تكنولوجيا

أوروبا تفرض على ميتا  800 مليون يورو.. معركة السيادة الرقمية

25 مارس، 2026 فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

تقرير فريق “أخبار تك”

في خطوة تعكس تصاعد الحرب بين الاتحاد الأوروبي وعمالقة التكنولوجيا الأميركيين، فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قياسية على شركة ميتا (Meta) المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب، بلغت 800 مليون يورو . هذه الغرامة، التي تأتي بعد شهور من تحقيقات مكثفة، تمثل أول عقوبة من نوعها تُفرض على الشركة بموجب قوانين المنافسة الأوروبية، وتضاف إلى سلسلة طويلة من الغرامات التي تلقاها عمالقة وادي السيليكون من بروكسل .

القرار الذي وصفته المفوضية الأوروبية بأنه “ردع لانتهاكات السوق”، قوبل بغضب شديد من ميتا التي أعلنت عزمها الاستئناف، فيما وصف مسؤولوها الغرامة بأنها “إجراء انتقامي” و”ضريبة متعددة المليارات” تهدف إلى إضعاف الشركات الأميركية .

تفاصيل الغرامة.. ما الذي فعلته ميتا؟

انتهاك قواعد المنافسة لصالح “ماركت بليس”

وفقاً للتحقيقات التي أجرتها المفوضية الأوروبية واستمرت لسنوات، فإن ميتا انتهكت قوانين المنافسة في الاتحاد الأوروبي من خلال ربط خدمة الإعلانات المبوبة “فيسبوك ماركت بليس” (Facebook Marketplace) بشبكتها الاجتماعية الضخمة، مما منحها ميزة غير عادلة على المنافسين .

الانتهاكات الرئيسية التي حددتها المفوضية:

  • الربط الإجباري (Tying): قامت ميتا بربط خدمة Marketplace بالشبكة الاجتماعية فيسبوك، مما جعل المستخدمين يتعرضون لها “سواء أرادوا ذلك أم لا” .
  • استغلال بيانات المنافسين: استخدمت ميتا البيانات الإعلانية التي تولدها منصات الإعلانات المبوبة المنافسة (التي تعلن على فيسبوك وإنستغرام) لصالح خدمة Marketplace الخاصة بها، مما أعطاها ميزة لا يمكن للمنافسين مضاهاتها.
  • فرض شروط تجارية غير عادلة: فرضت ميتا شروط خدمة قسرية على المنافسين، أجبرتهم بموجبها على مشاركة بيانات حساسة مع الشركة .

مارغريت فيستاجر (Margrethe Vestager)، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية المكلفة بسياسة المنافسة، قالت في بيان: “ميتا ربطت خدمة الإعلانات المبوبة عبر الإنترنت Facebook Marketplace بشبكتها الاجتماعية الشخصية Facebook، وفرضت شروطاً تجارية غير عادلة على مقدمي خدمات الإعلانات المبوبة الآخرين. لقد فعلت ذلك من أجل إفادة خدمة Facebook Marketplace الخاصة بها. هذا غير قانوني بموجب قواعد مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي” .

السياق الأوسع.. “إعلان الاستقلال الرقمي”

قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الخدمات الرقمية (DSA)

الغرامات الأخيرة لم تأتِ من فراغ. منذ عام 2024، بدأ الاتحاد الأوروبي تطبيق حزمة القوانين الرقمية المزدوجة: قانون الأسواق الرقمية (Digital Markets Act – DMA) وقانون الخدمات الرقمية (Digital Services Act – DSA) .

هذه القوانين، التي وصفها محللو “أتلانتيك كونسيل” (Atlantic Council) بأنها “إعلان استقلال رقمي” عن وادي السيليكون، تهدف إلى :

  • تقييد سلطة “حراس البوابة” (Gatekeepers) : الشركات الكبرى التي تتحكم في الوصول إلى الأسواق الرقمية.
  • حماية بيانات المواطنين الأوروبيين من الاستغلال التجاري.
  • ضمان الشفافية الخوارزمية وإعطاء المستخدمين سيطرة حقيقية على محتواهم .

فيرككونين هينا (Henna Virkkunen)، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية لشؤون السيادة التكنولوجية، قالت: “هذه الأحكام تؤكد التزام الاتحاد الأوروبي بضمان أن يتمتع المستخدمون بسيطرة حقيقية على بياناتهم، وأن الشركات يمكنها الوصول إلى العملاء دون حواجز مصطنعة” .

من هم “حراس البوابة” الستة؟

حددت المفوضية الأوروبية في سبتمبر 2023 ست شركات كـ”حراس بوابة” تخضع لأشد درجات الرقابة :

  • ألفابت (Google)
  • أمازون (Amazon)
  • أبل (Apple)
  • بايت دانس (ByteDance)، مالكة تيك توك
  • ميتا (Meta)
  • مايكروسوفت (Microsoft)

رد فعل ميتا.. “ضريبة متعددة المليارات”

استئناف واتهامات بالتمييز

لم تمر الغرامات مرور الكرام. أصدرت ميتا بياناً رسمياً قالت فيه إن القرار “يفشل في إثبات أي ضرر تنافسي” للمنافسين أو المستهلكين، و“يتجاهل حقائق السوق الأوروبية المزدهر” للإعلانات المبوبة عبر الإنترنت .

