مقال تك
هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى “طمس” الوعي البشري وتوحيد طرق التفكير؟
فريق اخبار تك
في عالم يزداد اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال وجودي جديد:
هل نحن بصدد فقدان التفكير بطرق مختلفة ومتعددة؟ والإبداع بأساليب فريدة، والتعبير عن الذات بصوت خاص ؟.
مئات الملايين من البشر حول العالم يستخدمون يومياً العدد المحدد نفسه من روبوتات الدردشة لكتابة رسائل البريد الإلكتروني، وصياغة التقارير، وتبادل الأفكار، وحتى تحسين نصوصهم الأدبية.
كشفت دراسة جديدة نُشرت في 11 مارس الجاري في مجلة “تريندز إن كوجنيتيف ساينسز” (Trends in Cognitive Sciences) أن هذه الممارسة قد تؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة: طمس التنوع ليس فقط في التعبير، بل في الفكر ذاته .
الدراسة: إنذار من جامعة جنوب كاليفورنيا
الباحثون – مورتيزا دهقاني (Morteza Dehghani)، أستاذ علم النفس وعلوم الحاسوب في جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، وزهيفار سوراتي (Zhivar Sourati)، طالبة الدكتوراه، وعلي رضا زياباري (Alireza Ziabari) – جمعوا في دراستهم نتائج من مجالات اللغويات وعلم النفس والعلوم المعرفية وعلوم الحاسوب. وخلصوا إلى أن الاستخدام الواسع لنماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة (LLMs) يشكل تهديداً حقيقياً للتنوع المعرفي البشري .
هل يجلس الذكاء الاصطناعي على كرسي المدير قريباً؟
تقول سوراتي: “الأفراد يختلفون في طريقة كتابتهم، واستدلالهم، ورؤيتهم للعالم. عندما تتم معالجة هذه الاختلافات بواسطة نفس النماذج اللغوية الكبيرة، فإن أسلوبهم اللغوي المميز ومنظورهم واستراتيجياتهم الاستدلالية تصبح متجانسة، مما ينتج تعبيرات وأفكاراً موحدة عبر كل المستخدمين” .
بعبارة أخرى، عندما تطلب من الذكاء الاصطناعي “تحسين” كتابتك، فإنه لا يقوم فقط بتصحيح القواعد النحوية. بل هو يعيد توجيه كلماتك، بل وأفكارك، نحو نمط واحد مهيمن .
“ماكدونالدزة” الفكر: عندما تصبح الكفاءة معياراً وحيداً
يشرح الباحثون هذه الظاهرة من خلال استعارة نظرية عالم الاجتماع جورج ريتزر (George Ritzer) عن “ماكدونالدزة” (McDonaldization) المجتمع. هذه النظرية تصف كيف بدأت مبادئ مطاعم الوجبات السريعة (الكفاءة، وقابلية الحساب، وإمكانية التنبؤ، والتحكم) في السيطرة على المجتمع ككل . الباحثون يحذرون من أن التنوع السياقي والتعقيد الثقافي يتم قمعهما مع ترسخ هذه الهياكل التي تركز على الكفاءة في تصميم الخوارزميات أيضاً.
النتيجة هي أن النماذج اللغوية الكبيرة تفضل أساليب الاستدلال الخطي والميكانيكي، مثل أسلوب “سلسلة الأفكار” (chain-of-thought) الذي يطور المنطق خطوة بخطوة. ونتيجة لذلك، فإن الحدس البشري الفريد وطرق التفكير المجردة تفقد مكانتها تدريجياً .
هيمنة الغرب: عندما تصبح بيانات التدريب إشكالية
أحد الأسباب الجذرية لهذه المشكلة يكمن في بيانات التدريب نفسها. لأن النماذج اللغوية الكبيرة تُدرَّب على التقاط وإعادة إنتاج الأنماط الإحصائية السائدة في بيانات التدريب، والتي غالباً ما تمثل بشكل مفرط اللغات المهيمنة (خاصة الإنجليزية) والأيديولوجيات الغربية .
توضح سوراتي: “مخرجات هذه النماذج غالباً ما تعكس شريحة ضيقة ومنحازة من التجربة الإنسانية. ليست المشكلة فقط أن النماذج اللغوية الكبيرة تشكل كيفية كتابة الناس أو تحدثهم، بل إنها تعيد تعريف ما يعتبر خطاباً موثوقاً، أو منظوراً صحيحاً، أو حتى استدلالاً جيداً” .
ببساطة، وجهات نظر المتعلمين ذوي الدخل المرتفع والتوجهات الليبرالية من المجتمعات الغربية أصبحت هي المعيار الذي تُقاس به بقية الكتابات والأفكار، بغض النظر عما إذا كان المستخدم ينتمي إلى هذا النمط أم لا .
