الذكاء الاصطناعي

أنثروبيك: فجوة مهارات تتسع بين “مستخدمي الذكاء الفائقين” وباقي القوى العاملة

26 مارس، 2026 فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

تقرير فريق – “أخبار تك” – 26 مارس 2026

عصر “الفائزون يأخذون كل شيء” يصل إلى سوق العمل

في تقرير صادم صدر اليوم عن شركة أنثروبيك (Anthropic)، المطورة لنموذج كلود (Claude)، حذرت الشركة من أن الفجوة المهارية بين “مستخدمي الذكاء الفائقين” (Super-Users) وباقي القوى العاملة تتسع بمعدلات غير مسبوقة، مما قد يؤدي إلى انقسام اجتماعي واقتصادي حاد في غضون سنوات قليلة .

التقرير، الذي حمل عنوان “الانقسام الكبير: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طبقات المهارات في القوى العاملة”، استند إلى تحليل بيانات استخدام كلود من أكثر من 500 ألف مستخدم في 12 دولة، وخلص إلى أن 5% فقط من المستخدمين (الذين أسمتهم الشركة “الطبقة العليا من مستخدمي الذكاء الاصطناعي”) يسيطرون على أكثر من 60% من نشاط الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، مع توقعات بتضاعف هذه الفجوة خلال الستة أشهر القادمة .

من هم “مستخدمو الذكاء الفائقون”؟

المهارات التي تميز النخبة الجديدة

وفقاً للتقرير، فإن “مستخدمي الذكاء الفائقين” (Super-Users) ليسوا مجرد أشخاص يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل متكرر، بل هم من طوروا مجموعة فريدة من المهارات :

  • إتقان البرمجة بالإحساس (Vibe Coding) : القدرة على توجيه نماذج الذكاء الاصطناعي لبناء تطبيقات كاملة دون كتابة الأكواد يدوياً
  • تصميم الوكلاء الأذكياء (Agentic Workflow Design) : القدرة على بناء سلاسل من الوكلاء المتعاونين لأتمتة مهام معقدة
  • ضبط النماذج (Model Fine-tuning) : القدرة على تخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي للسياقات والمهام الخاصة
  • التحليل الاستراتيجي : القدرة على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي ودمجها في عمليات صنع القرار

الأرقام الصادمة: 5% من المستخدمين يستهلكون 62% من إجمالي الرموز (Tokens) المولدة عبر كلود. في الشركات التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي بشكل واسع، يرتفع الرقم إلى 75% من النشاط من قبل 8% فقط من الموظفين .

كيف تتسع الفجوة؟

حلقة مفرغة من المهارات والاستثمار

التقرير يصف آلية تتسع بها الفجوة ذاتياً:

  1. مستخدمو الذكاء الفائقون يصبحون أكثر كفاءة، فيستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة أسرع
  2. الإنتاجية ترتفع بشكل كبير، مما يجعلهم أكثر جاذبية للمشاريع المعقدة والمهمة
  3. الاستثمار في تدريب وتطوير هؤلاء الموظفين يزداد، بينما يتضاءل الاستثمار في تطوير المهارات الأساسية
  4. الفجوة تتسع أكثر مع كل جولة من هذا التسارع

محاكاة أجرتها أنثروبيك لتطور القوى العاملة في شركة متوسطة الحجم (2000 موظف) أظهرت أن:

  • بعد 6 أشهر، سيكون 8% من الموظفين مسؤولين عن 70% من الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
  • بعد 12 شهراً، قد تصل الفجوة إلى مستوى تجعل إعادة تأهيل باقي الموظفين غير مجدية اقتصادياً

تحذيرات من انقسام مجتمعي

“طبقة فوقية” و”طبقة تحتية” من المهارات

داريو أمودي (Dario Amodei)، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، حذر في مقدمة التقرير من أن “نحن نشهد ولادة طبقة اجتماعية جديدة: النخبة التي تتقن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي. ما يقلقنا ليس الفجوة الحالية، بل سرعة اتساعها” .

