألف مقال
وفقاً للشكوى المكونة من 44 صفحة، والتي اطلعت عليها وكالة رويترز ومواقع قانونية متخصصة، فإن شركة أوبن إيه آي قامت بنسخ ما يقرب من 100 ألف مقال من مقالات بريتانيكا، بما في ذلك مدخلات الموسوعة وتعريفات القاموس، لاستخدامها في تدريب نماذجها اللغوية الكبيرة (LLMs) التي تشغل روبوت الدردشة الشهير تشات جي بي تي .
الدعوى تقدم أدلة على أن تشات جي بي تي ينتج مخرجات تحتوي على نسخ حرفية أو شبه حرفية من محتوى بريتانيكا وميريام وبستر. وتشمل الشكوى مقارنة جنباً إلى جنب بين مقال لبريتانيكا حول موضوع التعليم ومخرجات تشات جي بي تي التي طُلب منها تلخيص ذلك المقال، حيث تطابقت النتائج بشكل شبه كامل . بل إن الأكثر إثارة للسخرية، كما ورد في الدعوى، أن تشات جي بي تي أعاد إنتاج تعريف ميريام وبستر لكلمة “ينتحل” (Plagiarize) عندما طُلب منه تعريف الكلمة من القاموس .
“ركوب مجاني” على حساب المعرفة الموثوقة
تتهم الدعوى شركة أوبن إيه آي بأن منتجاتها القائمة على تشات جي بي تي “تركب مجاناً” (free ride) على محتوى بريتانيكا الموثوق وعالي الجودة، الذي أصبح متاحاً بفضل العمل الدؤوب لباحثين وكتّاب ومحررين بشريين على مدى أكثر من 250 عاماً .
الآلية التي تصفها الدعوى تتجاوز مجرد التدريب الأولي. فبالإضافة إلى ذلك، تستخدم أنظمة أوبن إيه آي تقنية “التوليد المعزز بالاسترجاع” (Retrieval-Augmented Generation – RAG) التي تسمح لتشات جي بي تي بمسح الويب بحثاً عن معلومات محدثة، وسحب المحتوى من بريتانيكا في الزمن الفعلي . والنتيجة النهائية هي ما تصفه الدعوى بـ “الاستيلاء” على الزوار، حيث يقدم الذكاء الاصطناعي ملخصات للمحتوى تغني المستخدم عن زيارة موقع بريتانيكا الأصلي، مما يحرم الموسوعة من عائدات الاشتراكات والإعلانات التي تمول إنتاج هذا المحتوى .
رفض الترخيص وانتهاك للعلامات التجارية
تكشف الدعوى أن بريتانيكا تواصلت مع أوبن إيه آي في نوفمبر 2024 لمناقشة فرص الترخيص المحتملة، لكن ممثلي أوبن إيه آي “رفضوا” هذه المحاولات ولم يسعوا بجدية للحصول على ترخيص، رغم دخولهم في صفقات مع ناشرين آخرين . بل إن الشركة استمرت في نسخ المحتوى دون تعويض، متجاهلة بنود شروط الاستخدام الخاصة ببريتانيكا التي تحظر صراحة استخدام تقنيات استخراج البيانات (Data Mining) أو التجريف (Scraping) لأغراض تطوير الذكاء الاصطناعي دون موافقة خطية .
الصندوق الأسود : الذكاء الاصطناعي في معارك الشرق الأوسط
إلى جانب انتهاك حقوق النشر، تتهم الدعوى أوبن إيه آي بانتهاك قانون العلامات التجارية (Lanham Act). ففي كثير من الأحيان، يقوم تشات جي بي تي بما يعرف بـ “الهلوسة” (Hallucinations)، أي توليد معلومات غير صحيحة وينسبها خطأ إلى بريتانيكا أو ميريام وبستر، مما يهدد سمعة هاتين المؤسستين العريقتين المرتكزة على الدقة والموثوقية .
رد أوبن إيه آي ونقاش “الاستخدام العادل”
في ردها على الدعوى، أكدت متحدثة باسم أوبن إيه آي التزام الشركة بموقفها القانوني الثابت: “نماذجنا تعزز الابتكار، وهي مدربة على بيانات متاحة للعموم وتستند إلى مبدأ الاستخدام العادل (fair use)” .
