تكنولوجيا
كيف تحولت نيروبي ولاغوس إلى قبلة التكنولوجيا الأفريقية؟
نيروبي – أخبار تك
في هذا التحقيق، نأخذكم في رحلة إلى “وادي السيليكون في السافانا”، حيث تتحول التحديات إلى فرص، وتصبح التكنولوجيا أداة تغيير حقيقية.
لاغوس.. المدينة التي تتفوق على نفسها
في مفاجأة كبرى لم يتوقعها الكثيرون، تمكنت مدينة لاغوس النيجيرية من خطف لقب أسرع النظم البيئية التكنولوجية نمواً في العالم لعام 2025، وفقاً لمؤشر متخصص في تقييم النظم التكنولوجية العالمية. هذا التصنيف وضع لاغوس في مرتبة متقدمة على مدن كبرى معروفة عالمياً في عالم التكنولوجيا.
الأرقام المتعلقة بهذا النمو مذهلة حقاً. قيمة النظام التكنولوجي في لاغوس تقدر بنحو 15.3 مليار دولار، مع زيادة في قيمة الشركات الناشئة بمقدار أحد عشر ضعفاً ونصف تقريباً منذ عام 2017. واليوم، تحتضن المدينة أكثر من ألفي شركة ناشئة، وتستحوذ على ما بين ثمانين إلى تسعين بالمئة من إجمالي مشهد الشركات الناشئة في نيجيريا.
لكن ما يميز لاغوس حقاً هو قدرتها على إنتاج عمالقة تكنولوجيين حقيقيين. المدينة تفتخر اليوم بوجود خمس شركات “يونيكورن”، وهي الشركات الناشئة التي تتجاوز قيمتها المليار دولار. من أبرزها شركة إنترسويتش المتخصصة في المدفوعات الرقمية، وفلترويف التي تعمل في تحويل الأموال، وجوميا عملاق التجارة الإلكترونية، وأوباي ومونيبويت في مجال الخدمات المالية.
هذه الشركات استطاعت جذب أكثر من ستة مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين عامي 2019 و2024، وهو ما يمثل أكثر من سبعين بالمئة من إجمالي تدفقات التكنولوجيا إلى نيجيريا.
ما يلفت الانتباه في تجربة لاغوس هو الدور النشط للحكومة المحلية. حاكم لاغوس يؤمن بأن الحكم في القرن الحادي والعشرين يجب أن يكون رقمياً وشاملاً وقائماً على البيانات. المدينة تشهد مشاريع بنية تحتية طموحة، أبرزها بطاقة النقل المتكاملة التي صممها مهندسون في أواخر العشرينات من عمرهم، ويستخدمها الآن أكثر من ستة ملايين ونصف المليون مواطن في القطارات والحافلات والعبارات.
كما يجري حالياً إنشاء مركز كاسي كلاود للبيانات في منطقة ليكي باستثمارات تصل إلى 250 مليون دولار. هذا المركز سيوفر قدرات حوسبة متطورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع قدرة تصل إلى مئة ميغاواط عند اكتماله، بدعم من الصندوق السيادي النيجيري.

نيروبي.. التكنولوجيا تنقذ الأرواح
بينما تتفوق لاغوس في الكم والسرعة، تتميز نيروبي الكينية بالعمق والتركيز على حل المشكلات الحقيقية التي تواجه المجتمع. في قمة إقليمية كبرى عقدت في نيروبي مؤخراً، كانت المفاجأة أن ثلاثة من الجوائز الخمس الكبرى ذهبت لشركات كينية محلية، في إشارة واضحة إلى نضوج النظام البيئي الكيني وقدرته على المنافسة إقليمياً ودولياً.
الشركات الفائزة تعكس توجه الابتكار الكيني نحو معالجة ما يسمى بـ”التهديد الثلاثي” الذي تواجهه البلاد. لنلق نظرة على هذه الشركات الثلاث، فهي تروي قصة مختلفة عن التكنولوجيا.
الشركة الأولى هي “ريو فيش”، التي تقودها أنجيلا أوجيرو، وهي تعمل على تطوير تربية الأسماك المستدامة. لكن ما تفعله أنجيلا يتجاوز مجرد إنتاج الغذاء. الشركة تركز على تمكين المرأة والشباب الذين كانوا مهمشين تاريخياً في هذا القطاع، مما يعني أنها لا تنتج غذاءً فحسب، بل تبني هيكلاً اجتماعياً أكثر عدالة في المناطق الريفية.
الشركة الثانية هي “إم-تاكا”، التي ابتكرها بنسون أبيلا في مدينة كيسومو. بنسون طور منصة رقمية تربط الأسر بجامعي النفايات وبشركات إعادة التدوير. ما يفعله في جوهره هو إضفاء الطابع الرسمي على الاقتصاد غير الرسمي، وتحويل عمل غير منظم إلى قطاع منظم يضمن كرامة العاملين فيه. إنها تكنولوجيا تمنح كرامة لمن كانوا يعملون في الظل.