التقرير يشير إلى أن هذا الانقسام ليس مجرد فجوة في الرواتب، بل هو إعادة هيكلة لسوق العمل ذاته:

الفئةالنسبةالخصائصالمخاطر
الطبقة العليا5-10%إنتاجية فائقة، مهارات نادرة، رواتب متزايدةعزل اجتماعي، ضغوط نفسية
الطبقة المتوسطة40-50%استخدام محدود للذكاء الاصطناعي، مهارات تقليديةتراجع تدريجي في القيمة السوقية
الطبقة الدنيا40-55%غير قادرين على استخدام الذكاء الاصطناعي بكفاءةمخاطر بطالة هيكلية

الأهم: التقرير يحذر من أن الانتقال بين هذه الطبقات سيصبح شبه مستحيل مع مرور الوقت، لأن المهارات المطلوبة للطبقة العليا أصبحت معقدة لدرجة لا يمكن اكتسابها عبر التدريب التقليدي .

توصيات أنثروبيك – ما العمل خلال الستة أشهر القادمة؟

خطة طوارئ للمؤسسات والحكومات

التقرير يقدم مجموعة من التوصيات العاجلة، التي يجب تنفيذها خلال 6 أشهر لتجنب انقسام كارثي :

للمؤسسات:

  1. برامج “التجسير” (Bridging Programs) : تدريب مكثف لرفع 20% من الفئة المتوسطة إلى الطبقة العليا
  2. توزيع المهام القيمة : عدم ترك المهام العالية القيمة للطبقة العليا فقط، بل توزيعها لخلق فرص تعلم للآخرين
  3. مقاييس أداء جديدة : قياس نجاح فرق العمل ليس فقط بالإنتاجية، بل أيضاً بقدرتها على رفع مستوى المهارات داخل الفريق

للحكومات:

  1. إعانات تدريب مباشرة : دعم مالي للأفراد للالتحاق ببرامج تدريب الذكاء الاصطناعي المتقدمة
  2. تحديث المناهج التعليمية : إدخال مهارات التفاعل مع الذكاء الاصطناعي من المرحلة الابتدائية
  3. شبكات أمان اجتماعي : الاستعداد لمرحلة انتقالية قد تشهد بطالة مؤقتة واسعة

ردود الفعل – بين القبول والرفض

قادة الصناعة: “تحذير مهم لكنه ليس حتمياً”

مارك زوكربيرغ (Mark Zuckerberg)، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا (Meta)، قال في منشور على منصة إكس: “تحليل أنثروبيك مهم، لكنه يصور المستقبل كأنه حتمي. الأمر ليس كذلك. يمكننا تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تعزز مهارات الجميع، وليس فقط النخبة” .

سام ألتمان (Sam Altman)، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي (OpenAI)، أشار إلى أن شركته تعمل على “مساعدات ذكاء اصطناعي تستهدف رفع مستوى المهارات الأساسية، وليس فقط خدمة المتقدمين” .

انتقادات من اليسار: “تقرير يبرر التخلي عن الأغلبية”

من جهة أخرى، انتقدت منظمات نقابية التقرير، معتبرة أنه “يصف الواقع كما يريده عمالقة التكنولوجيا، وليس كما يجب أن يكون” . جوانا باركنسون (Joanna Parkinson)، المتحدثة باسم الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)، قالت: “هذا التقرير يفترض أن الحل هو جعل المزيد من الناس يستخدمون الذكاء الاصطناعي، بدلاً من التفكير في إعادة توزيع الثروة التي يولدها الذكاء الاصطناعي” .

خلاصة: جرس إنذار أم نبوءة ذاتية التحقق؟

ما يقدمه تقرير أنثروبيك هو أحد أكثر التحليلات شمولاً حتى الآن حول تأثير الذكاء الاصطناعي على هيكل سوق العمل. الأرقام التي يقدمها صادمة، لكنها ليست نهائية. كما يقول برابهو رام (Prabhu Ram)، نائب رئيس مجموعة أبحاث الصناعة في “سايبر ميديا” (Cyber Media): “التقرير صحيح في تشخيصه للفجوة، لكنه لا يذكر أن هذه الفجوة يمكن أن تكون مؤقتة. الجيل القادم من أدوات الذكاء الاصطناعي قد يكون أسهل في الاستخدام، مما يقلل الفجوة بدلاً من توسيعها” .

السؤال الحقيقي ليس “هل ستتسع الفجوة؟” بل “هل نمتلك الإرادة السياسية والاستثمار الكافي لسدها قبل فوات الأوان؟” الـ 6 أشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد الإجابة .