مقال خاص – “أخبار تك”

عندما يبدأ الحلم على منديل ورقي

في صيف عام 1993، كان ثلاثة مهندسين يجلسون في أحد فروع سلسلة مطاعم “دينيز” (Denny’s) في مدينة سان خوسيه بولاية كاليفورنيا. بين رشفات القهوة وقطع الدجاج المقلي، كانوا يرسمون على مناديل ورقية فكرة قد تغير العالم. لم يكونوا يعلمون أنهم في تلك اللحظة البسيطة يزرعون بذرة شركة ستتحول بعد 33 عاماً إلى أغنى شركة في العالم بقيمة سوقية تجاوزت 5.3 تريليونات دولار .

ذلك الرجل ذو السترة الجلدية السوداء الذي اعتدنا رؤيته على خشبة المسرح في مؤتمرات “إنفيديا” (Nvidia)، جينسن هوانغ (Jensen Huang)، كان في التاسعة والعشرين من عمره آنذاك. شاركه الحلم كريس مالاخوسكي (Chris Malachowsky) و كورتيس بريم (Curtis Priem)، وكلاهما مهندسان من “صن مايكروسيستمز” (Sun Microsystems). كان سؤالهم بسيطاً ومجنوناً في آنٍ واحد: “ماذا لو استطعنا جعل الحاسوب يفكر بالصور؟” .

ذلك السؤال المجنون كان اللبنة الأولى لصناعة ستهز مستقبل الذكاء الاصطناعي. هذا المقال هو رحلة في الزمن، من تلك البدايات المتواضعة إلى الشريحة التي أعلن عنها هوانغ مؤخراً، قائلاً إنها ثمرة 33 عاماً من التطوير المستمر. لن نروي قصة شركة، بل قصة “صبر” تقنية غيرت وجه العالم.

البدايات المتواضعة – من “ريوا” إلى “جيفورس”

1993 -1999: سنوات البقاء على قيد الحياة

لم تكن السنوات الأولى لإنفيديا مفروشة بالورود. في منتصف التسعينيات، واجهت الشركة “موتاً وشيكاً” عدة مرات . كانت المنافسة شرسة، وسوق بطاقات الرسوميات مشبعاً بلاعبين كبار مثل “ثلاثية الأبعاد” (3dfx) و “أي تي أي” (ATI). كان المنتج الأول للشركة، “إنفيديا 1” و “إنفيديا 2″، فاشلين تجارياً ولم يحققا المبيعات المرجوة. في تلك الفترة، كانت الشركة على وشك الإفلاس أكثر من مرة.

لكن الإصرار كان أقوى من الفشل. في عام 1998، أطلقت إنفيديا معالج “ريوا تي إن تي” (RIVA TNT)، وهو أول منتج يحقق للشركة مكانة جادة في السوق . لكن النقطة الفارقة الحقيقية جاءت في عام 1999 مع إطلاق “جيفورس 256” (GeForce 256)، وهو المنتج الذي صاغت له إنفيديا مصطلحاً جديداً تماماً: “وحدة معالجة الرسوميات” (GPU) .

لأول مرة، لم تعد الشريحة مجرد أداة لعرض الصور، بل أصبحت معالجاً مستقلاً يتحمل عبء حساب المؤثرات البصرية، محرراً المعالج المركزي (CPU) من هذه المهمة. أدرك هوانغ وفريقه أن المستقبل لن يكون للمعالجات العامة، بل للمعالجات المتخصصة (Accelerators). لم يكونوا يعرفون بعد إلى أين ستقودهم هذه الرؤية، لكنهم كانوا يضعون حجر الأساس لأعظم ثورة تقنية في القرن الحادي والعشرين.

اللحظة الفارقة – “كودا” تغير قواعد اللعبة

كان عام 2006 هو “الانفجار العظيم” بالنسبة لإنفيديا، بل بالنسبة للذكاء الاصطناعي بأسره.

2006 -2012: الرهان الجريء

في ذلك العام، أطلقت إنفيديا منصة “كودا” (CUDA)، وهو اختصار لـ “بنية الحوسبة الموحدة للأجهزة” (Compute Unified Device Architecture) . كانت الفكرة بسيطة بعبقرية: لماذا لا نفتح قدرات هذه المعالجات المتخصصة للبرمجة العامة؟ لماذا لا نستخدم هذه القوة الهائلة التي طورناها للألعاب في حل المشكلات العلمية المعقدة؟ .

