تقرير فريق “أخبار تك”
شهد يوم 26 مارس 2026 حدثين متباينين في عالم التكنولوجيا الأميركية. في واشنطن، وقفت السيدة الأولى ميلانيا ترامب (Melania Trump) إلى جانب روبوت بشري في البيت الأبيض، لتعلن عن رؤية جديدة للتعليم: معلمون آليون ينقلون المعرفة إلى المنازل. في لوس أنجلوس، أصدرت هيئة محلفين حكماً تاريخياً ضد ميتا (Meta) وجوجل (Google)، ألزمتهما بدفع 6 ملايين دولار لشابة ادعت أن خوارزميات منصات التواصل جعلتها “مدمنة” منذ الطفولة .
هذان الحدثان، رغم اختلافهما، يشيران إلى محور واحد: العلاقة المتشابكة بين التكنولوجيا والأطفال، حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التعليم، بينما تحاسب شركات التكنولوجيا على أضرار منصاتها.
في البيت الأبيض – روبوت “فيغير” يقدم نفسه كمدرس أفلاطوني
ميلانيا ترامب تطلق مبادرة “معاً من أجل مستقبل أفضل”
في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، ظهرت السيدة الأولى ميلانيا ترامب برفقة روبوت بشري (Humanoid Robot) طورته شركة فيغير إيه آي (Figure AI)، إحدى الشركات الرائدة في مجال الروبوتات البشرية.
الروبوت الذي لم يُكشف عن اسمه أو نسخته بدقة، تحدث عن “تمكين الأطفال من خلال التكنولوجيا والتعليم”، في إطار إطلاق مبادرة “معاً من أجل مستقبل أفضل” (Together for a Better Future) العالمية .
في خطابها، تصورت ميلانيا ترامب مستقبلاً يمكن فيه للروبوتات أن تصبح “معلمين أفلاطون” (Platonic Teachers) – أي معلمين صبورين، متاحين بسهولة، وقادرين على نقل المعرفة الإنسانية مباشرة إلى المنزل . هذه الفكرة تعكس اتجاهاً متزايداً في صناعة التكنولوجيا: أتمتة التعليم والاستغناء جزئياً عن دور المعلمين التقليديين .
من هي “فيغير إيه آي” (Figure AI)؟
فيغير إيه آي (Figure AI) هي شركة ناشئة مقرها كاليفورنيا، متخصصة في تطوير روبوتات بشرية متعددة الاستخدامات. في عام 2025، جمعت الشركة 675 مليون دولار في جولة تمويل بقيادة مايكروسوفت (Microsoft) وأوبن إيه آي (OpenAI) وإنفيديا (Nvidia)، لتصل قيمتها إلى 2.6 مليار دولار . روبوتها البشري، فيغير 02 (Figure 02)، كان قد أظهر قدرات متقدمة في التفاعل مع البشر وأداء المهام المنزلية والصناعية .
ظهور هذا الروبوت في البيت الأبيض إلى جانب السيدة الأولى يعكس دعم إدارة ترامب القوي لنماذج التعليم المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل مدارس “ألفا” (Alpha School) حيث يتلقى الطلاب تدريباً سريعاً باستخدام التكنولوجيا . كما يؤكد على دور القطاع الخاص في دفع عجلة الابتكار التعليمي، في وقت تتصاعد فيه المناقشات حول مستقبل نظام التعليم العام في أميركا .
في لوس أنجلوس – ميتا وجوجل تخسران 6 ملايين دولار
كالي (20 عاماً): “أنا مدمنة على إنستغرام ويوتيوب منذ الطفولة”
في قاعة محكمة لوس أنجلوس، أصدرت هيئة محلفين حكماً تاريخياً يُحمّل شركتي ميتا (Meta) وجوجل (Google) مسؤولية تصميم منصات اجتماعية تُسبب الإدمان للأطفال . القضية انتهت بتسوية بلغت قيمتها 6 ملايين دولار، حيث دفعت ميتا 4.2 مليون دولار، وجوجل 1.8 مليون دولار .
