رئيسة وزراء إيطاليا الذكاء الاصطناعي

ميلوني : الذكاء الاصطناعي قد يهدد حياة الطبقة الوسطى

🗓️ 2 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 6 دقائق للقراءة

روما – أخبار تك

الذكاء الاصطناعي يقلب النموذج التقليدي رأساً على عقب

في رسالة وجهتها إلى فعالية “الذكاء الاصطناعي والعمل: إدارة التحول، ومضاعفة الفرص، والاستراتيجيات” المنعقدة في روما، أوضحت ميلوني أن البشرية اعتادت على تقدم تكنولوجي يهدف إلى تحسين القدرات البشرية مع التركيز على استبدال العمل البدني، في عالم ظل فيه الإنسان محورياً .

وأضافت: “لقد قلب الذكاء الاصطناعي هذا النموذج رأساً على عقب، لأنه لم يعد العمل البدني البشري هو ما يتم استبداله، بل العقل البشري – أي ما جعل الإنسان دائماً لا يمكن للآلات أن تحل محله” .

تحذير صارخ: عمال بلا فائدة وطبقة وسطى مهددة

وذهبت رئيسة الوزراء إلى أبعد من ذلك محذرة من عواقب عدم إدارة هذه العملية بالشكل الصحيح، حيث قالت: “إذا لم تتم إدارة هذه العملية، فإن المزيد والمزيد من العمال معرضون لخطر أن يصبحوا بلا فائدة، والسيناريو الذي سنواجهه هو سيناريو التدهور التدريجي للطبقة الوسطى” .

البوصلة الأخلاقية: الإنسان في المركز

وشددت ميلوني على أن الذكاء الاصطناعي لن يطلق كامل إمكاناته الإيجابية إلا إذا تطور ضمن إطار من القواعد الأخلاقية التي تضع الإنسان وحقوقه واحتياجاته في الصميم، معتبرة أن هذه “البوصلة” التي أرشدت وستستمر في توجيه عمل الحكومة الإيطالية على جميع المستويات .

الرد الإيطالي – قانون وطني ومرصد دائم

إيطاليا في الطليعة التشريعية

أشارت ميلوني إلى أن إيطاليا تُعد من بين أوائل الدول التي اعتمدت قانوناً وطنياً بشأن الذكاء الاصطناعي، وهو القانون رقم 132 الصادر في سبتمبر 2025، الذي ينسجم مع قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act) .

ويحدد القانون الإيطالي مبادئ واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، بما في ذلك معايير الشفافية، والأمان، وعدم التمييز، وضمان التأثير الإيجابي على جودة العمل والإنتاجية .

مرصد وطني لرصد تأثير الذكاء الاصطناعي على العمل

كشفت ميلوني عن إنشاء “مرصد اعتماد الذكاء الاصطناعي في عالم العمل”، وهو هيئة جديدة تم استحداثها ضمن وزارة العمل والسياسات الاجتماعية، ومكلفة بمهام رصد وتحليل وتوجيه هامة .

ويهدف المرصد، الذي تم إطلاقه رسمياً بموجب مرسوم وزاري في 15 ديسمبر 2025، إلى أن يكون بمثابة “غرفة قيادة دائمة” (Cabina di regia) مسؤولة عن مراقبة تأثيرات الذكاء الاصطناعي على العمليات الإنتاجية وتنظيم العمل والمهارات المطلوبة .

لجنة أخلاقية رفيعة المستوى

يتضمن هيكل المرصد لجنة أخلاقية (Commissione Etica) تضم شخصيات مرموقة مثل الأب باولو بينانتي، للرقابة على عدم المساس بالكرامة الإنسانية أو الحقوق الأساسية بسبب استخدام الأدوات القائمة على الخوارزميات .

وقد أكدت وزيرة العمل مارينا كالديروني أن الهدف هو تجنب أن “تقرر الخوارزميات مصير الناس”، مع التشديد على ضرورة الإبقاء على الإشراف البشري في القرارات التي تؤثر على المسارات المهنية وظروف العمل .

إنجازات عملية بالفعل

وفي تصريحات صحفية، كشفت الوزيرة كالديروني أن وزارة العمل قامت بالفعل بتطبيق الذكاء الاصطناعي في سياسات العمل النشطة، من خلال منصات متخصصة مثل Siisl وAppli وEdo، التي تهدف لمساعدة الشباب والنساء والشباب غير العاملين (NEETs) على دخول سوق العمل .

وأشارت إلى أن إيطاليا تواجه تحدياً يتمثل في وجود 2 مليون شاب خارج سوق العمل، مع انخفاض البطالة إلى مستويات قياسية (أقل من 24 مليون عامل) وصعوبة في العثور على الملفات الوظيفية المطلوبة في قطاع التصنيع، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تقليص هذه الفجوة .

