الأمن السيبراني
شركة كيفن مانديا تواجه هجمات الذكاء الاصطناعي بوكيل اصطناعي
أخبار تك
بعد أربع سنوات من بيعه شركته ماندينت (Mandiant) لشركة البحث (غوغل) مقابل 5.4 مليار دولار، يعود رجل الأعمال الأسطوري في عالم الأمن السيبراني كيفن مانديا (Kevin Mandia) إلى الساحة بصفقة قد تكون الأهم في تاريخ الاستثمارات المبكرة للقطاع .
شركته الناشئة الجديدة أرمادين (Armadin) أعلنت هذا الأسبوع عن إغلاق جولة تمويلية ضخمة جمعت قرابة 190 مليون دولار في مزيج من التمويل التأسيسي (Seed) والسلسلة أ (Series A)، في رقم قياسي يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسات في عصر الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي .
الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة. مشاركة صندوق إن-كيو-تيل (In-Q-Tel) ، الذراع الاستثمارية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، في هذه الجولة ترسل رسالة واضحة: ما تبنيه أرمادين ليس مجرد شركة ناشئة عادية، بل مشروع له بعد استراتيجي وأمن قومي .
في هذا التقرير، نكشف تفاصيل هذه الاستثمارات الضخمة، وكيف تخطط أرمادين لاستخدام الذكاء الاصطناعي لمحاربة الذكاء الاصطناعي، في معركة ستحدد ملامح الأمن السيبراني للعقد القادم.
من هو كيفن مانديا ولماذا استثماره مهم؟
كيفن مانديا ليس اسماً عادياً في عالم الأمن السيبراني. على مدى عقدين من الزمن، بنى سمعة كأحد أبرز خبراء الاستجابة للاختراقات الأمنية في العالم. شركته ماندينت، التي أسسها عام 2004، أصبحت المرجع الأول في التحقيق في أكبر الهجمات الإلكترونية، بما في ذلك اختراق شركة سولارويندز (SolarWinds) الشهير الذي هز الولايات المتحدة قبل سنوات .
رحلته مع الشركة كانت مليئة بالتحولات: باع ماندينت لشركة فايرآي (FireEye) عام 2013، ثم اشتراها مرة أخرى، وفي النهاية استحوذت عليها شركة البحث (غوغل) عام 2022 مقابل 5.4 مليار دولار . بعد الصفقة، عمل مانديا نائباً للرئيس للثقة والأمان في غوغل، ثم غادرها عام 2024 ليعود إلى عالم ريادة الأعمال .
هانغتشو: مؤتمر الروبوتات والتحولات التكنولوجية
لماذا يعود الآن؟
في مقابلة حصرية مع شبكة سي إن بي سي (CNBC) ، شرح مانديا سبب عودته: “لم أكن لأجلس على الهامش وأشاهد تحولاً آخر في مجال الأمن السيبراني دون أن أستغل 30 عاماً من الخبرة في الصناعة لفعل شيء” .
التحول الذي يتحدث عنه هو صعود الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، الذي يمكن المهاجمين من شن هجمات آلية متطورة بسرعة تفوق قدرة أي فريق بشري على التصدي لها .
ما هي أرمادين (Armadin)؟
وكيل اصطناعي لمحاكاة الهجمات
أرمادين ليست شركة أمن سيبراني تقليدية. إنها منصة أمنية تعتمد بشكل كامل على الذكاء الاصطناعي، وتقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: استخدام وكلاء اصطناعيين مستقلين لمحاكاة سلوك المهاجمين الحقيقيين .
المنصة تنشر “سرباً” من الوكلاء الذكيين الذين يعملون بشكل مستمر لاختبار الأنظمة والشبكات، محاولين اكتشاف الثغرات قبل أن يستغلها المخترقون الفعليون. هؤلاء الوكلاء لا ينفذون سيناريوهات مبرمجة مسبقاً فقط، بل يتعلمون ويتكيفون أثناء عملهم، محاكيين بذلك تكتيكات فرق الاختراق الأخلاقي (ريد تيم) البشرية .
إيفان بينيا (Evan Peña)، الرئيس الأمني المشارك والمؤسس المشارك للشركة، شرح الفكرة لموقع بانك إنفورميشن سكيوريتي (Bank Information Security) : “ما كنا نراه سابقاً كان مجرد روبوتات محادثة ونماذج لغوية تتعامل مع نصوص وتقدم نصائح وتقارير. الآن، يمكننا تنسيق المهام وتنفيذها فعلياً. انتقلنا من المحادثة إلى التنفيذ الفعلي” .
الفرق بين الاختبار التقليدي والوكيل الذكي
في الاختبارات التقليدية (بين تستنغ)، يقوم فريق بشري باختبار أنظمة الشركة مرة أو مرتين في السنة. يختار الفريق أسهل طريق للاختراق، وعندما ينجح، ينتهي الاختبار ويتم إعداد تقرير. هذا يعني أن مئات الطرق الأخرى المحتملة للاختراق تبقى غير مكتشفة .
أما في نظام أرمادين، فالاختبار مستمر على مدار الساعة. الوكلاء الذكيون يستكشفون كل الطرق الممكنة، ويكتشفون عشرات أو حتى مئات المسارات المحتملة للاختراق، مما يعطي صورة شاملة عن وضع الأمن الحقيقي للمؤسسة .