كان هذا تحولاً جذرياً. سمحت “كودا” للباحثين والعلماء باستخدام “وحدات معالجة الرسوميات” كأجهزة حوسبة متوازية لأغراض عامة (GPGPU)، أي استخدامها في مهام تتطلب قوة حسابية هائلة مثل المحاكاة العلمية والمعادلات الرياضية المعقدة . سمحت هذه التقنية للمبرمجين بالكتابة مباشرة بلغة “سي” (C) وتوجيه الأوامر للشريحة لأداء عمليات متوازية هائلة.

ولكن هذا الرهان كان خطيراً جداً. تطوير “كودا” كلف إنفيديا مئات الملايين من الدولارات، وأضاف طبقة هائلة من التعقيد البرمجي لمنتج كان في الأساس مخصصاً للألعاب. في تلك السنوات، سخر المنافسون من الفكرة. بدت “كودا” وكأنها حل بلا مشكلة .

لكن هوانغ كان يرى بعيداً. كان يرى الأفق الذي لم يره الآخرون بعد. كان يعلم أن العالم سيحتاج قريباً إلى هذه القوة، وظل يستثمر فيها سنة بعد سنة، بينما كان الميزان التجاري يشير بالخسارة.

الانفجار – عندما اكتشف العالم ذكاءً اصطناعياً

عام 2012 كان هو الشرارة التي أشعلت كل شيء.

2012 -2017: صعود العمالقة

في ذلك العام، فاز فريق بحثي بقيادة أليكس كريزيفسكي (Alex Krizhevsky) و إيليا سوتسكيفر (Ilya Sutskever) و جيوفري هينتون (Geoffrey Hinton) بمسابقة “إيماج نت” (ImageNet) لتعرف الصور باستخدام شبكة عصبية عميقة اسمها “أليكس نت” (AlexNet). وهنا تكمن المفاجأة: لم يستخدموا معالجات تقليدية، بل استخدموا بطاقتي رسوميات “جيفورس” من إنفيديا. أثبتوا أن وحدات معالجة الرسوميات كانت أكثر كفاءة بمئات المرات من المعالجات المركزية التقليدية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي .

في لحظة سحرية، أدرك العالم كله أن إنفيديا كانت تمتلك طوال هذه السنوات سلاح “الذكاء الاصطناعي” السري، دون أن تدري . ساعات طويلة من تدريب نموذج على وحدات المعالجة المركزية (CPU) أصبحت تُنجز في دقائق على وحدات معالجة الرسوميات (GPU).

بدأ السباق. انطلقت إنفيديا بتركيز كامل على الذكاء الاصطناعي. في عام 2017، مع إطلاق الجيل الأول من نوى “تينسور كور” (Tensor Core)، قدمت الشركة قفزة هائلة في سرعة تدريب الشبكات العصبية، بفارق 12 ضعفاً عن الأجيال السابقة . كانت إنفيديا قد نجحت أخيراً في تحويل الرهان الذي استمر عقداً من الزمن إلى ريادة مطلقة في عالم التكنولوجيا. وحدة معالجة الرسوميات لم تعد مجرد بطاقة شاشة؛ لقد أصبحت “قلب” و “عقل” الحواسيب الخارقة التي تدرب نماذج مثل “شات جي بي تي” (ChatGPT).

الثورة الصامتة – “فيرا روبن” وما بعدها

اليوم، تقف إنفيديا في قمة العالم. قيمتها السوقية تتجاوز 5.3 تريليونات دولار . أداء سهمها في عام 2025 وحده فاق توقعات المحللين جميعاً. وفي مؤتمر “جتك 2026” (GTC 2026) في تايبيه، كشف هوانغ عن أحدث ثمار هذا الجهد الذي دام 33 عاماً: النظام الأساسي “فيرا روبن” (Vera Rubin).

2026 وما بعدها: قفزة عملاقة إلى المستقبل

هذا النظام ليس مجرد شريحة واحدة، بل هو “مركز بيانات كامل في صندوق”، مصمم خصيصاً لعصر جديد من الذكاء الاصطناعي يُسمى “عصر الوكلاء” (Agentic AI)، حيث لا يقوم الذكاء الاصطناعي بالمحادثة فقط، بل يتخذ إجراءات وينفذ مهام معقدة نيابة عنك .

مكونات العبقرية “فيرا روبن”:

النظام بأكمله مكون من سبع رقائق منفصلة تعمل بتناغم كأوركسترا سيمفونية .

