تكنولوجيا
الهروب من “حرب الجغرافيا” دول الخليج تبني ممرات برية لنقل البيانات
تقرير فريق أخبار تك
بعد عقود من بناء خطوط أنابيب النفط البرية لتجنب مضيق هرمز، تحولت دول الخليج إلى سباق جديد أكثر إلحاحاً: بناء ممرات برية لنقل البيانات عبر سوريا والعراق وشرق أفريقيا، لتوفير بدائل استراتيجية للكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، والتي أصبحت في مرمى الصواريخ الإيرانية .
الضربة التي وجهتها إيران لمراكز بيانات أمازون (Amazon) في الإمارات والبحرين في 1 مارس الجاري كانت نقطة التحول [نشرته اخبار تك في خبر سابق]. فجأة، لم يعد السيناريو الذي ظل تخوفاً نظرياً عقوداً حقيقة واقعة: البنية التحتية الرقمية للخليج، التي تعتمد بنسبة 95% على الكابلات البحرية، أصبحت تحت نيران الحرب .
كيف حوّلت الحرب مراكز البيانات إلى أهداف عسكرية وأربكت صناعة التكنولوجيا العالمية؟
في هذا التقرير، نرصد تفاصيل المشاريع الستة الكبرى التي تتسابق السعودية وقطر والإمارات لتنفيذها، والتحديات التي تواجهها، وما تعنيه هذه التحولات لمستقبل الاتصالات في المنطقة.
لماذا الآن؟ – ضربات إيران تكسر احتكار البحر
95% من بيانات الخليج تحت رحمة مضيق هرمز والبحر الأحمر
قبل الحرب، كانت المنطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، لتتصل بعد ذلك بالعالم عبر مصر . هذا الاعتماد لم يكن مشكلة طالما ظلت الممرات البحرية آمنة. لكن مع تصاعد التوتر، تحولت هذه الكابلات إلى نقاط ضعف استراتيجية .
بحسب دوغ مادوري (Doug Madory)، مدير تحليلات الإنترنت في شركة “كنتيك” (Kentik)، فإن “عقوداً من الاعتبارات السياسية جعلت المرور عبر العراق أو إيران خطيراً للغاية، بينما كانت الكابلات البحرية أرخص وتجذب المزيد من العملاء” . لكن هذه المعادلة تغيرت جذرياً عندما أصبحت السفن المتخصصة في إصلاح الكابلات (60 سفينة فقط حول العالم) غير قادرة على الوصول إلى أي من الممرات الرئيسية بسبب استمرار الحرب .
ضربات على أمازون كشفت “الفخ الجغرافي”
بعد أيام قليلة من بدء الحرب، أعلنت جماعة “حنظلة ” الإيرانية عن استهداف مراكز بيانات تابعة لأمازون في الإمارات والبحرين، في هجوم وصفته بأنه رد على العمليات العسكرية الأميركية . الضربة لم تتسبب فقط في أضرار مادية، بل كشفت عن هشاشة البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الحكومات والشركات في المنطقة .
المشاريع الستة – سباق خليجي على ثلاثة محاور
المحور الأول: سوريا – “سيلك لينك” (SilkLink) السعودي
المشغل: مجموعة إس تي سي (STC) السعودية
التكلفة: 800 مليون دولار
المسار: 4,500 كيلومتر من الألياف الضوئية عبر الأردن وسوريا إلى محطة إنزال الكابلات البحرية في طرطوس على البحر المتوسط، مع وصلات إلى لبنان وتركيا
الجدول الزمني: المرحلة الأولى خلال 18-24 شهراً
هذا المشروع، الذي أُعلن عنه في 7 فبراير 2026، هو بديل لمشروع سابق كان سيمر عبر إسرائيل، لكن الحرب في غزة أوقفت تلك المساعي. المشروع يعيد إحياء مسار مماثل لمسار “جادي” (JADI) الذي شُغّل في 2010 لكن الحرب السورية أوقفته بعد أشهر قليلة ولم يُعاد تشغيله أبداً .
