تكنولوجيا
هل الذكاء الاصطناعي سيخلق تخمة برمجية؟
بقلم ماجد الشعيبي – رئيس التحرير
مقدمة: عندما يصبح كل شخص “مبرمجاً” بلغته اليومية
تخيل أنك تريد إنشاء موقع إلكتروني لشركتك الناشئة. لا تبحث عن مطورين، ولا تتفاوض على عقود، ولا تنتظر أسابيع للتسليم. فقط تفتح تطبيق المحادثة الذكي لديك، وتكتب: “أنشئ لي موقعاً إلكترونياً لشركة تسويق، بلون أزرق داكن، مع صفحة رئيسية تعرض خدماتنا، وصفحة اتصال، وصفحة عن الشركة. اجعله متوافقاً مع الهواتف، وسريع التحميل”. في دقائق، ينفذ الوكيل الذكي طلبك. ثم تطلب من وكيل آخر: “راجع الأكواد البرمجية لهذا الموقع وتأكد من عدم وجود ثغرات أمنية”. ثم تطلب من ثالث: “طور الموقع بإضافة متجر إلكتروني يتكامل مع نظام الدفع المحلي”. وهكذا.
هذا السيناريو لم يعد خيالاً علمياً. إنه واقع بدأ يتشكل اليوم، مع تطور ما يسمى “البرمجة بالإحساس” (Vibe Coding)، وهي القدرة على برمجة التطبيقات والمواقع باستخدام اللغة الطبيعية، دون كتابة سطر واحد من الأكواد التقليدية . النماذج اللغوية الكبيرة أصبحت قادرة ليس فقط على فهم ما نريد، بل على تنفيذه، ومراجعته، وتطويره، بمساعدة وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين .
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يؤدي هذا إلى “تخمة” في عالم البرمجيات؟ وهل سنصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي الكامل، حيث تختفي شركات البرمجة التقليدية، وتصبح صناعة البرمجيات مجرد “أمر” يصدره أي فرد أو مؤسسة أو حكومة لوكيل ذكي؟
البرمجة بالإحساس.. ثورة أم نهاية؟
ما الذي تغير فعلاً؟
حتى وقت قريب، كانت البرمجة حكراً على نخبة من المتخصصين الذين يقضون سنوات في تعلم لغات البرمجة، وفهم هياكل البيانات، وإتقان الخوارزميات. اليوم، تغيرت المعادلة. أدوات مثل كلود كود (Claude Code) من أنثروبيك، وكوبيلوت ووركر (Copilot Worker) من مايكروسوفت، وديب سيك كودر (DeepSeek Coder) من الصين، تسمح لأي شخص لديه فكرة واضحة بتحويلها إلى برنامج يعمل.
هذه الأدوات لا تكتفي بكتابة الأكواد، بل تستطيع:
- تصميم الواجهات (UI/UX) بناءً على وصف نصي
- بناء قواعد البيانات (Databases) وتوصيلها بالواجهات
- اختبار الأكواد (Testing) واكتشاف الثغرات
- نشر التطبيقات (Deployment) على الخوادم
- تحديثها وتطويرها بشكل مستمر
النتيجة: أصبح بإمكان فرد واحد، بمساعدة وكلاء ذكاء اصطناعي، القيام بعمل كان يتطلب في السابق فريقاً كاملاً من المطورين والمصممين ومهندسي البيانات وخبراء الأمن.
سيناريو “الاكتفاء الذاتي” – كيف تختفي شركات البرمجة؟
كرة الثلج التي تبتلع كل شيء
دعنا نتخيل سيناريو متدرجاً:
المرحلة الأولى (اليوم): الشركات الناشئة تبدأ في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي لبناء نماذجها الأولية. شركات البرمجة لا تزال موجودة، لكن عقودها تصبح أقل ربحية، وتقتصر على المهام المعقدة التي تتطلب فهماً عميقاً للسياق.
المرحلة الثانية (1-2 سنة): الحكومات والمؤسسات الكبرى تبدأ في بناء “أقسام برمجة داخلية” تعتمد بالكامل على وكلاء الذكاء الاصطناعي. لم تعد هناك حاجة للاستعانة بشركات خارجية لتطوير الأنظمة الداخلية. الفريق التقني يتقلص من مئات المطورين إلى عشرات “المشرفين” الذين يوجهون الوكلاء ويراجعون عملهم.
المرحلة الثالثة (3-5 سنوات): الأفراد يصبحون قادرين على بناء تطبيقاتهم الخاصة. صاحب المقهى يبني تطبيقاً للطلبات، المعلم يبني منصة تعليمية لطلابه، الجمعية الخيرية تبني نظاماً لإدارة التبرعات. شركات البرمجة التقليدية تجد نفسها بلا عملاء، وتختفي تدريجياً.
المرحلة الرابعة (5-10 سنوات): حتى الشركات البرمجية الكبرى التي تطور أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها تبدأ في الاعتماد على وكلائها الداخليين لتطوير نفسها. مايكروسوفت تطلب من كوبيلوت أن يطور الجيل القادم من كوبيلوت. أوبن إيه آي تطلب من تشات جي بي تي أن يحسن تشات جي بي تي. وهكذا.