الدراسات تؤكد: فقدان الإبداع الجماعي
الدراسات التي استشهد بها فريق البحث ترسم صورة مقلقة. فعلى المستوى الفردي، قد يولد المستخدمون أفكاراً أكثر تفصيلاً بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ولكن على المستوى الجماعي، عندما يجتمع البشر معاً بعد استخدامهم لهذه الأدوات، تظهر المشكلة. المجموعات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي تنتج أفكاراً أقل وأقل إبداعاً مقارنة بالمجموعات التي تعتمد فقط على قواها العقلية الجماعية .
بل إن التأثير يمتد ليشمل حتى أولئك الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر. تقول سوراتي: “حتى لو لم يكن الناس من المستخدمين المباشرين للنماذج اللغوية الكبيرة، فإن هذه النماذج ستظل تؤثر عليهم بشكل غير مباشر. إذا كان الكثير من الأشخاص من حولي يفكرون ويتحدثون بطريقة معينة، وأنا أفعل الأشياء بشكل مختلف، فسأشعر بضغط للتوافق معهم، لأنه سيبدو وكأنه طريقة أكثر مصداقية أو قبولاً اجتماعياً للتعبير عن أفكاري” .
أبعاد خفية: تغيير التوقعات وانتقال الوكالة
التحذير لا يقف عند حدود اللغة فقط. دراسات أخرى أظهرت أنه بعد التفاعل مع نماذج ذكاء اصطناعي متحيزة، تميل آراء الأشخاص إلى أن تصبح أكثر تشابهاً مع النموذج الذي استخدموه .
كما أن النماذج اللغوية الكبيرة يمكنها تغيير توقعات الناس، وهذا بدوره يغير اتجاه العمل بشكل خفي. توضح سوراتي: “بدلاً من توجيه التوليد بنشاط، غالباً ما يخضع المستخدمون للاستمرارات التي يقترحها النموذج، ويختارون الخيارات التي تبدو ‘جيدة بما فيه الكفاية’ بدلاً من صياغة خياراتهم الخاصة، مما ينقل الوكالة تدريجياً من المستخدم إلى النموذج” .
الصندوق الأسود : الذكاء الاصطناعي في معارك الشرق الأوسط
ماذا يقول العرب؟
يرى فريق أخبار تك أن التحذيرات التي أطلقتها الدراسة هي بمثابة “جرس إنذار” للعالم العربي بشكل خاص. يرى الفريق أن “اللغة العربية الفصحى وحدها تمثل تحدياً كبيراً للنماذج الحالية، ناهيك عن تنوع اللهجات والثقافات المحلية. إذا كانت النماذج الحالية تفرض نمطاً غربياً على التفكير، فإن الخطر على الهوية العربية قد يكون أعمق بكثير”.
ف“عندما نطلب من الذكاء الاصطناعي تحسين مقالة أدبية عربية، فهو لا يفهم سياقاتنا الثقافية، ولا عمقنا البلاغي، ولا مرجعياتنا الفكرية. هو ببساطة يطبق أنماطاً إحصائية مستخلصة من نصوص غربية”.
الدعوة إلى التنويع: الحل في أيدي المطورين
الباحثون لا يكتفون بالتحذير، بل يقدمون حلاً. يدعون مطوري الذكاء الاصطناعي إلى دمج التنوع عمداً في نماذجهم، ليس من خلال إدخال تغييرات عشوائية، بل من خلال الاعتماد على التنوع الموجود فعلياً بين البشر في جميع أنحاء العالم. يجب أن تشمل بيانات التدريب لغات متعددة، ووجهات نظر متنوعة، واستراتيجيات استدلال مختلفة .
تقول سوراتي: “إذا كانت النماذج اللغوية الكبيرة تحتوي على طرق أكثر تنوعاً للتعامل مع الأفكار والمشكلات، فإنها ستدعم بشكل أفضل الذكاء الجماعي وقدرات حل المشكلات في مجتمعاتنا. نحن بحاجة إلى تنويع نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها مع تعديل كيفية تفاعلنا معها أيضاً، لحماية التنوع المعرفي وإمكانات الابتكار للأجيال القادمة” .
خلاصة: بين الفائدة والخطر
لا يمكن إنكار الفوائد الهائلة التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي في تسريع العمل وتحسين الإنتاجية. لكن هذا التحقيق يكشف عن جانب مظلم أقل مناقشة: التأثير التدريجي والعميق لهذه الأدوات على نسيج الفكر البشري نفسه.
ما يبدو وكأنه مساعدة لطيفة في صياغة جملة أو اقتراح فكرة، هو في الواقع عملية إعادة تشكيل دقيقة لكيفية تفكيرنا وتعبيرنا. في عالم تنحسر فيه الخصوصية الثقافية والفردية الفكرية، قد نستيقظ يوماً لنجد أنفسنا جميعاً نفكر بالطريقة نفسها، ونتحدث بالكلمات نفسها، ونتشارك الرؤية نفسها للعالم. وكما يحذر الباحثون، فإن فقدان هذا التنوع المعرفي سيقوض قدرتنا الجماعية على الابتكار والتكيف مع المستقبل.