مقال تك
من صناعة الأدب إلى الأدب الاصطناعي
رئيس التحرير
مر الشعر العربي خصوصا والعالمي عموما بمراحل تحول كبرى على مدى قرون. بدأ بـ مرحلة الارتجال والسليقة، حيث كان الشاعر يرتجل القصيدة على البديهة في المحافل والأسواق.
من سيد القول والفعل إلى سيد الأزرار.. رحلة تحول الأدب عبر العصور
في البدء: فارس السيف والقلم
في فجر التاريخ العربي، لم يكن الشاعر مجرد ناظم للقصائد، بل كان فارساً مقاتلاً يجمع بين الشجاعة في ساحات الوغى والبلاغة في ساحات القول. الشاعر العربي القديم كان نموذجاً متكاملاً للبطولة، يحمل السيف بيمينه والقلم أيضاً، ويخوض المعارك في ميادين القتال كما يخوض معاركه الشعرية ببسالة وشراسة .
على رأس هؤلاء الفرسان الشعراء يبرز شعراء كثر من اشهرهم عبد يغوث الحارثي و عنترة بن شداد العبسي، ذلك الفارس الذي جمع بين الشجاعة والشاعرية معاً، فكانت معلقته الخالدة شاهدة على فحولته في الشعر كما كانت سيرته القتالية دليلاً على فروسيته. عنترة لم يكن مجرد شاعر يصف المعارك من بعيد، بل كان فارساً يخوض غمارها ثم يعود ليرويها بأبلغ الكلمات.
وفي صدر الإسلام، استمر هذا النموذج الرائع. برز شعراء كثر جمعوا بين ميدان الحروب وميدان القول، منهم الصحابي الشاعر اليمني ذو الكلاع الحميري، الذي كان من فرسان العرب المعدودين في الصدر الأول من الإسلام، يجاهد بسيفه في المعارك ويجاهد بقصائده في تعزيز الروح المعنوية للمسلمين. ومنهم أيضاً الصحابي الشاعر عبدالله بن رواحة، أحد أبطال معركة مؤتة، الذي استشهد فيها بعد أن قاتل قتال الأبطال وأنشد أشعاراً خالدة.
مع دخول الدولة العربية طوراً جديداً من الرخاء والازدهار، بدأت صورة الشاعر تتحول تدريجياً. لم يعد الفارس المحارب هو النموذج الوحيد للشاعر، بل ظهر نموذج جديد يركز على فحولة القول بدلاً من فحولة الفروسية.
في العصر العباسي ، بلغ هذا التحول ذروته مع بروز شعراء عظام حافظوا على الفروسية والشاعرية معا أمثال أبي الطيب المتنبي، و أبو فراس الحمداني هاذين الشاعرين العملاقين ما زال شعرهما العالي يتزاوج مع الفروسية . المتنبي جسد نموذج الشاعر الذي يمتلك “فحولة القول” بامتياز، حيث كانت قصائده أشبه بجيوش جرارة تفتح القلوب والعقول. وأما الحمداني فقد كان الشعر رفيقه في محبسه بعد قتاله ضد الروم في معارك كثيرة..
ومع تقدم العصور، انحسر نموذج الشاعر الفارس و استمر هذا التحول حتى اكتفى الشعراء بنظم الشعر وبث الحماسة في نفوس الجماهير العربية من وراء القصائد، دون أن يشاركوا في الأحداث بأنفسهم. أصبح الشاعر مراقباً ومعلقاً، لا فاعلاً رئيسياً في الأحداث الكبرى.
من سيد القول والفعل إلى سيد الأزرار
مع دخول الأدب طور الذكاء الاصطناعي، اكتمل التحول الجذري. لم يعد الأديب اليوم فارساً يخوض المعارك، ولا حتى خطيباً يخطب في المحافل الا فيما ندر ، بل أصبح “سيد الأزرار والفيسات”، يدوزن قصائده على لوحة مفاتيح حاسوبه أو شاشة جواله الخاص.