المدعية، كالي (Cali) البالغة من العمر 20 عاماً، قالت إنها أصبحت مدمنة على إنستغرام (Instagram) ويوتيوب (YouTube) منذ طفولتها، بسبب ميزات مثل “التمرير اللانهائي” (Infinite Scroll) التي تجعل من الصعب على المستخدمين التوقف . محاموها وصفوا الحكم بأنه “استفتاء” على مسؤولية قطاع التكنولوجيا عن سلامة الأطفال .
ما أهمية هذا الحكم؟
هذه القضية هي الأولى من نوعها التي تصل إلى هيئة محلفين، وهي تمثل نموذجاً يُحتذى به لآلاف الدعاوى القضائية المماثلة التي تنتظر المحاكمة في كاليفورنيا . الخبراء يعتقدون أن القرار قد يُجبر شركات التكنولوجيا على اتخاذ تدابير جادة لحماية المستخدمين الصغار، مثل:
- إلغاء أو تعديل ميزات التمرير اللانهائي التي صُممت لإبقاء المستخدمين على المنصة لأطول فترة ممكنة.
- تقييد الإشعارات المستمرة التي تشتت انتباه الأطفال.
- إدخال ضوابط أبوية أكثر صرامة تمنع الاستخدام المفرط.
ردود فعل الشركات.. استئناف فوري
أعلنت شركتا ميتا وجوجل أنهما ستستأنفان الحكم، مؤكدتين أن منصاتهما تحتوي على أدوات حماية للأطفال . لكن القضية أثارت دعوات متزايدة في الكونغرس الأميركي لسنّ تشريع يُلزم المنصات الإلكترونية بأن تكون “صديقة للأطفال” (Child-Friendly)، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة في صناعة وسائل التواصل الاجتماعي .
يوتيوب توسع ميزات التسوق – منافسة مباشرة مع ميتا
في تطور منفصل، أعلنت يوتيوب (YouTube) عن توسيع برنامج التسويق بالعمولة (Affiliate Marketing) ليشمل المزيد من صناع المحتوى. الحد الأدنى المطلوب للانضمام تم تخفيضه من 1000 إلى 500 مشترك، مما يمنح القنوات الصغيرة فرصة البدء في جني الأرباح بشكل أسرع .
هذه الميزة تُطبّق على:
- مقاطع الفيديو القصيرة (Shorts)
- الفيديوهات حسب الطلب (VOD)
- البث المباشر (Live)
الهدف: تعزيز جاذبية المنصة ومنافسة ميتا (Meta) مباشرة، التي أضافت مؤخراً روابط التسوق إلى مقاطع ريلز (Reels) على إنستغرام وفيسبوك . الخبراء يعتقدون أن هذا التغيير سيشجع المزيد من صناع المحتوى على الانضمام إلى منظومة التجارة الإلكترونية في يوتيوب .
خلاصة: يومان يحملان رسائل متضادة حول التكنولوجيا والأطفال
في يوم واحد، شهدت الولايات المتحدة وجهين متضادين للتكنولوجيا: من ناحية، البيت الأبيض يتبنى الروبوتات كمعلمين، متصوراً مستقبلاً تحل فيه الآلات محل المعلمين البشريين في المنازل. ومن ناحية أخرى، القضاء يحاسب شركات التكنولوجيا على إدمان الأطفال لمنصاتها، معتبراً أن خوارزمياتها صُممت لتكون “سامة” للصغار.
هذا التناقض يعكس حقيقة أعمق: التكنولوجيا ليست جيدة أو سيئة في حد ذاتها، بل تعتمد على كيفية تصميمها واستخدامها. في الوقت الذي تسعى فيه شركات التكنولوجيا إلى توسيع نفوذها في التعليم والتجارة، تجد نفسها تحت رقابة قضائية متزايدة، في معركة ستحدد شكل العلاقة بين الأطفال والعالم الرقمي للأجيال القادمة.







