تكنولوجيا

بيانات الضرائب الصينية قطاع التكنولوجيا ينمو 16% والاستثمارات تتجه للذكاء الاصطناعي

🗓️ 13 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 7 دقائق للقراءة

بكين – أخبار تك

الصين تحقق قفزة نوعية في بداية “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”

بينما تركز الأنظار على سباق التكنولوجيا المحموم بين واشنطن وبكين، تكشف بيانات رسمية صادرة عن الهيئة الوطنية للضرائب في الصين عن زخم غير مسبوق في قطاع التكنولوجيا والابتكار خلال الشهرين الأولين من العام الجاري . هذه الأرقام، التي تأتي في بداية تنفيذ “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” (2026-2030)، تقدم دليلاً ملموساً على أن بكين تمضي قدماً في استراتيجيتها الطموحة لتحقيق الريادة التكنولوجية العالمية، مستفيدة من مزيج فريد من الاستثمارات الضخمة، والسياسات الداعمة، والتركيز على دمج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الحقيقي.

في هذا التقرير، نستعرض بالتفصيل أحدث البيانات والإحصاءات التي ترسم صورة واضحة عن تقدم الصين في سباق الذكاء الاصطناعي، مع تحليل دلالاتها الاستراتيجية على المستويين المحلي والدولي.

أرقام قياسية في قطاع التكنولوجيا

نمو مزدوج الرقم في قطاع التكنولوجيا

كشفت بيانات الفواتير الصادرة عن مصلحة الدولة للضرائب في الصين أن إيرادات مبيعات قطاع التكنولوجيا الفائقة (High-tech Industries) سجلت نمواً سنوياً بلغ 16.1% خلال شهري يناير وفبراير 2026 . هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل يعكس زخماً قوياً ومستداماً في القطاعات الأكثر تقدماً في الاقتصاد الصيني.

تشن بين كاي (Chen Binkai)، نائب رئيس جامعة العلوم المالية والاقتصاد المركزية في بكين، علق على هذه البيانات قائلاً: “في السنة الأولى من الخطة الخمسينية الخامسة عشرة، تظهر الصناعات الابتكارية في الصين خصائص متكاملة تتمثل في حيوية صناعية أكبر، وتدفق أكثر سلاسة لعوامل الإنتاج، وتكامل أعمق بين الاقتصاد الرقمي والواقعي. هذا يعكس تعزز القوى الدافعة الداخلية للتنمية القائمة على الابتكار في الصين” .

تفاصيل النمو: الخدمات التقنية تقود المسيرة

عند تفكيك هذه الأرقام، نجد أن قطاع الخدمات التقنية العالية (High-tech Services) كان الأكثر تألقاً، حيث سجل نمواً بلغ 17.2% على أساس سنوي . الأكثر إثارة للاهتمام هو النمو القوي في قطاع الخدمات الوسيطة التقنية، الذي قفز بنسبة مذهلة بلغت 25.6%، كما سجل قطاع البحث العلمي الطبيعي والتطوير التجريبي نمواً بنسبة 17.4% .

هذه الأرقام تشير إلى أن الصين لا تبني فقط مصانع للتكنولوجيا، بل تنشئ نظاماً بيئياً متكاملاً يشمل البحث والتطوير والخدمات الوسيطة التي تسهل نقل التكنولوجيا من المختبرات إلى السوق.

قطاع التصنيع التقني: نمو بقيادة الاقتصاد المنخفض الارتفاع

قطاع التصنيع التقني العالي (High-tech Manufacturing) سجل نمواً سنوياً بلغ 14.5% . لكن اللافت هنا هو القطاعات الفرعية التي قادت هذا النمو. قطاع تصنيع معدات الطيران والفضاء قفز بنسبة استثنائية بلغت 28.5%، وقطاع تصنيع المعدات الإلكترونية ومعدات الاتصالات نما بنسبة 18.4% .

المحركات الرئيسية لهذا النمو، وفقاً للبيانات الرسمية، كانت قطاعات “الاقتصاد المنخفض الارتفاع” (Low-altitude Economy)، والملاحة التجارية (Commercial Space)، والإلكترونيات الاستهلاكية (Consumer Electronics) . هذا يشير إلى استراتيجية صينية واضحة لربط التقدم التكنولوجي بقطاعات اقتصادية جديدة ومبتكرة.