يقول بينيا: “لقد أمضيت حياتي المهنية كلها في اختبار أمن الشبكات. كنا ننجح دائماً تقريباً، والسبب بسيط: كنا نختبر مرة في السنة، ونختار الطريق الأسهل، وننجز المهمة، ثم نعطي التقرير ونمشي. الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يفعل هذا بشكل أسرع وأشمل” .
طلب غير مسبوق على مهارات الذكاء الاصطناعي في كندا
أرقام قياسية ومستثمرون من العيار الثقيل
190 مليون دولار.. أكبر جولة تمويل مبكر في تاريخ الأمن السيبراني
المبلغ الذي جمعته أرمادين (189.9 مليون دولار تحديداً) يعتبر رقماً قياسياً لشركة أمن سيبراني في مرحلة التأسيس والسلسلة أ . للمقارنة، شركات ناجحة مثل 1 باسوورد (1Password) وون ترست (OneTrust) جمعت مبالغ مماثلة لكن بعد سنوات من العمل والنمو، بينما أرمادين حققت هذا الرقم قبل أن تطلق منتجها بالكامل .
من هم المستثمرون؟
قائمة المستثمرين في أرمادين تعكس ثقة غير مسبوقة في رؤية مانديا:
- أكسيل (Accel) : قادت الجولة، وهي من أكبر صناديق الاستثمار الجريء في العالم، استثمرت سابقاً في شركات مثل فيسبوك وفيسبيديا .
- جي في (GV) : ذراع الاستثمار لشركة البحث (غوغل)، وهي عودة لدعم مانديا بعد استحواذ غوغل على شركته السابقة .
- كلاينر بيركنز (Kleiner Perkins) ومينلو فينتشرز (Menlo Ventures) : من أعرق صناديق وادي السيليكون .
- بالستيك فينتشرز (Ballistic Ventures) : صندوق استثماري متخصص في الأمن السيبراني شارك مانديا في تأسيسه .
- إن-كيو-تيل (In-Q-Tel) : الذراع الاستثمارية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، وهذا الاسم هو الأكثر دلالة على الأهمية الاستراتيجية للشركة .
مشاركة إن-كيو-تيل تعني أن ما تبنيه أرمادين له تطبيقات في مجال الأمن القومي الأميركي، وتؤكد أن التهديدات التي تسعى الشركة لمواجهتها حقيقية ومعترف بها على أعلى المستويات .
تهديد الهجمات الذاتية
مانديا يحذر من أن الموجة القادمة من الهجمات الإلكترونية ستكون مختلفة جذرياً. بدلاً من قراصنة بشر يخططون وينفذون هجماتهم، سنرى “هجمات مفرطة” (Hyperattacks) ينفذها وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون بسرعة الآلة، ويتعلمون ويتكيفون أثناء الهجوم .
يقول مانديا في بيان رسمي: “التحول نحو الذكاء الاصطناعي يغير الأمن السيبراني بسرعة تفوق أي تحول في التاريخ. في عالم هجمات بسرعة الآلة، يجب أن تصبح الدفاعات ذاتية. لا يمكنك أن تضع إنساناً في حلقة القرار لكل دفاع وتتوقع الفوز” .
فجوة السرعة والكثافة
الخبراء يقدرون أن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكنها تنفيذ في دقائق ما كان يحتاج في السابق أياماً من العمل البشري . هذه الفجوة في السرعة تجعل الدفاعات التقليدية غير فعالة. فريق بشري ببساطة لا يمكنه مجاراة آلاف الهجمات المتزامنة التي يولدها الذكاء الاصطناعي.
أرمادين تقدم حلاً بسيطاً: مواجهة الذكاء الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي. وكلاء دفاعيون يعملون بنفس سرعة وكلاء الهجوم، ويكتشفون الثغرات ويغلقونها قبل أن يستغلها المهاجمون .
إلى جانب مانديا، يقود أرمادين فريق من الخبرات الاستثنائية:
- ترافيس لانهام (Travis Lanham) : كبير المهندسين التقنيين (CTO)، كان سابقاً مهندس أمن أول في سحابة شركة البحث (غوغل كلاود) .
- إيفان بينيا (Evan Peña) : كبير مسؤولي الأمن (CISO)، عمل سابقاً مع مانديا في ماندينت .
- ديفيد سلاتر (David Slater) : مهندس أول، من فريق عمليات الأمن في شركة البحث (غوغل سيك أوبس) .
هذا المزيج بين خبراء الهجوم الأخلاقي (ريد تيم) ومهندسي الذكاء الاصطناعي هو ما يجعل أرمادين فريدة في قدرتها على فهم سلوك المهاجمين وتحويله إلى خوارزميات قابلة للتنفيذ .
يرى مختصون ان ما تبنيه أرمادين ليس مجرد أداة أمنية جديدة. إنها تمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الدفاع السيبراني. في الماضي، كان الدفاع يعتمد على فرق بشرية تكتشف الثغرات وتغلقها. في المستقبل، سيكون الدفاع معركة بين وكلاء اصطناعيين: وكلاء هجوم ووكلاء دفاع، يتصارعون بسرعة تفوق قدرة البشر على المتابعة.
190 مليون دولار هي بداية هذا العصر الجديد. ومشاركة صندوق وكالة الاستخبارات المركزية تؤكد أن الحكومات تدرك أن المعركة القادمة ستخاض في فضاء لا يعترف بحدود السرعة البشرية. السؤال الوحيد: هل ستكون الدفاعات جاهزة قبل أن تصل الهجمات؟
فريق أخبار تك