جويل كابلان (Joel Kaplan)، رئيس الشؤون العالمية في ميتا، وصف الغرامة بأنها “ضريبة متعددة المليارات” تضر بالاقتصاد الأوروبي نفسه، واتهم المفوضية بمحاولة “تعطيل الشركات الأميركية الناجحة” بينما تسمح للشركات الصينية والأوروبية بالعمل بمعايير مختلفة .

كما كررت ميتا تهديدها السابق بأن الامتثال لبعض هذه القواعد قد يجبر الشركة على سحب خدماتها بالكامل من أوروبا، وهو تهديد سبق أن أطلقه مارك زوكربيرغ شخصياً .

تداعيات سياسية.. واشنطن ترد بتهديدات

ترامب: “الغرامات ابتزاز” وإيلون ماسك يدعو لحل الاتحاد الأوروبي

الغرامات الأوروبية ضد عمالقة التكنولوجيا الأميركيين تحولت إلى ملف سياسي ساخن. حتى قبل صدور القرار النهائي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وصف القوانين الأوروبية الجديدة بأنها “ابتزاز” وهدد بفرض رسوم جمركية انتقامية على السلع الأوروبية .

إيلون ماسك (Elon Musk)، المالك الحالي لمنصة إكس (تويتر سابقاً)، ذهب إلى أبعد من ذلك. عندما فرضت المفوضية غرامة على منصته (لانتهاكات تتعلق بنظام التحقق الأزرق)، غرد ماسك أن الاتحاد الأوروبي يجب “إلغاؤه وإعادة السيادة للدول الفردية” .

ماركو روبيو (Marco Rubio)، وزير الخارجية الأميركي، وصف الغرامات بأنها “هجوم على المواطنين الأميركيين”، بينما اتهم نائب الرئيس جيه دي فانس (JD Vance) السلطات الأوروبية بـ “الرقابة” .

ما القادم؟ الملفات المفتوحة ضد ميتا

تحقيق جديد حول احتكار واتساب للذكاء الاصطناعي

لم تنتهِ معركة ميتا مع بروكسل. في 8 فبراير 2026، أي قبل أيام من الغرامات الأخيرة، أرسلت المفوضية الأوروبية لائحة اتهامات جديدة (Statement of Objections) إلى ميتا، تتعلق بسياساتها على واتساب .

الواقعة الجديدة: في 15 يناير 2026، نفذت ميتا سياسة جديدة تمنع أي مساعد ذكاء اصطناعي تابع لجهات خارجية من العمل على منصة واتساب، مما جعل “ميتا إيه آي” (Meta AI) هو المساعد الوحيد المتاح لمستخدمي التطبيق .

النتيجة: المفوضية ترى أن هذه السياسة تمثل “إساءة استخدام مركز مهيمن” وتخلق “حواجز دخول” لصغار المنافسين في سوق المساعدات الذكية سريع النمو. وهددت باتخاذ “إجراءات مؤقتة” لإجبار ميتا على التراجع عن القرار .

مارفن فون هاغن (Marvin von Hagen)، الرئيس التنفيذي لشركة Poke.com التي تقدم مساعداً ذكياً منافساً، قال: “كان ينبغي على ميتا تعليق السياسة في جميع أنحاء العالم، وليس فقط في إيطاليا. على المفوضية أن تتبع خطوة إيطاليا بشكل عاجل وتتخذ إجراءات مؤقتة” .

خلاصة: عصر جديد من التنظيم

ما يحدث اليوم في أوروبا ليس مجرد غرامات متفرقة. إنه إعادة تعريف للعلاقة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا العملاقة. الاتحاد الأوروبي، الذي يفتقر إلى “عمالقة التكنولوجيا” الخاصة به، يقرر أن يلعب دور “المنظم العالمي” ، ويفرض قواعده على الشركات التي لا تملك بديلاً عن سوقه المكون من 450 مليون مستهلك .

ميتا، التي حققت إيرادات تجاوزت 63 مليار دولار من أميركا وكندا، و38 ملياراً من أوروبا، تجد نفسها بين مطرقة الامتثال وسندان الخسارة المالية . مع استمرار التحقيقات الجديدة وتهديدات التصعيد من واشنطن، يبدو أن هذه المعركة بعيدة عن النهاية. والسؤال الأكبر الذي يطرح نفسه: هل ستكون هذه القوانين الأوروبية نموذجاً يُحتذى به في بقاع العالم، بما فيها منطقتنا العربية؟

أوكالات انباء + مواقع اخبارية وتقنية