الذكاء الاصطناعي
هل يجلس الذكاء الاصطناعي على كرسي المدير قريباً؟
من إدارة الأعمال إلى إدارة الخوارزميات
في قاعة اجتماعات فاخرة بأحد أبراج الأعمال في نيويورك، يجتمع مجلس إدارة إحدى كبرى الشركات التكنولوجية. على الطاولة، يجلس مديرون تنفيذيون بخبرات تمتد لعقود. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل سيجلس إلى جوارهم قريباً “مدير بلا عاطفة”؟ كيان رقمي لا ينام، لا يتعب، ولا يتأثر بالمشاعر، لكنه قادر على تحليل تريليونات نقاط البيانات في ثوانٍ؟
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تشغيلية في أقبية تكنولوجيا المعلومات. لقد تسلَّم بطاقة دخوله إلى غرفة المجلس، وأصبح محور نقاشات الحوكمة والاستراتيجية في أكبر الشركات العالمية . ولكن هل يمكن أن يتحول من “موضوع نقاش” إلى “عضو مجلس”؟ وهل المديرون التقليديون مهددون بالاستبدال؟ الأرقام والتقارير الأخيرة ترسم صورة معقدة ومثيرة للاهتمام.
الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة الاجتماعات.. “يبصبص” فقط
26% من مجالس الإدارات تناقش الذكاء الاصطناعي بانتظام
قبل أن نتحدث عن مشاركة الذكاء الاصطناعي في إدارة الشركات، يجب أن نعترف أولاً بأن معظم المجالس لا تزال في مرحلة مبكرة من فهم هذه التكنولوجيا. وفقاً لمسح عالمي جديد أجرته شركة “بروتيفيتي” (Protiviti) بالتعاون مع “بوردبروسبكتس” (BoardProspects)، وشمل 772 عضو مجلس ومديراً تنفيذياً حول العالم، فإن 26% فقط من مجالس الإدارة تناقش الذكاء الاصطناعي في كل اجتماع تعقده .
الأكثر إثارة للدهشة هو الفجوة بين الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي بجدية وتلك التي تتخلف عن الركب. في 63% من المؤسسات التي أبلغت عن عائد استثماري مرتفع من الذكاء الاصطناعي، كان النقاش حول الذكاء الاصطناعي مدرجاً في كل اجتماع لمجلس الإدارة. بالمقابل، في المؤسسات ذات العائد المنخفض، بلغت النسبة 13% فقط .
جو تارانتينو، الرئيس التنفيذي لشركة بروتيفيتي، يعلق على هذه النتائج: “الذكاء الاصطناعي يغير بشكل جوهري طريقة تنافس المؤسسات وخلقها للقيمة. المجالس التي تتحدى الإدارة باستمرار بشأن الاستراتيجية والمخاطر والقياس والحوكمة، هي الأفضل تجهيزاً لضمان تحقيق الذكاء الاصطناعي لقيمته مع العمل ضمن الضوابط المناسبة” .
أطلاسيان تستغني عن 1600 وظيفة لصالح الذكاء الاصطناعي
فجوة المعرفة.. 79% من أعضاء المجالس ليسوا مستعدين
المشكلة الأكبر لا تكمن في إرادة المجالس، بل في قدرتها على فهم ما يجري. تقرير من معهد ديلويت للذكاء الاصطناعي (Deloitte AI Institute) يكشف عن رقم صادم: 79% من أعضاء مجالس الإدارة يقرون بأن معرفتهم بالذكاء الاصطناعي محدودة أو منعدمة .
شيمين بولين (Cheemin Bo-Linn)، عضوة مجلس إدارة في شركة “كور ويرلس” (KORE Wireless) ومستشارة في “باين كابيتال فينتشرز”، تصف هذه المرحلة بأنها “فجوة الانتباه والمعرفة”. وتقول: “يعتقدون جميعاً أن الذكاء الاصطناعي مهم، لكن الكثيرين منهم متخلفون في التعليم، وحتى إذا كانوا محدثين في التعليم، فهم متخلفون في فهم ما يجعل تطبيق الذكاء الاصطناعي ناجحاً. وبالتالي، يصبح من الصعب عليهم طرح الأسئلة الصحيحة” .