الرقائق الأساسية:

  • وحدة معالجة الرسوميات “روبن” (Rubin GPU): مصنعة بتقنية الـ 3 نانومتر، وتحوي 336 مليار ترانزستور وذاكرة فائقة السرعة (ذاكرة الجيل الرابع عالي النطاق) مع نطاق ترددي مذهل يصل إلى 22 تيرابايت في الثانية. أداؤها في مهام التفكير المنطقي يتفوق بأكثر من 5 أضعاف على الجيل السابق .
  • وحدة المعالجة المركزية “فيرا” (Vera CPU): وهي أول معالج مركزي من تصميم إنفيديا بالكامل. يعتمد على معمارية “آرم” (Arm) الموفرة للطاقة. هذا هو إعلان حرب مباشر على “إنتل” (Intel) التي تهيمن على سوق معالجات مراكز البيانات منذ عقود. الهدف هو تسريع تدفق البيانات لضمان عدم وجود اختناقات أمام وحدات معالجة الرسوميات العملاقة .

هذا النظام، الذي قال عنه هوانغ إنه ثمرة 33 عاماً من الابتكار ، مصمم للتعامل مع الاحتياجات الهائلة للمرحلة القادمة من الذكاء الاصطناعي. وهو الآن في مرحلة الإنتاج الضخم بالفعل، وبدأت شركات مثل “أوبن إيه آي” (OpenAI) و “أنثروبيك” (Anthropic) و “إكس إيه آي” (xAI) التابعة لإيلون ماسك في طلبه .

جسر إلى العالم الحقيقي – “آر تي أكس سبارك” (RTX Spark)

لم تكتف إنفيديا بعالم مراكز البيانات الباردة. أرادت أن تلمس حياة كل إنسان. في مؤتمر “كومبيوتكس 2026” (Computex 2026)، الذي انعقد في تايبيه في نهاية مايو، أعلن هوانغ عن شريحة “آر تي أكس سبارك” (RTX Spark)، بالتعاون مع “مايكروسوفت” (Microsoft) و “ميدياتك” (MediaTek) .

هذه الشريحة الصغيرة، المصممة للحواسيب الشخصية، ستجلب قوة مراكز البيانات إلى أجهزتنا المنزلية. تخيل حاسوباً محمولاً رفيعاً بسمك 14 ملم، ولكنه يستطيع تشغيل وكيل ذكاء اصطناعي بقوة 120 مليار معلمة محلياً، دون اتصال بالإنترنت، ودون مشاركة بياناتك مع خوادم خارجية .

بهذه الشريحة، تكتمل دائرة إنفيديا: من رقاقات تدرب الذكاء الاصطناعي في السحاب (هوبر وبلاكويل)، إلى رقاقات تشغله في مراكز البيانات (فيرا روبن)، إلى رقاقات تنشره في أجهزتنا الشخصية (آر تي أكس سبارك).

💎 خلاصة أخبار تك ليس سباقاً، بل ماراثون

بعد هذه الرحلة الطويلة من عام 1993 إلى 2026، يمكننا القول بثقة: إنفيديا لم تبنَ في يوم وليلة. إنها قصة صبر وإصرار بدأت من مقهى متواضع، واستمرت عبر سنوات من الشك والمنافسة الشرسة.

الخلاصة في نقاط:

  1. الإصرار: اللبنة الأولى كانت الحلم. واللبنة الثانية كانت الاستمرار رغم الفشل الذريع في البدايات.
  2. الرؤية: رهان “كودا” كان يعتبر جنوناً في عام 2006، لكنه كان مفتاح المستقبل. إنفيديا لم تتبع السوق، بل صنعته.
  3. الصبر: استغرق الأمر 33 عاماً من الابتكار المستمر للوصول إلى “فيرا روبن” .
  4. التوسع: من الألعاب إلى الذكاء الاصطناعي، ومن السحابة إلى الحواسيب الشخصية. إنفيديا لم تعد شركة رقائق، بل “مهندسة العصر الذكي” بامتياز .

في النهاية، تقف “فيرا روبن” اليوم كتذكار حي على هذه الرحلة الملحمية. إنها ليست مجرد معالج فائق السرعة، بل هي تجسيد مادي لعقود من الهندسة البشرية، التي حوّلت خيال ثلاثة مهندسين في مقهى صغير إلى العصب النابض للاقتصاد الحديث.