مقال تك
“W Social”.. التحدي الأوروبي للهيمنة الأمريكية على مواقع التواصل
اخبار تك بروكسل
في محاولة جادة لكسر احتكار عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين لسوق التواصل الاجتماعي، تستعد منصة “W Social” الأوروبية الجديدة للانطلاق رسمياً، معتمدة على نموذج مغاير قائم على التحقق الإلزامي للهوية ومبادئ “السيادة الرقمية”.
بينما تهيمن شركات أمريكية مثل ميتا (فيسبوك، واتساب، إنستغرام) وإكس (تويتر سابقاً) على المشهد العالمي، تبرز “W Social” كثمرة للتوتر المتصاعد بين الاتحاد الأوروبي وإمبراطوريات التكنولوجيا في وادي السيليكون، خاصة في ظل الخلافات التنظيمية والقانونية الأخيرة.
الهوية والتمويل: ليست مشروعاً رسمياً للاتحاد الأوروبي
على الرغم من التكهنات بأنها “منصة الاتحاد الأوروبي الرسمية”، أوضحت مفوضية الاتحاد الأوروبي أنها لا تمول أو تدير هذا المشروع بشكل مباشر .
بدلاً من ذلك اعلنت “W Social” بأنها تابعة لشركة “We Don’t Have Time AB” السويدية، وهي منظمة معنية بالمناخ والإعلام، ويمتلكها رجل الأعمال إنجمار رينتجوغ .
تقود السويسرية آنا زايتر، المسؤولة السابقة عن الخصوصية في موقع “إيباي”، عملية تطوير المنصة. يضم المجلس الاستشاري للمشروع شخصيات سياسية بارزة مثل نائب المستشار الألماني الأسبق فيليب روسلر . يعتمد تمويل “W Social” على مستثمرين سويديين وساسة سابقين، مما يجعلها مشروعاً خاصاً برؤية أوروبية، وليس أداة بيروقراطية بروكسلية .
السمة الأبرز: لا مجهولين ولا روبوتات
الفرضية الأساسية التي تقوم عليها “W Social” هي مكافحة آفة الحسابات الوهمية (Bots) والتضليل الإعلامي. ولكسر الهيمنة التي تفرضها خوارزميات ماسك وزوكربيرغ، تشترط المنصة آلية تحقق صارمة للمستخدمين.
للتسجيل، يتعين على المستخدم الجديد تحميل بطاقة هوية شخصية وإجراء مسح ضوئي للوجه . تؤكد الإدارة أن هذه البيانات تُحذف فور الانتهاء من عملية التحقق، مما يسمح للمستخدمين لاحقاً بالنشر تحت أسماء مستعارة (Pseudonyms)، لكنه يمنع تماماً النشر المجهول المصدر .
تهدف هذه الخطوة إلى خلق فضاء رقمي قائم على المساءلة والثقة، حيث لا مكان للحسابات الوهمية التي تعج بها منصة “إكس” حاليًا .
السياق السياسي: بين صراع “ديسا” ومحاولة ترامب
لم يولد مشروع “W Social” في فراغ، بل هو رد فعل مباشر على التغيرات الجيوسياسية. بحسب المؤسسين، جاءت الفكرة بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية وانتقاد نائبه جي دي فانس لسياسات أوروبا في تقييد حرية التعبير .
يتزامن إطلاق المنصة مع تصعيد تنظيمي غير مسبوق من قبل الاتحاد الأوروبي ضد الشركات الأمريكية. فقبل أيام، تم تصنيف واتساب ضمن “المنصات الكبيرة جداً” (VLOPs) بموجب قانون الخدمات الرقمية (DSA)، مما يفرض عليها رقابة صارمة لمكافحة المحتوى غير القانوني .
كما فرض الاتحاد الأوروبي غرامة ضخمة بلغت 120 مليون يورو على منصة “إكس” المملوكة لإيلون ماسك بسبب انتهاكات متعددة . في هذا السياق، تأتي “W Social” كبديل “أخلاقي” يمتثل منذ البداية للقوانين الأوروبية الصارمة .
ملامح تقنية وموعد الإطلاق
التقنية: تعتمد المنصة على بروتوكول AT (AT Protocol)، وهو نفس البروتوكول المستخدم في منصة “بلوسكاي” (Bluesky)، مما يعني أن “W Social” ستكون متداخلة مع شبكات أخرى، ما يتيح لمستخدميها الوصول إلى محتوى ونطاق أوسع يصل نظرياً إلى 40 مليون مستخدم من الشبكات المرتبطة بها .
الخصوصية: يتم استضافة البيانات في مركز بيانات تابع لشركة “أب كلاود” في فنلندا، مما يضمن خضوع جميع المعلومات لقوانين الخصوصية الأوروبية الصارمة (GDPR) .
الموعد: من المتوقع أن تنطلق النسخة التجريبية (Beta) خلال فبراير 2026، تمهيداً للإطلاق العام (Launch) المتوقع في نهاية العام نفسه .
التحديات والعقبات
على الرغم من الطموح الكبير، يواجه “W Social” تحديات جمة في كسر الهيمنة الأمريكية:
- الخصوصية مقابل التحقق: قد يُشكّل طلب بطاقة هوية ومسح الوجه حاجزاً نفسياً كبيراً أمام المستخدمين الأوروبيين أنفسهم، الذين يعتبرون الخصوصية خطاً أحمر، ما قد يحد من الجماهيرية مقارنة بتطبيقات آنية كـ “تيك توك” .
- الهيمنة السوقية: لا تزال الشركات الأمريكية تهيمن على أوروبا، حيث يبلغ متوسط المستخدمين النشطين لواتساب وحده نحو 51.7 مليون مستخدم في الاتحاد الأوروبي، بينما تبدأ “W Social” رحلتها من الصفر تقريباً .
خلاصة: تمثل “W Social” إعلانا أوروبياً قوياً لاستعادة السيادة الرقمية في عالم تهيمن عليه الشركات الأمريكية، لكن رهانها الكبير على “التضحية بالمجهولية” قد يكون سلاحاً ذو حدين في معركة الإقناع الجماهيري.