حل بسيط: الاستخدام الشخصي
كيف يمكن لمدير في الستينيات من عمره، قضى معظم حياته المهنية دون استخدام الذكاء الاصطناعي، أن يلحق بالركب؟ الخبراء يقترحون حلاً بسيطاً لكنه عملي: الاستخدام الشخصي.
هيرمان بولز (Herman Bulls)، نائب رئيس “يو إس إيه إيه” (USAA) ورئيس مجلس إدارة “فلونس إنرجي” (Fluence Energy)، ينصح زملاءه بأن يبدأوا بأمور بسيطة: “استخدم تشات جي بي تي لكتابة رسالة إلى ابنك أو والدتك لتشعر بقوته”. ثم يضيف تحذيراً مهماً: “لا أريد أي شخص في الشركة يستخدم نسخة مفتوحة المصدر من GPT لفعل أي شيء يتعلق بمعلومات الملكية” .
فلورين روثار (Florin Rotar)، كبير مسؤولي التكنولوجيا في مجموعة “أتوس” (Atos)، يؤكد أهمية الفرق بين النسخ المجانية والمدفوعة: “الفرق بين التحدث مع طالب في المتوسطة والتحدث مع شخص يحمل أربع درجات دكتوراه” .
هل يجلس الذكاء الاصطناعي على كرسي المدير؟
وهم الاستبدال أم أداة التعزيز؟
السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المديرين البشريين؟ الأبحاث تشير إلى عكس ذلك تماماً. دراسة من كلية إنسياد لإدارة الأعمال (INSEAD) تؤكد أن المخاوف من استبدال البشر بالروبوتات في مجالس الإدارة غير مبررة إلى حد كبير. بل على العكس، سيمكن الذكاء الاصطناعي المديرين البشريين من الرؤية بشكل أفضل وأبعد وأسرع .
ستانيسلاف شيكشينيا وأندرو جيه هوفمان، الباحثان في إنسياد، يحددان خمسة تحديات رئيسية تواجه المجالس يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة فيها :
- المعلومات: الذكاء الاصطناعي يمكنه تجميع التقارير التنظيمية والأرقام المالية وملاحظات الموظفين، مما يمنح المجالس وقتاً أطول لاتخاذ القرارات والتفكير الاستراتيجي.
- الوقت: يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المديرين على التحضير للاجتماعات بشكل أسرع، وتذكر النقاشات السابقة، وصياغة الأسئلة المناسبة للإدارة التنفيذية.
- العمل: توفير توقعات دقيقة وتحليلات سيناريوهات وتقييمات مخاطر، مما يمكن المجالس من التصرف بسرعة وبصيرة أكبر.
- العاطفة: يمكن للذكاء الاصطناعي مراقبة الاجتماعات ورصد علامات عدم الالتزام أو التوتر أو التعب، مما يسمح بالتدخل المبكر. كما يمكنه تحليل بيانات السلوك والتواصل للتأكد من أن أعضاء المجلس لا يزالون مناسبين لأدوارهم.
- الروح: وهو التحدي الوحيد الذي لا يمكن للذكاء الاصطناعي التدخل فيه مباشرة، لكنه يمكن أن يساعد في تهيئة الظروف المناسبة لتقويتها.
التعامل مع “الوكيل الذكي” في غرفة المجلس
مع ظهور ما يعرف بـ “الذكاء الاصطناعي الوكيلي” (Agentic AI)، تزداد الحاجة إلى حوكمة صارمة. هيئة الأوراق المالية والاستثمارات الأسترالية (ASIC) أدرجت هذا النوع من الذكاء الاصطناعي ضمن مخاطرها لعام 2026، مشيرة إلى أن “قدرته على التخطيط والتنفيذ بشكل مستقل” تشكل تحدياً جديداً للرقابة .
