الأمن السيبراني

“أول حرب ذكاء اصطناعي” التصعيد السيبراني والاستخباراتي بين إسرائيل وإيران

🗓️ 24 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 6 دقائق للقراءة

تقرير فريق أخبار تك

من كاميرات الشوارع إلى “مفاتيح المملكة”

إن الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هي “أول حرب في التاريخ تُدار بالذكاء الاصطناعي” . ما كان يحتاج في السابق إلى أسابيع من التخطيط البشري، أصبح يُنجز في ثوانٍ، باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي تحلل بيانات استخباراتية غير منظمة، وتقترح أهدافاً، وتُسرع ما يعرف بـ”سلسلة القتل” (Kill Chain) إلى سرعة تفوق سرعة الفكر البشري .

في هذه الجولة الخاصة، نرصد آخر تطورات الصراع من منظور تكنولوجي وأمن سيبراني، مستندين إلى تقارير حديثة صادرة عن مراكز أبحاث دولية ووكالات استخباراتية.

“كاميرات طهران”.. سلاح ذو حدين قضى على خامنئي

كيف حولت إسرائيل شبكة مراقبة النظام الإيراني إلى عينها الخاصة

أبرز تطورات الساعات الماضية، هو الكشف عن تفاصيل جديدة حول كيفية استخدام إسرائيل لشبكة المراقبة الضخمة التي أنشأتها إيران لقمع الاحتجاجات، لتصبح بدلاً من ذلك أداة لاستهداف قادتها .

بحسب تقارير متطابقة من أسوشيتد برس (AP) وفاينانشال تايمز وهندوستان تايمز، تمكنت إسرائيل من اختراق “جميع كاميرات المرور في طهران تقريباً” لسنوات، واستخدمت هذه الشبكة لتتبع أنماط حياة المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة آخرين . المعلومات التي جُمعت من هذه الكاميرات ساعدت في تحديد لحظة وجود خامنئي في مجمع القيادة صباح 28 فبراير، ما مكّن من تنفيذ الضربة التي أودت بحياته في اليوم الأول للحرب .

مفارقة مأساوية: النظام الذي أنشأته إيران بتكلفة باهظة لمراقبة مواطنيها وقمع المعارضة، تحول إلى سلاح فتاك في يد عدوها. كما علق كونور هيلي، مدير أبحاث في معهد IPVM لدراسات المراقبة: “المفارقة أن البنية التحتية التي تبنيها الأنظمة الاستبدادية لتأمين حكمها، قد تكون هي ما يجعل قادتها أكثر وضوحاً أمام من يريد قتلهم” .

الذكاء الاصطناعي غربل “طوفان” البيانات

الخبراء يؤكدون أن اختراق الكاميرات وحده لم يكن كافياً. الثورة الحقيقية كانت في قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة هذا الطوفان من البيانات. بحسب تحليل معهد الدراسات والتحليلات الدفاعية (MP-IDSA)، استخدمت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) نظام مافن سمارت (Maven Smart System) من شركة بالانتير (Palantir)، المدمج مع نموذج كلود (Claude) من أنثروبيك (Anthropic)، لتحليل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية غير المنظمة من الأقمار الصناعية ومصادر المراقبة الأخرى .

ما كان يحتاج في السابق إلى “عشرات الآلاف من ساعات العمل البشري”، أصبح يُنجز في ثوانٍ ودقائق . هذه الأنظمة قدمت للقادة العسكريين توصيات استهداف في الزمن الفعلي، مما مكن من تنفيذ ما يقرب من 900 ضربة في أول 12 ساعة فقط من الحرب، وأكثر من 5500 ضربة في الأيام العشرة الأولى .

الجبهة السيبرانية.. 368 حادثة في 12 دولة

إيران تستخدم “وكلاء ذكاء اصطناعي” للتخريب والاستطلاع

الجبهة السيبرانية لم تكن أقل سخونة. وفقاً لتقرير صادر عن شركة الاستخبارات السيبرانية SOCRadar، رصدت الشركة 368 حادثة سيبرانية عبر 12 دولة بين 1 و11 مارس الجاري، توزعت بين هجمات حجب الخدمة (DDoS)، وتسريبات بيانات، واختراقات للبنية التحتية الحيوية .

أبرز الهجمات الإيرانية في الأيام الأخيرة :

  • اختراق أنظمة تخزين الحبوب في الأردن عبر مجموعة APT Iran
  • محاولات استهداف أنظمة المياه الإسرائيلية
  • هجمات على أنظمة السكك الحديدية الإسرائيلية (عبر بث رسائل تهدف لإثارة الذعر)
  • استهداف شركات أميركية متعددة الجنسيات مثل شركة المعدات الطبية سترايكر (Stryker) عبر مجموعة “هندلة” (Handala)
  • هجمات متكررة على مؤسسات حكومية في الكويت وقطر والإمارات والسعودية

رئيس هيئة الأمن السيبراني الإسرائيلي (INCD) يوسي كارادي صرح اليوم أن إيران تحاول “تصنيع صورة انتصار” في الحرب السيبرانية لتعويض إخفاقاتها في الميدان، لكنها فشلت حتى الآن في إحداث أضرار جسيمة، رغم محاولاتها لمسح بيانات آلاف الشركات الإسرائيلية .

الجانب الآخر: اختراقات أميركية إسرائيلية عميقة

على الجانب الآخر، استخدمت القوات الأميركية والإسرائيلية سيبرانياً لتعطيل الاتصالات الإيرانية، ما أدى إلى انخفاض الاتصال بالإنترنت في إيران إلى 4% فقط من مستوياته الطبيعية . المواقع الحكومية الإيرانية تعرضت لهجمات، وتم اختراق وكالة الأنباء الرسمية “إرنا” (IRNA) ووكالة “تسنيم” (Tasnim) التابعة للحرس الثوري، حيث عُرضت رسائل معادية للمرشد خامنئي .