المحور الثاني: العراق – مشروعا “أوريدو” (Ooredoo) و”وورلد لينك” (WorldLink)
أولاً: شبكة أوريدو (Ooredoo)
- المشغل: أوريدو القطرية
- الاستثمار: 500 مليون دولار للمسار البري عبر العراق وتركيا
- كابل بحري: “فايبر إن غلف” (FiG) – 720 تيرابايت في الثانية، يربط دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، ومن المتوقع إنجازه بحلول نهاية 2027
- المسار البري: من العراق عبر تركيا إلى أوروبا
ثانياً: وورلد لينك (WorldLink)
- المشغل: تحالف خاص يضم Tech 964 العراقية، وBreeze Investments الإماراتية، وDIL Technologies الكردية
- التكلفة: 700 مليون دولار
- المسار: كابل هجين بحري من الإمارات إلى شبه جزيرة الفاو جنوب العراق، ثم برياً عبر العراق وكردستان إلى تركيا
- الجدول الزمني: 5 سنوات
- الجمهور المستهدف: مراكز البيانات العملاقة (Hyperscalers)، المشغلون الدوليون، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي
المحور الثالث: شرق أفريقيا – ممر “هورايزون” (Horizon)
المشغلون: إثيو تيلكوم (Ethio Telecom)، جيبوتي تيلكوم (Djibouti Telecom)، وسوداتيل (Sudatel Group)
المسار: من جيبوتي عبر إثيوبيا إلى السودان، متجهاً إلى أوروبا براً، متجاوزاً البحر الأحمر بالكامل
الإعلان: فبراير 2026
مشاريع إضافية
- سونيك (SONIC) : مشترك بين STC السعودية وأوريدو القطرية، يربط السعودية وعمان براً، لربط محطات إنزال الكابلات البحرية في البلدين .
- ممر زين أومانتل (Zain Omantel International) : ممر بري من عُمان عبر السعودية إلى مصر والبحر المتوسط .
التحديات – من يملك حق المرور؟ وماذا عن الاستقرار؟
1. المنافسة الخليجية وليس التنسيق
على الرغم من أنها تواجه تهديداً مشتركاً، فإن دول الخليج لا تتعاون في هذا المجال. كريستيان كوتس أولريشسن (Kristian Coates Ulrichsen)، زميل معهد بيكر بجامعة رايس، قال: “سباق بناء الممرات البرية يعكس عنصراً تنافسياً بدلاً من تنسيق الجهود” .
قمة “سامينا” 2026 في دبي.. التحول من مشغلي الاتصالات إلى قادة التكنولوجيا
2. دول غير مستقرة على الطريق
المفارقة أن الممرات المصممة لتجنب “الفخ الجغرافي” للخليج تمر عبر دول تعاني من نزاعاتها الخاصة. سوريا والعراق والسودان وإثيوبيا كلها شهدت حروباً أهلية أو اضطرابات قطعت البنية التحتية في الماضي. مشروع “جادي” التاريخي الذي سار عبر نفس مسار “سيلك لينك” هو مثال حي: بدأ العمل عام 2010، وبعد أشهر قليلة دمرته الحرب السورية ولم يُعد أبداً .
3. العقبات التنظيمية: من يشتري وكم يدفع؟
ألان مولدين (Alan Mauldin)، مدير الأبحاث في “تيليجيوغرافي” (TeleGeography)، حذر من أن العقبات التنظيمية قد تكون أصعب من مد الألياف ذاتها. “من يُسمح له بشراء وتشغيل أزواج الألياف التي تعبر دولة ما، وبأي سعر؟” هو السؤال الأهم الذي لا يزال دون إجابة .
4. تركيا البوابة الأوروبية… لكن ماذا بعد؟
تتقارب جميع المشاريع عند تركيا كبوابة إلى أوروبا. لكن بولنت شين (Bülent Şen)، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في “دي-سيكس” (DE-CIX)، أوضح أن ما إذا كانت حركة المرور ستتوقف فعلاً في إسطنبول أم ستستمر إلى بلغاريا أو ألمانيا هو سؤال تجاري لم يُحسم بعد .
هل سينجح أي من هذه المشاريع؟
دوغ مادوري (Doug Madory) من كنتيك يرى أن “ليس كل هذه الكابلات ستنشأ فعلاً” . تاريخ المحاولات السابقة يعطيه الحق في الشك. لكن شركات الاتصالات تراهن على أن التهديد الحالي أكبر من أي وقت مضى، وأن سنوات من التخطيط الطويل انضغطت إلى أشهر من التنفيذ بعد ضربات إيران .
كما لاحظت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير حديث، فإن مشاريع مثل “سيلك لينك” و”وورلد لينك” هي محاولة لإعادة تشكيل خرائط نقل البيانات العالمية في وقت تتصاعد فيه حرب المعلومات بين القوى الكبرى. السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ستتغلب الحاجة الأمنية على المخاطر السياسية والتحديات التنظيمية؟
المصادر : وكالات انباء + مواقع متخصصة اخبارية وتقنية