بريتانيكا ترفض هذا الدفاع جملة وتفصيلاً. وتجادل في الدعوى بأن استخدام أوبن إيه آي لمحتواها “ليس تحويلياً (transformative)” . فالعمل التحويلي، وفق التعريف القانوني، هو الذي يضيف شيئاً جديداً، وله غرض أو طابع مختلف، ويغير الأصل بتعبير أو معنى أو رسالة جديدة. لكن الدعوى تؤكد أن تشات جي بي تي ينسخ التعبير والمعنى والرسالة ذاتها ويعيد تعبئتها للمستهلك، دون إضافة أي تعبير أو معنى جديد .
سياق أوسع.. 91 دعوى قضائية ضد شركات الذكاء الاصطناعي
هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها بريتانيكا إلى القضاء. ففي سبتمبر الماضي، رفعت الشركة دعوى مماثلة ضد منصة البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي بيربلكسيتي إيه آي (Perplexity AI)، ولا تزال تلك القضية منظورة أمام المحاكم . كما أن بريتانيكا ليست وحدها في ميدان المعركة. تشير التقديرات إلى أن إجمالي عدد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة بتهمة انتهاك حقوق النشر وصل إلى 91 دعوى .
من أبرزها، الدعوى المرفوعة من صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) ضد أوبن إيه آي ومايكروسوفت، والتي لا تزال معلقة دون حكم متوقع قبل الصيف . كما رفع مؤلفون مثل جون غريشام وجورج مارتن دعاوى مماثلة. في المقابل، اختار ناشرون آخرون طريقاً مختلفاً، مثل نيوز كورب (News Corp) التي وقعت صفقة ترخيص مع شركة ميتا (Meta) تصل قيمتها إلى 50 مليون دولار سنوياً .
تداعيات على مستقبل الذكاء الاصطناعي والمعرفة
ما تطالب به بريتانيكا في دعواها هو تعويضات مالية غير محددة وأمر قضائي دائم يمنع أوبن إيه آي من الاستمرار في الممارسات المخالفة . لكن النتيجة الأهم ستكون حاسمة لصناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها. إذا حكمت المحاكم بأن تدريب النماذج على محتوى محمي بحقوق النشر لا يندرج تحت “الاستخدام العادل”، فقد تضطر شركات مثل أوبن إيه آي إلى التفاوض على تراخيص مع مئات الآلاف من أصحاب الحقوق، وهي عملية قد تكون مستحيلة عملياً.
كما أن الدعوى تطرح سؤالاً وجودياً على المجتمع ككل: هل يمكن للأنظمة التي تبني معرفتها على تراكم فكري بشري دام قروناً أن تقدم تلك المعرفة مجدداً دون نسب أو تعويض؟ وهل سيؤدي “التهام” حركة المرور وحرمان المؤسسات العريقة من عائداتها إلى تقويض قدرتها على الاستمرار في إنتاج محتوى موثوق وعالي الجودة للأجيال القادمة؟ .
الخلاصة: المعركة بين بريتانيكا وأوبن إيه آي تتجاوز مجرد نزاع قانوني عادي. إنها معركة حول مستقبل المعرفة نفسها. من يملكها؟ من يحميها؟ ومن يحق له الاستفادة منها؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد شكل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والموروث الفكري للبشرية في العقود القادمة.
حاسوب ديل الجديد : شريحة مدمجة لتشغيل الذكاء الاصطناعي محلياً
تقترح أخبار تك على الموسوعات العربية مثل موضوع وموسوعة الجزيرة والمعرفة والمكتبة الشاملة وغيرها من الموسوعات المعرفية العربية القيام برفع دعاوي قضائية ضد شركات الذكاء الاصطناعي بسبب السرقات الأدبية والعلمية لجهود هذه المؤسسات دون ترخيص . كما تقترح أخبار تك استطلاع الرأي القانوني لدى محامون عرب متمرسون في مثل هذه القضايا أولا.