استراتيجية الحكومة – ثلاث ركائز أساسية

ميلوني تحدد خارطة طريق متكاملة

أوضحت رئيسة الوزراء أن الحكومة تعمل على ثلاث توجهات أساسية للتعامل مع تحديات الذكاء الاصطناعي :

1. بناء القدرات (Capacity Building): سد الفجوة بين احتياجات الشركات والمهارات المتاحة، وتعزيز أنشطة إعادة التأهيل والتدريب (reskilling & upskilling) للشباب والكبار على حد سواء طوال الحياة العملية.

2. جودة العمل (Quality of Work): استغلال فرص الذكاء الاصطناعي لتحسين السلامة في أماكن العمل، وتحسين التنظيم، وتحرير الوقت من الأنشطة المتكررة منخفضة القيمة المضافة.

3. الحوكمة والقواعد (Governance & Rules): ضمان شفافية الخوارزميات، وحماية البيانات الشخصية، ومنع التمييز، والاحترام الكامل للحقوق الأساسية.

استثمارات وبنية تحتية

أضافت ميلوني أن الحكومة تعمل أيضاً على جذب الاستثمارات، وتعزيز البنى التحتية الرقمية، ودعم البحث والتجارب، بهدف بناء نظام ابتكاري يولد قيمة وفرص عمل في إيطاليا. وشددت على إيمانها بوجود “طريقة إيطالية للذكاء الاصطناعي”، معتبرة أن البلاد تمتلك التميز والرؤية والتصميم للعب دور ريادي في هذا السيناريو .

البعد الدولي – قيادة إيطاليا لمجموعة السبع

خطة عمل G7 بإشراف إيطالي

أكدت ميلوني أن إنشاء المرصد الوطني يأتي في إطار التزام إيطاليا الأوسع على الصعيد الدولي، والذي تجلى عملياً في القرار الذي اتخذ خلال رئاسة إيطاليا لمجموعة السبع (G7) بوضع خطة عمل بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في مكان العمل .

مونتريال تحتضن اجتماعات وزراء G7

وفي ديسمبر 2025، استضافت مونتريال الكندية اجتماع وزراء الصناعة والرقمنة والتكنولوجيا لمجموعة السبع، حيث تم الاتفاق على خارطة طريق G7 لاعتماد الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إطلاق “مخطط اعتماد الذكاء الاصطناعي للشركات الصغيرة والمتوسطة” و“حزمة أدوات اعتماد الذكاء الاصطناعي للشركات الصغيرة والمتوسطة”، بهدف مساعدة هذه الشركات على تبني التكنولوجيا بوتيرة تناسبها .

إطار موثوق للذكاء الاصطناعي

كما شهد الاجتماع توقيع بروتوكولات جديدة بين كندا والاتحاد الأوروبي بشأن الذكاء الاصطناعي، لتعزيز التعاون وتقليل الاحتكاك التنظيمي وخلق أرضية مستقرة لتطوير حلول رقمية متوافقة على جانبي الأطلسي .

تحديات الواقع – أول قضية فصل بسبب الذكاء الاصطناعي

محكمة روما تفتح باب الجدل

في تطور لافت، أصدرت محكمة روما مؤخراً حكماً اعتبرته الصحافة الإيطالية “تاريخياً”، حيث قضت بشرعية فصل عامل بسبب “إعادة هيكلة مبررة للشركة” جعلت استخدام الذكاء الاصطناعي بعض الأدوار الوظيفية غير ضرورية .

الوزيرة كالديروني تعلق: بحاجة لقراءة متأنية

وعند سؤالها عن هذا الحكم، تبنت وزيرة العمل موقفاً حذراً، قائلة: ” أستطيع القول فقط إنني أريد قراءة الحكم لفهم الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في القرار المعني” .

وأضافت أن السياسة يجب أن تحلل التغيير الجاري، وهنا سيكون للمرصد الجديد دور حاسم في قراءة التحولات الاجتماعية وتفسيرها .

إعادة التفكير في الرفاهية (Welfare)

أقرت الوزيرة بأن التغيير سيكون كبيراً، لكن أحداً لا يستطيع اليوم توقع أبعاده بدقة، مشيرة إلى أن المؤسسات يجب أن تركز على التحليل وقراءة الظاهرة الاجتماعية في ضوء التحول التكنولوجي، لضمان أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة قادرة على مرافقة ودعم المواطن .

خلاصة: نموذج إيطالي في مواجهة العاصفة التكنولوجية

ما تقدمه إيطاليا اليوم هو مزيج من الوعي بالمخاطر (تحذير ميلوني من تآكل الطبقة الوسطى) والاستعداد المؤسسي (قانون وطني ومرصد دائم) والانخراط الدولي (قيادة G7). لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن، مع بدء تطبيق القواعد الجديدة وصدور أولى الأحكام القضائية المتعلقة باستغناء الشركات عن موظفيها بفضل الذكاء الاصطناعي.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تنجح “الطريقة الإيطالية” في تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية الفئات الأكثر هشاشة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.


متابعة “أخبار تك” ( وكالات انباء + مواقع اخبارية