إيوا زبوروفسكا، مديرة الأبحاث في شركة آي دي سي (IDC)، تحدد دوراً جديداً لمديري التكنولوجيا: “أحد أهم الأدوار على جانب مديري التكنولوجيا سيكون التأكد من أنك تساعد المؤسسة في تحديد أين يكون تقديم الوكلاء والذكاء الوكيلي منطقياً، وأين لا تزال الأساليب التقليدية كافية. اعتبار آخر رئيسي هو النظر إلى الوكلاء من منظور كيفية إدارتهم للحفاظ على السيطرة والأمان ومنع انتشارهم العشوائي” .
شركة كيفن مانديا تواجه هجمات الذكاء الاصطناعي بوكيل اصطناعي
الحوكمة في عصر ما بعد التجريب
من التجريب إلى التوسع
عام 2026 يمثل نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. تقرير “لينوفو” (Lenovo) بالتعاون مع آي دي سي يشير إلى أن المؤسسات تنتقل من مرحلة التجريب المحدود إلى النشر على نطاق المؤسسة بالكامل .
ألبرتو سبينيلي، المدير التسويقي الأوروبي في لينوفو، يوضح: “الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد طموح مستقبلي، بل أصبح قوة محددة في كيفية عمل المؤسسات وتنافسها ونموها. السباق بدأ، لكن الأمر لا يتعلق فقط بمن يتبنى الذكاء الاصطناعي بأسرع ما يمكن، بل بمن يوسع نطاقه بأمان ومسؤولية وتأثير تجاري واضح” .
هلوسات الذكاء الاصطناعي ومخاطر السمعة
أحد المخاطر الجديدة التي تواجه المجالس هي “الهلوسة” (Hallucinations) التي يعاني منها الذكاء الاصطناعي التوليدي. في بعض الأحيان، يولد النظام معلومات غير صحيحة وينسبها إلى مصادر موثوقة، مما يهدد سمعة المؤسسات العريقة.
في الدعوى القضائية الأخيرة التي رفعتها موسوعة بريتانيكا (Encyclopaedia Britannica) ضد شركة أوبن إيه آي (OpenAI)، تم تسليط الضوء على هذه المشكلة. الدعوى تشير إلى أن تشات جي بي تي يعاني من “الهلوسة” ويقدم معلومات غير دقيقة وينسبها إلى بريتانيكا، مما يهدد سمعتها التي بُنيت على مدى 250 عاماً [citation:من التحقيقات السابقة].
المهارات الجديدة التي يحتاجها مديرو التكنولوجيا
من مدير تقني إلى “راوي الذكاء الاستراتيجي”
التحول في دور مديري التكنولوجيا (CIO) هو الأكثر دراماتيكية. هم لم يعودوا مجرد مسؤولين عن تشغيل الأنظمة، بل أصبحوا “الرواة الرئيسيين للذكاء” داخل المؤسسة. تقرير من موقع CIO يحدد مطالب المجالس الجديدة من مديري التكنولوجيا في 2026 :
- الرؤية: تقديم صورة كاملة عن البصمة الذكية للمؤسسة: أين يعمل الذكاء الاصطناعي، وما الغرض منه، وكيف يتصرف، وأين يتقاطع مع القرارات الرئيسية.
- ترجمة المخاطر: شرح المخاطر المعرفية (Cognitive Risks) بطريقة يمكن للمجالس فهمها وإدارتها. كيف يمكن للنماذج أن تتحرف (Drift)؟ كيف يمكن أن تتسبب تغييرات في المدخلات بانهيارات متسلسلة؟
- قياس الثقة: الإجابة على السؤال الأصعب: “هل يمكننا الوثوق بذكائنا الاصطناعي؟” الثقة هنا تعني القابلية للتفسير، العدالة، المرونة، وقابلية التدقيق.
- السرد الاقتصادي: شرح كيف يغير الذكاء الاصطناعي اقتصاديات المؤسسة، من سرعة اتخاذ القرار إلى تكلفة رأس المال.
حوكمة مكتوبة وليست شفهية
هيرمان بولز يؤكد على ضرورة وجود سياسة مكتوبة: “العلم الأحمر بالنسبة لي سيكون إذا لم تكن هناك حوكمة مكتوبة. يجب أن تكون هناك سياسة مكتوبة لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي” .