أسلحة ذكية تغير المعادلة

“لوكاس”.. طائرة انتحارية أميركية بنسخة إيرانية

من بين الابتكارات التكنولوجية الأكثر إثارة للاهتمام، هو استخدام القوات الأميركية لنظام لوكاس (LUCAS)، وهو طائرة انتحارية منخفضة التكلفة (35 ألف دولار) تم هندستها عكسياً من الطائرة الإيرانية “شاهد 136” (Shahed-136) التي اشتهرت في حرب أوكرانيا .

هذه الطائرات مزودة بذكاء اصطناعي يمكنها من تنفيذ مناورات ذاتية وأسراب منسقة، ما يمثل تحولاً في مفهوم القوة العسكرية بعيداً عن التعقيد المكلف .

“كلود” في قلب الجدل

ما زال الجدل حول استخدام نموذج كلود (Claude) من أنثروبيك في التخطيط للضربات مستمراً. في 27 فبراير، أي قبل يوم واحد من بدء الحرب، أصدر الرئيس ترامب أمراً باستبعاد أنثروبيك من العقود الحكومية . لكن التقارير أكدت أن النظام استُخدم بالفعل في الهجمات على إيران .

الجدل الأخلاقي يتصاعد بعد مأساة مدرسة ميناب التي قُتل فيها 175 شخصاً، معظمهم من الأطفال. مدرسة ابتدائية للبنات قريبة من منشأة للحرس الثوري، تم استهدافها بصاروخ توماهوك. التحقيقات الأولية تشير إلى أن النظام ربما استخدم بيانات استخباراتية قديمة (تعود إلى 2016) فشلت في التمييز بين المدرسة والمنشأة العسكرية المجاورة . هذا الحادث دفع البنتاغون للتحقيق في دور الذكاء الاصطناعي في القصف .

حرب المعلومات.. الذكاء الاصطناعي كسلاح تضليل

من مقاطع الفيديو المزيفة إلى “شبكات الروبوتات”

الجبهة الرابعة هي حرب المعلومات. وفقاً لتقرير من صحيفة الغارديان البريطانية (22 مارس)، تشن إيران حملة تضليل واسعة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد مقاطع فيديو تظهر إنجازات عسكرية وهمية، مثل قصف حاملة طائرات أميركية أو استهداف مباني في تل أبيب .

دارين لينفيل، مدير مركز الطب الشرعي الإعلامي في جامعة كليمسون الأميركية، قال إن “تطبيقات الذكاء الاصطناعي مذهلة، وكذلك سرعة وحجم استخدامها” . وأضاف أن إيران “تستخدم كل ميزة متاحة، فهي تستعد لهذا الصراع منذ 50 عاماً”.

إيران أيضاً تستخدم حسابات وهمية على منصات التواصل لإثارة الانقسام داخل الغرب، واستهداف السياسيين الأميركيين، ومحاولة تضخيم الأصوات المناهضة للحرب . هذا يأتي في وقت تقوم فيه إيران بحظر إنترنت وطني واسع، وتهديد المستخدمين باستخدام “ستارلينك” (Starlink) .

تداعيات اقتصادية واستخباراتية

شركات التكنولوجيا في مرمى النيران

في تطور لافت الأسبوع الماضي، نشرت وكالة “تسنيم” الإيرانية قائمة بشركات تكنولوجيا أميركية وصفتها بأنها “أهداف مشروعة” بسبب استخدام تقنياتها لأغراض عسكرية، شملت: غوغل (Google)، مايكروسوفت (Microsoft)، إنفيديا (Nvidia)، آي بي إم (IBM)، أوراكل (Oracle)، وبالانتير (Palantir) .

الهجمات الإيرانية على البنية التحتية الرقمية للشركات الأميركية في المنطقة بدأت بالفعل، حيث استُهدفت مراكز بيانات تابعة لأمازون في الإمارات والبحرين . هذه الضربات تفتح مرحلة جديدة من الصراع، حيث تتحول الشركات المدنية إلى أهداف عسكرية.

خلاصة: “أول حرب ذكاء اصطناعي”.. دروس قاسية

ما نشهده في الأسابيع الأخيرة ليس مجرد حرب تقليدية أضيفت إليها بعض الأدوات الذكية. إنها “أول حرب كبرى في التاريخ تُدار بالذكاء الاصطناعي” . من استخبارات الكاميرات إلى التخطيط للضربات، ومن هجمات حجب الخدمة إلى حملات التضليل، أصبحت الخوارزميات في صميم العمليات العسكرية.

الدروس القاسية التي تظهر يومياً:

  • البنية التحتية الأمنية يمكن أن تتحول إلى سلاح في يد العدو .
  • سرعة اتخاذ القرار التي يوفرها الذكاء الاصطناعي تأتي مع خطر “هشاشة الخوارزميات” (Algorithmic Brittleness) التي قد تؤدي إلى كوارث إنسانية .
  • الرقابة البشرية ليست ضماناً كافياً عندما تكون الخوارزميات مقنعة للغاية وتعمل بسرعة تفوق الإدراك البشري .
  • شركات التكنولوجيا أصبحت أطرافاً في الصراع، سواء أرادت ذلك أم لا .

كما لاحظت آمي غودمان في برنامج “ديموكراسي ناو” (Democracy Now!)، السؤال لم يعد حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستخدم في الحروب، بل حول “كيف يمكننا وضع ضمانات قبل فوات الأوان” . هذه الضمانات تبدو بعيدة المنال، مع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط وسباق التسلح التكنولوجي العالمي.