“كندا : منصة رقمية للنمذجة الوطنية

تسارع تكامل الاقتصاد الرقمي والواقعي

استثمارات الشركات في التحول الرقمي

أحد المؤشرات الأكثر أهمية في البيانات الصادرة هو النمو في إنفاق الشركات على شراء التقنيات الرقمية، الذي ارتفع بنسبة 10.8% على أساس سنوي خلال أول شهرين من العام . هذا الرقم يعكس تسارعاً في عملية تحول الشركات الصينية نحو الرقمنة، وهو ما تصفه البيانات الرسمية بأنه “ارتقاء وتطوير التحول الرقمي للصناعات” .

الأكثر إثارة هو أن إنفاق شركات قطاع التصنيع على التقنيات الرقمية قفز بنسبة 16% . هذا يعني أن المصانع الصينية، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الحقيقي، تعمل على تحديث أنظمتها ودمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج بوتيرة متسارعة.

نمو قطاع الاقتصاد الرقمي الأساسي

إيرادات مبيعات قطاع الاقتصاد الرقمي الأساسي نمت بنسبة 10.8% على أساس سنوي . هذا القطاع ينقسم إلى قسمين رئيسيين:

  • قطاع تصنيع المنتجات الرقمية: نما بنسبة 13.3%
  • قطاع تطبيقات التقنيات الرقمية: نما بنسبة 11.9%

هذه الأرقام تشير إلى أن الصين تبني بنية تحتية رقمية متكاملة، تشمل التصنيع (الأجهزة والرقاقات) والتطبيقات (البرمجيات والخدمات)، وهي استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في سلسلة القيمة الرقمية.

شركات التكنولوجيا الصينية.. استثمارات ذكية تعيد تشكيل السوق

بايت دانس تقود استثمارات الذكاء الاصطناعي

في يناير الماضي، كشفت تقارير أن شركة بايت دانس (ByteDance)، المالكة لتطبيق تيك توك، تعتزم رفع إنفاقها الرأسمالي في عام 2026 إلى حوالي 160 مليار يوان (حوالي 22 مليار دولار)، مقارنة بـ 150 مليار يوان في العام السابق . وفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز، تم تخصيص نحو 85 مليار يوان (حوالي 11.7 مليار دولار) لشراء رقاقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك طلب اختباري لشراء 20 ألف رقاقة من طراز H200 من شركة إنفيديا .

القارة السمراء على خريطة الذكاء الاصطناعي.. استثمارات عملاقة تغير ملامح أفريقيا الرقمية

هذه الأرقام الضخمة تضع بايت دانس في موقع متقدم بين المستثمرين في الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي، وتعكس التزام الشركة الصينية بتطوير قدراتها في هذا المجال الحيوي.

مجموعة علي بابا.. رهان استراتيجي على الذكاء الاصطناعي

في السياق نفسه، أعلنت مجموعة علي بابا القابضة أنها تخطط لاستثمار أكثر من 380 مليار يوان (حوالي 52 مليار دولار) خلال السنوات الثلاث المقبلة في البحث والتطوير والبنية التحتية . هذا الرقم الضخم يؤكد أن الشركة تضع الذكاء الاصطناعي كأولوية استراتيجية قصوى، في إطار سعيها لتعزيز قدرتها التنافسية في سباق التكنولوجيا العالمي.

فلسفة استثمارية مختلفة عن أميركا

اللافت في استثمارات الشركات الصينية هو أنها تركز بشكل أكبر على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ودمجها في المنصات القائمة، بدلاً من التركيز فقط على بناء نماذج ضخمة كما تفعل نظيراتها الأميركية . هذا التوجه يعكس فلسفة استراتيجية ترى أن العائد الحقيقي على استثمارات الذكاء الاصطناعي سيأتي من الاستخدام الواسع في الحياة اليومية، وليس فقط من بناء نماذج لغوية عملاقة.

كارولاين كاي (Caroline Cai)، الرئيسة التنفيذية لصندوق “بزينا إنفستمنت مانجمنت”، أوضحت أن الصندوق الذي تديره (بقيمة 3.9 مليار دولار) عزز استثماراته في شركات صينية مثل تينسنت وعلي بابا، مشيرة إلى أن “جودة النماذج التي يجري تطويرها والتركيز على التطبيقات قد تكون طريقة أكثر إثارة للاهتمام لتحقيق عائدات من الذكاء الاصطناعي مقارنة بما نراه في العالم المتقدم” .