هذا هو سيناريو “كرة الثلج” الذي يراه كثير من الخبراء. كما قال دارينيو أمودي (Dario Amodei)، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك: “نحن نقترب من نقطة حيث معظم الأكواد التي تستخدمها أنثروبيك ستكون مكتوبة بواسطة كلود نفسه. وهذا سيتسارع مع الوقت” .
لكن.. هل هذا منطقي اقتصادياً؟
لماذا تختفي شركات البرمجة؟ لأن الطلب سيتغير
لنفهم لماذا قد تختفي شركات البرمجة، يجب أن نفهم ما تبيعه شركات البرمجة في الأساس. هي لا تبيع “أكواداً”، بل تبيع “قدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات برمجية”. إذا أصبحت هذه القدرة متاحة للجميع عبر وكلاء ذكاء اصطناعي، فإن نموذج العمل التقليدي ينهار.
صاحب الشركة الناشئة الذي كان يدفع 50 ألف دولار لشركة برمجة لبناء تطبيقه، سيدفع 500 دولار شهرياً لاشتراك في منصة ذكاء اصطناعي، ويحصل على نفس النتيجة (إن لم تكن أفضل). هذا ليس تهديداً نظرياً؛ إنه واقع يحدث الآن.
تقرير حديث من شركة جارتنر (Gartner) يتوقع أن ينخفض الطلب على خدمات تطوير البرمجيات التقليدية بنسبة 65% بحلول 2030، مع تحول الإنفاق من “البرمجيات المخصصة” إلى “منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي” . هذا يعني أن كعكة السوق ستتقلص، وليس فقط إعادة توزيعها.
ماذا سيحدث للمبرمجين البشريين؟
الوظائف ستتحول، لا تختفي (بالكامل)
هذا لا يعني أن المبرمجين سينتهون تماماً. لكن دورهم سيتغير جذرياً. سيتحولون من “بنّائين” إلى “مهندسين معماريين” و“مشرفين”. المهارات المطلوبة لن تكون معرفة لغة برمجة محددة، بل القدرة على:
- تصميم أنظمة معقدة تدمج بين عدة وكلاء ذكاء اصطناعي
- مراجعة الأكواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي واكتشاف الأخطاء المنطقية العميقة
- التفاعل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي بلغة طبيعية دقيقة
- فهم الاحتياجات الحقيقية للمستخدمين وترجمتها إلى أوامر ذكية
كينت بيك (Kent Beck)، مبتكر “البرمجة المتطرفة” (Extreme Programming)، قال في تغريدة شهيرة: “90% من المهارات الحرفية ستنخفض قيمتها إلى الصفر. لكن 10% المتبقية – وهي الحكم على ما يستحق البناء، ومعرفة متى تكون النتائج جيدة، وفهم كيفية تعاون الأنظمة – سترتفع قيمتها 1000 ضعف” .

ماذا عن الحكومات والشركات الكبرى؟
الاكتفاء الذاتي “السيادي” للبرمجيات
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة هو ما سيحدث على مستوى الدول والحكومات. إذا أصبحت البرمجة “لغة طبيعية”، فإن أي دولة تمتلك بنية تحتية رقمية ومواهب تقنية أساسية يمكنها بناء أنظمتها السيادية بنفسها، دون الاعتماد على شركات أجنبية.
هذا يفتح الباب أمام “الاكتفاء الذاتي البرمجي” (Software Sovereignty). دول مثل السعودية والإمارات، التي تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي، قد تصبح قادرة على بناء وتطوير أنظمتها الحكومية والمالية والتعليمية بشكل مستقل، دون الحاجة إلى عقود ضخمة مع شركات غربية. هذا ليس مجرد توفير في التكاليف، بل هو أمن قومي.
خلاصة: نهاية صناعة أم بداية عصر جديد؟
ما نشهده اليوم ليس نهاية البرمجيات، بل نهاية نموذج صناعة البرمجيات كما عرفناه. شركات البرمجة التقليدية التي بنت إمبراطورياتها على بيع “الساعات البرمجية” (Developer Hours) ستواجه مستقبلاً صعباً. لكن الفرص ستكون هائلة لمن يتكيف مع العصر الجديد: الشركات التي تطور أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها، والمنصات التي تمكن الأفراد من بناء برامجهم، والخبراء الذين يفهمون كيف تصمم أنظمة معقدة باستخدام وكلاء ذكاء اصطناعي.
كما قال أحد المعلقين: “لا يقتصر الأمر على أن الذكاء الاصطناعي سيكتب الأكواد. الأمر يتعلق بأنه سيعيد تعريف ما يعنيه أن تكون مبرمجاً” .
بالنسبة لصاحب الشركة الناشئة في مثالنا، هذا يعني أنه سيحصل على موقعه بسرعة وتكلفة أقل. بالنسبة للمبرمج، هذا يعني أنه سيحتاج إلى تطوير مهارات ذاتية جديدة.
وقد لاحظنا في المنطقة العربية عروضا مغرية جدا من شركات تصميم المواقع الالكترونية حيث صار برمجة وتصميم موقع من نقطة الصفر حتى النهاية بأثمان رخيصة للغاية بينما كانت هذه الاسعار قبل عصر الذكاء الاصطناعي في العالي …
هذا يعني ان صناعة البرمجيات، إما أن تتغير أو تختفي.
كرة الثلج بدأت بالتدحرج . السؤال ليس ما إذا كانت ستنمو، لأن هذا حتمي بل أين ستقف ؟