هذا التحول لم يقتصر على وسيلة الكتابة فقط، بل امتد ليشمل عملية الإبداع ذاتها. فاليوم، يحاور أغلب الشعراء والأدباء (في كل انحاء العالم) الذكاء الاصطناعي ليخرجوا بأفضل قصيدة ممكنة، تمزج بين شاعرية الإنسان وذكاء الآلة. لم يعد الشاعر يعتمد فقط على موهبته الفطرية وخبرته المتراكمة، بل بات يستشير الخوارزميات والنماذج اللغوية الكبيرة لتحسين قوافيه وتطوير صوره الشعرية.
ربما يكون الجمع بين شاعرية الإنسان وذكاء الآلة هو الصيغة الجديدة للفحولة الشعرية في عصرنا الرقمي.
أخبار تك تضع سؤالاً محوريا في هذا السياق : هل يمكن صياغة مصطلح “الأدب الاصطناعي”؟ السؤال لم يعد نظرياً. مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي ووكلائه، أصبح هذا المصطلح واقعاً يفرض نفسه على المشهد الأدبي العالمي.

ما هو “الأدب الاصطناعي”؟
“الأدب الاصطناعي” (Artificial Literature) هو مصطلح حديث يشير إلى الأعمال الأدبية (روايات، قصص، شعر، مسرحيات) التي يتم إنتاجها أو المشاركة في إنتاجها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي .
هذه الأنظمة لا تكتفي بإعادة ترتيب الكلمات، بل تتعلم من كميات هائلة من النصوص البشرية السابقة أنماط اللغة، التراكيب، الحبكات، وحتى الأساليب الأدبية لمختلف الكتاب العالميين من مختلف الحضارات والثقافات . ثم تعيد إنتاج هذه الأنماط في صياغات جديدة تماماً .
الأدب العربي في عصر الذكاء الاصطناعي؟
بينما يحتدم النقاش العالمي حول الأدب الاصطناعي، لا يقف العالم العربي متفرجاً. بل على العكس، هناك تجارب رائدة ومشاريع بحثية جادة تعيد تعريف العلاقة بين اللغة العربية والتكنولوجيا.
أول رواية عربية بالذكاء الاصطناعي: “البراح”
في طليعة هذه التجارب، تبرز رواية “البراح”، التي توصف بأنها أول رواية عربية تفاعلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي . العمل ليس مجرد نص مكتوب، بل هو مشروع متكامل من تأليف ريهان حسني (جامعة كامبريدج) ومحمد عبد المنعم ناصف (جامعة ليدز)، وتم إطلاق نسخته التجريبية في 2019 قبل أن يصدر في أكتوبر 2021 .
ما الذي يميز “البراح”؟
- هيكل فريد: الرواية تحكي قصتين متعاكستين؛ إحداهما عن العالم العربي بعد الربيع العربي بعنوان “الآخرون”، والأخرى عن قارة أطلانطس المفقودة بعنوان “الأولون”. يجب على القارئ قلب الكتاب رأساً على عقب ليقرأ القصة الأخرى، وتلتقي القصتان في منتصف الكتاب .
- دمج الورقي بالرقمي: الرواية عبارة عن كتاب مطبوع يتكامل مع تطبيق واقع معزز (AR). عندما يمسح القارئ صور الكتاب بهاتفه، تنبثق مقاطع فيديو ثلاثية الأبعاد وهولوغرامات تكمل السرد الرقمي .
- تفاعل القارئ: الموقع الإلكتروني للرواية يتيح للقراء المشاركة بتجاربهم الشخصية، والتعليق على خيوط السرد، بل وحتى تسجيل قصائد أو أغان مستوحاة من أحداث الرواية .
هذا المشروع الذي حصل على تنويه خاص في جائزة روبرت كوفر للمنظمة الدولية للأدب الإلكتروني عام 2022، يقدم نموذجاً عربياً رائداً للدمج بين الذكاء الاصطناعي والأدب .

جهود أكاديمية وبحثية: هل تفهم الآلة بلاغة العرب؟
في العمق الأكاديمي، هناك جهود حثيثة لفهم قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع خصوصية اللغة العربية:
- البلاغة العربية تتحدى الآلة: دراسة حديثة (2026) من جامعة الملك سعود بقيادة د. هالة سمان ود. صالح بلحسن حللت قدرة الذكاء الاصطناعي على ترجمة خطبة عربية كلاسيكية (لقطري بن الفجاءة) تتسم بالسجع والتوازي والإيقاعات الوجدانية. الدراسة كشفت “فجوة البلاغة” حيث أخفقت الآلة في نقل هذه الطبقات المعقدة من المعنى .