الأدوات الجديدة في يد المديرين
الذكاء الاصطناعي يختصر 100 صفحة في دقائق
التطبيقات العملية بدأت تظهر بالفعل. بولز يروي تجربته مع الذكاء الاصطناعي: “قمت مؤخراً بتكثيف مجموعة ضخمة من ملاحظات تقييم الرئيس التنفيذي، ووضعت ملاحظاتي في نموذج GPT شخصي آمن. وصلت المسودة إلى حوالي 80% من الجودة المطلوبة. الـ 20% المتبقية كانت في مراجعة كل كلمة ومقارنتها بحكمي الشخصي. ما كان سيستغرق يومين، استطعت إنجازه في نصف يوم” .
فلورين روثار يشير إلى أن المواد المقدمة للمجالس تتطور في الزمن الفعلي. بدلاً من الملفات المطبوعة المكونة من 100 صفحة، تستخدم المجالس المتقدمة الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الحالات الشاذة والموضوعات الرئيسية والقيم المتطرفة .
بنك “جي بي مورغان تشيس” (JPMorgan Chase) أعلن في يناير 2026 أن قسم إدارة الأصول التابع له سيقطع علاقاته مع المستشارين الخارجيين للتصويت، معتمداً بدلاً من ذلك على أداة داخلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في إدارة التصويت وتحليل وكلاء الشركات والإفصاحات .
من ينظم؟ المبادرات التشريعية في 2026
كاليفورنيا تقترح قانوناً جديداً
مع تسارع التطورات، بدأت الأنظمة القانونية بالتحرك. في ولاية كاليفورنيا، تم اقتراح مبادرة لإنشاء “لجنة رقابة على شركات الذكاء الاصطناعي ذات المنفعة العامة” (California Public Benefit AI Accountability Commission). اللجنة المقترحة، المؤلفة من سبعة أعضاء، ستكون مسؤولة عن تقييم واعتماد خطط المنفعة العامة للشركات الكبرى، والإشراف على ممارسات الحوكمة، وإجراء عمليات التدقيق والتحقيقات، وفرض غرامات قد تصل إلى 10 ملايين دولار على المديرين التنفيذيين المخالفين .
الذكاء الاصطناعي يدوزن قصائد شاعرية
هيئات التنظيم المالي تدخل على الخط
هيئة تنظيم الصناعة المالية الأميركية (FINRA) أصدرت في تقريرها لعام 2026 إرشادات واضحة حول 14 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي، مع إشارة خاصة إلى الذكاء الوكيلي والحاجة الماسة للحوكمة والضوابط حول هذه التكنولوجيا الجديدة .
هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) أكدت في أولوياتها لعام 2026 أنها “ستقيِّم ما إذا كانت الشركات قد نفذت سياسات وإجراءات كافية لمراقبة و/أو الإشراف على استخدامها لتقنيات الذكاء الاصطناعي” .
خلاصة: لا استبدال بل شراكة
ما تكشفه هذه التقارير هو أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل المديرين البشريين في مجالس الإدارة. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو شراكة تكاملية: الذكاء الاصطناعي يتولى معالجة المعلومات، واكتشاف الأنماط، وتحليل السيناريوهات، بينما يتفرغ البشر للحكم والحدس والقيم الأخلاقية والمساءلة النهائية.
كما يلخص هيرمان بولز: “الآلة رائعة في التعرف على الأنماط، وفي المسودات الأولى والمهام المتكررة. لكن الاختبار الحقيقي للمجالس سيكون ما إذا كان المديرون يستخدمونها لشحذ حكمهم، لا للاستعاضة عنه”. بعبارة أخرى: استخدم الآلة لتقوم بما تجيده، ثم تأكد من أن “الكبار ما زالوا في الغرفة” .
السؤال لم يعد “هل سيدخل الذكاء الاصطناعي مجلس الإدارة؟”. السؤال الحقيقي في 2026 هو: “هل مديرونا مستعدون للعمل مع شريك لا ينام؟”.