حركة تدفق عناصر الابتكار

قطاع الخدمات التقنية والبحثية

من أبرز المؤشرات على حيوية النظام البيئي للابتكار في الصين هو النمو القوي في قطاع الخدمات التقنية والبحثية، الذي سجل زيادة في الإيرادات بلغت 23.6% خلال أول شهرين من العام . هذا القطاع، الذي تصفه البيانات الرسمية بأنه “أرضية مهمة لتكامل عناصر التكنولوجيا وتحويل القيمة”، يشمل خدمات مثل الاستشارات التقنية، وتطوير البرمجيات، والبحوث التعاقدية.

قطاع الصناعات كثيفة الملكية الفكرية

قطاع الصناعات كثيفة الملكية الفكرية (براءات الاختراع) سجل نمواً في الإيرادات بلغ 12.8% على أساس سنوي . هذا الرقم يعكس تزايد الاعتماد على الابتكارات المحمية بحقوق الملكية الفكرية كمصدر للقيمة الاقتصادية، وهو مؤشر على تحول الصين نحو اقتصاد قائم على المعرفة.

دلالات استراتيجية للسباق العالمي

عام 2026.. نقطة تحول في الإنفاق الرأسمالي الصيني

تشير تقديرات محللي بنك تشونغ يو للأوراق المالية إلى أن عام 2026 قد يكون “عاماً كبيراً للإنفاق الرأسمالي المحلي” في الصين، مع تأخر الشركات الصينية عن نظيراتها الأميركية بحوالي عام في دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي . هذا يعني أن الصين تدخل الآن مرحلة جديدة من التوسع في قدرات الحوسبة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مما قد يساهم في تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة.

منافسة على جبهتين: الرقاقات والتطبيقات

البيانات الصينية الرسمية تكشف عن استراتيجية ذات شقين: من ناحية، العمل على زيادة الاعتماد على الرقاقات المحلية (مع توقعات بارتفاع نسبة الاكتفاء الذاتي من 58% في 2025 إلى 93% في 2028) ، ومن ناحية أخرى، التركيز على التطبيقات والاستخدامات الواسعة للذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الحقيقي.

كما لاحظت كارولاين كاي: “الشركات الصينية تحتفظ باحتياطيات نقدية هائلة (224 مليار دولار لأكبر خمس شركات إنترنت)، وهذا يمنحها قدرة على الاستثمار الاستراتيجي في المجالات الواعدة” .

الحرب الأسترالية على عمالقة التكنولوجيا: معركة شرسة لحماية الأطفال في العصر الرقمي

الأرقام والإحصاءات التي استعرضناها في هذا التقرير ترسم صورة واضحة لاستراتيجية الصين في سباق الذكاء الاصطناعي. إنها لا تركز فقط على بناء نماذج لغوية عملاقة أو شراء رقاقات متطورة، بل تبني نظاماً بيئياً متكاملاً يشمل:
  • الاستثمار في البحث والتطوير الأساسي (نمو 23.6% في قطاع الخدمات التقنية)
  • تطوير التصنيع المتقدم (نمو 28.5% في قطاع الطيران والفضاء)
  • دمج التكنولوجيا في الاقتصاد الحقيقي (ارتفاع إنفاق المصانع على التقنيات الرقمية بنسبة 16%)
  • دعم الشركات العملاقة (استثمارات بايت دانس وعلي بابا)
  • تعزيز الملكية الفكرية (نمو 12.8% في الصناعات كثيفة الابتكار)

هذا النهج الشامل قد يكون المفتاح لنجاح الصين في تحقيق أهدافها الطموحة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي. كما لاحظ تشن بين كاي، الأستاذ في جامعة بكين: “الأداء القوي في بداية 2026 يرسخ الأساس الصناعي للاعتماد على الذات التكنولوجي، ويفعّل حيوية قوى الإنتاج الجديدة، ويبرز الدور المحوري للابتكار في دعم التنمية عالية الجودة” .

السؤال الوحيد الذي يبقى مفتوحاً: هل ستكون هذه الاستراتيجية المتكاملة كافية لتعويض الفجوة في الرقاقات المتطورة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

أخبار تك