- كشف النص المولد آلياً: باحثون في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بقيادة معتز علي كمال الدين أحمد نشروا دراسة شاملة (2026) للكشف عن النصوص العربية المولدة بالذكاء الاصطناعي، وطوروا نماذج قادرة على التمييز بين النص البشري والآلي بدقة تصل إلى 99% في السياقات الرسمية .
- تشكيل الحرف العربي: باحثون من جامعة الشارقة طوروا نموذج “SukounBERT.v2” الذي يعيد تشكيل الحروف العربية (إضافة الحركات) بدقة غير مسبوقة، مما يساعد على قراءة النصوص التراثية والأدبية بطلاقة .
بنية تحتية عربية للذكاء الاصطناعي الأدبي
لا يمكن للأدب الاصطناعي أن يزدهر دون بنية تحتية تقنية تدعم اللغة العربية:
- فنار 2.0: منصة قطرية متخصصة في المحتوى العربي التوليدي، تتميز بقدرتها على إنشاء “شعر عربي أصيل” وفهم اللهجات المختلفة، مع الحفاظ على الهوية الثقافية .
- عربي إي آي : منصة متكاملة تقدم أدوات لكتابة المحتوى الإبداعي والتسويقي بالعربية .
- نقاش أكاديمي دولي: مجلة Language Resources and Evaluation أصدرت عدداً خاصاً (مارس 2026) عن النماذج اللغوية العربية، بمشاركة باحثين من أرقى الجامعات العربية والدولية، لمناقشة تحديات تطوير ذكاء اصطناعي يفهم خصوصية اللغة العربية ولهجاتها وثقافتها .
الكاتب البشري بين الخوف والاستفادة
دراسة من جامعة باث شملت 225 طالباً جامعياً خلصت إلى نتائج مزدوجة:
- استخدام ChatGPT يحسن إبداعية المخرجات ويقلل الجهد المطلوب للمهمة، خاصة لغير الناطقين بالإنجليزية كلغة أم.
- لكنه في المقابل يقلل من متعة الإنجاز والشعور بالملكية الفكرية، ويثير مخاوف أخلاقية لدى المستخدمين .
تحذير تيد شانغ، كاتب الخيال العلمي المرموق، يذهب إلى جوهر المشكلة. في مقالته الشهيرة، يرى أن الفرق بين الكتابة البشرية والكتابة الآلية هو “عدد الخيارات” التي يتخذها الكاتب. رواية من 10 آلاف كلمة تعني حوالي 10 آلاف خيار واعٍ. بينما الذكاء الاصطناعي، الذي يتلقى بضع مئات من الكلمات كتعليمات، لا يتخذ خيارات بل يملأ الفراغات بمتوسطات مملة من نصوص الآخرين .
مستقبل المصطلح: هل ننحت “الأدب الاصطناعي”؟
السؤال الذي طرحته المقدمة: هل يمكن صياغة ونحت مصطلح “الأدب الاصطناعي”؟
الإجابة: ليست ممكناً فحسب،فالمصطلح بدأ يظهر في الأبحاث الأكاديمية والمقالات النقدية. الصين، على سبيل المثال، تناقش بجدية ما يسمى “الأدب المولد بالذكاء الاصطناعي” وعلاقته بالإنسانيات .
التحديات:
- كيف نميز بين الأدب البشري الخالص والأدب المنتج آلياً؟ بعض الدول بدأت مبادرات مثل “الشهادة العضوية للأدب” (Organic Literature Certification) التي تمنحها شركة Books By People البريطانية للكتب التي يكتبها بشر فقط .
- هل يمكن للآلة أن تنتج أدباً حقيقياً يحمل بصمة إنسانية؟ تيد شانغ يعتقد أن القيمة الأدبية الحقيقية تكمن في “الخيارات المتعددة” التي يتخذها الكاتب عبر آلاف الكلمات، وهي خيارات لا تستطيع الآلة محاكاتها .