الشركة الثالثة هي “ملايكا”، التي شارك في تأسيسها فيكتور موراجي ندجوا، وفازت بجائزة التكنولوجيا الصحية عن عملها في خفض وفيات الأمهات. المنصة تقدم رعاية حمل متكاملة وبأسعار معقولة عبر كينيا، لتثبت أن التكنولوجيا يمكن أن تكون منقذة حياة في المناطق المحرومة من الخدمات الصحية.
ما يميز فوز هذه الشركات هو السياق المالي الأوسع. قمة سانكالپ التي عقدت في نيروبي هي مبادرة هندية الأصل، وتمثل ما يسمى بـ”نهوض الجنوب العالمي”. بدلاً من الاعتماد على رأس المال الغربي الذي غالباً ما يفرض نماذج أعمال لا تتناسب مع السياق المحلي، بدأت أفريقيا في تبادل الأفكار ورؤوس الأموال مع الهند وأميركا اللاتينية. وكما قالت مديرة منتدى سانكالپ، فإن الجنوب العالمي الآن يتبادل الأفكار ورؤوس الأموال داخلياً. هذا التحول قد يكون أكثر استدامة على المدى الطويل، لأنه يجلب مستثمرين يفهمون تحديات الأسواق الناشئة بعمق.

تحديات وطموحات :
رغم كل هذا الزخم والنجاحات الملهمة، لا تزال هناك عقبات كبيرة تواجه رواد الأعمال في القارة الأفريقية.
أول هذه التحديات وأكثرها إلحاحاً هو البنية التحتية المتعثرة. الفجوات الهيكلية في قطاعات الطاقة والنقل والإنترنت تعني أن رواد الأعمال غالباً ما يضطرون إلى تصميم حلولهم حول الهشاشة، بدلاً من البناء على أرض صلبة. في لاغوس تحديداً، البنية التحتية لا تواكب الطموح الكبير للمدينة، وهناك حاجة ماسة إلى تحسين جودة الحياة لجذب أفضل المواهب واستبقائها.
التحدي الثاني يتعلق بتمويل المراحل المتأخرة. رغم تدفق رأس المال الجريء إلى القارة بشكل غير مسبوق، لا تزال الشركات الناشئة تعاني من نقص التمويل في المراحل المتأخرة، مثل مرحلة السلسلة C وما بعدها. التحدي الأكبر ليس فقط في جذب التمويل، بل في الحصول على عملة صعبة بتقييمات عادلة، دون شروط تقيد نموذج العمل المحلي.
التحدي الثالث هو التقلبات التنظيمية. المستثمرون ما زالوا قلقين من التغيرات المفاجئة في السياسات، خاصة في مجالات الصرف الأجنبي، وتراخيص التكنولوجيا المالية، والأصول الرقمية. ما يحتاجه رواد الأعمال هو خرائط طريق تنظيمية شفافة، وبيئات تجريبية محددة زمنياً، بدلاً من التحولات المفاجئة في السياسات التي تعطل مسار النمو.
أفريقيا تبني نموذجها الخاص.. وتلهم العالم
ما يحدث في نيروبي ولاغوس ليس مجرد تقليد لوادي السيليكون الأميركي. إنه ابتكار أصيل ينبع من تحديات حقيقية ويبحث عن حلول محلية.
في لاغوس، الابتكار يعني الحجم والسرعة، وقدرة على التوسع الهائل في سوق ضخمة. في نيروبي، الابتكار يعني العمق والأثر الاجتماعي، وتكنولوجيا تمس حياة الناس اليومية. كلا المدينتين تقدمان نموذجاً مختلفاً عما نراه في الغرب: تكنولوجيا لا تهدف فقط لجني الأرباح، بل لحل مشكلات يومية تمس حياة الملايين، من أمن غذائي إلى رعاية صحية إلى إدارة نفايات.
لاغوس تتصرف بالفعل وكأنها عاصمة للشركات الناشئة، والاعتراف العالمي الكامل سيأتي عندما تلحق بنيتها التحتية وحوكمتها بطموحها الكبير. أما نيروبي، فتثبت أن الابتكار لا يحتاج دائماً إلى رأس مال ضخم، بل إلى فهم عميق للمشكلة ورغبة صادقة في حلها.
وعندما تتحول جوائز قمة إقليمية إلى ثلاثة شركات محلية، فهذا يعني أن النظام البيئي قد نضج بما يكفي ليصبح لاعباً رئيسياً في رسم مستقبل التكنولوجيا الأفريقية.
السؤال الأكبر الذي يبقى مفتوحاً: هل تستطيع الحكومات الأفريقية مواكبة طموح رواد أعمالها؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت “السافانا الرقمية” ستظل مجرد وعد، أم ستتحول إلى حقيقة تقود قارة بأكملها نحو المستقبل.
ما نتعلمه من أفريقيا هو أن التكنولوجيا ليست حكراً على أحد. هي أداة في متناول من يجرؤ على استخدامها، بغض النظر عن موقعه على الخريطة. وإذا استطاع شباب في نيروبي ولاغوس بناء شركات عالمية تواجه تحديات مستحيلة، فإن شبابنا العربي قادر على فعل الشيء نفسه. المهم أن نؤمن بأنفسنا أولاً.
“أخبار تك”
أفريقيا بعين تكنولوجية