مقال تك

التنمر الإلكتروني ضد الأطفال

27 مارس، 2026 فريق أخبار تك 7 دقائق للقراءة

فريق أخبار تك

66% من الأطفال حول العالم يشهدون تزايداً في التنمر الإلكتروني

في تحذير غير مسبوق، كشف تقرير صادر عن مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد الأطفال، أن ثلثي الأطفال حول العالم (66%) يعتقدون أن التنمر الإلكتروني يتزايد، في حين أن نصفهم (50%) لا يعرفون كيف يحصلون على الدعم المناسب عند تعرضهم للإيذاء الرقمي . هذه الأرقام الصادمة، التي استندت إلى استطلاع شمل أكثر من 30 ألف طفل من جميع أنحاء العالم، تعكس أزمة عالمية متفاقمة تتطلب تدخلاً عاجلاً من الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني .

الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة – تهديد أسرع وأكثر خفاءً

“تحويل جذري للتهديد” يواجه الأطفال

التقرير الذي أطلقته الدكتورة نجاة ملا مجيد (Najat Maalla M‘jid) أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف يوم 9 مارس الجاري، حذر من أن الذكاء الاصطناعي (AI) يعمل على “تحويل جذري للتهديد” الذي يواجه الأطفال على الإنترنت . التطور السريع وسهولة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) يعيدان تشكيل التنمر الإلكتروني، مما يجعله:

  • أسرع في الانتشار
  • أكثر استهدافاً للضحايا
  • أصعب في الكشف بسبب دقة المحتوى المولد
  • قادراً على الانتشار عبر منصات متعددة على نطاق واسع

“التزييف العميق” سلاح جديد في يد المتنمرين

أحد أخطر التطورات التي رصدها التقرير هو استخدام تقنيات “التزييف العميق” (Deepfakes) و“الصور المعدلة بالذكاء الاصطناعي” كأدوات للإيذاء. التقرير حذر من أن هذه التقنيات “تُستخدم بشكل متزايد لإذلال وتهديد واستغلال الأطفال عبر الإنترنت” . كما أن تطبيقات “نزع الملابس” (Nudifier Apps) التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعديل الصور العادية إلى صور عارية، باتت تشكل تهديداً خطيراً، حيث يمكن للمتنمرين التلاعب بصور الأطفال ونشرها بسهولة دون موافقتهم .

ثقة مفرطة في الروبوتات

التحذير لم يقتصر على المحتوى المضلل فقط، بل امتد ليشمل روبوتات المحادثة (Chatbots) التي لا يستطيع الأطفال في كثير من الأحيان تمييزها عن التفاعل البشري الحقيقي . هذه الثقة المفرطة قد تجعلهم فريسة أسهل للتلاعب والاستغلال العاطفي، خاصة في غياب الرقابة الأبوية الكافية .

أرقام صادمة حول الإبلاغ والدعم

نصف الأطفال لا يعرفون أين يطلبون المساعدة

ربما تكون أكثر الأرقام إثارة للقلق في التقرير هي أن 50% من الأطفال الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم لا يعرفون كيف يحصلون على الدعم المناسب عند تعرضهم للتنمر الإلكتروني . هذه الفجوة في الوعي بالخدمات المتاحة تعكس فشلاً في أنظمة الدعم والتوعية على المستوى العالمي، وتترك ملايين الأطفال في عزلة رقمية دون ملاذ آمن .

الخوف من الوصم يمنع الإبلاغ

التقرير أوضح أن العديد من الأطفال يتجنبون الإبلاغ عن تعرضهم للتنمر بسبب:

  • الخوف من الوصم الاجتماعي (Stigma)
  • الخوف من الرفض من قبل أقرانهم
  • الخوف من التعرض للحكم من قبل الكبار
  • عدم معرفة قنوات الإبلاغ المتاحة
  • الخوف من فقدان حق الوصول إلى الإنترنت

عواقب فورية ومدمرة

تأثير عدم الإبلاغ يمكن أن يكون فورياً ومدمراً. في ثوانٍ فقط، يمكن لمحتوى مسيء أن يسبب ضائقة نفسية شديدة وضرراً للسمعة قد يستمر مدى الحياة. وفي الحالات الأكثر مأساوية، يمكن لهذه الضغوط أن تدفع الأطفال إلى الانتحار .

إجراءات دولية متسارعة – من حظر المنصات إلى قوانين جديدة

أستراليا: أول حظر عالمي للأطفال دون 16 عاماً

في عام 2024، أصبحت أستراليا أول دولة في العالم تحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً. القانون يلزم المنصات (بما فيها تيك توك، فيسبوك، إنستغرام، سناب شات، إكس) بدفع غرامات تصل إلى 50 مليون دولار أسترالي (حوالي 34 مليون دولار أميركي) في حال فشلها في منع الأطفال من إنشاء حسابات . القانون دخل حيز التنفيذ مؤخراً، رغم تحفظات بعض الخبراء حول فعالية طرق تقدير العمر المستخدمة .

البرازيل: إلزام الإشراف الأبوي وحظر “التمرير اللانهائي”

في مارس 2026، دخل قانون برازيلي جديد حيز التنفيذ يلزم الأطفال تحت سن 16 عاماً بربط حساباتهم في وسائل التواصل بحساب ولي أمر لضمان الإشراف. القانون أيضاً يحظر على المنصات استخدام ميزات إدمانية مثل “التمرير اللانهائي” (Infinite Scroll) و“التشغيل التلقائي” (Auto-play)، ويفرض آليات فعالة لتقدير العمر تتجاوز مجرد الإقرار الذاتي .

إندونيسيا: حظر تدريجي يبدأ اليوم

بدءاً من 28 مارس 2026، تبدأ إندونيسيا حظراً تدريجياً على استخدام منصات التواصل الاجتماعي “عالية المخاطر” (مثل يوتيوب، تيك توك، فيسبوك، إنستغرام، إكس، روبلوكس) للأطفال تحت سن 16 عاماً، لتصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تتخذ هذه الخطوة .

ماليزيا: تراخيص إلزامية وحظر مرتقب

منذ يناير 2025، تطلب ماليزيا من منصات التواصل الاجتماعي التي يزيد عدد مستخدميها عن 8 ملايين الحصول على تراخيص رسمية، مع تطبيق آليات لتقدير العمر وضمانات سلامة المحتوى. كما تخطط الحكومة لحظر استخدام وسائل التواصل للأطفال تحت 16 عاماً خلال العام الجاري .

أوروبا: توجه نحو الحظر الموحد

في أوروبا، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (Pedro Sánchez) في فبراير 2026 عن خطط لحظر استخدام وسائل التواصل للأطفال تحت 16 عاماً. وفي فرنسا، أقر البرلمان قانوناً يحظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عاماً، مع حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية أيضاً. كما تدرس المملكة المتحدة فرض حظر مماثل للمراهقين .

التشريعات الأميركية – قانون سلامة الأطفال عبر الإنترنت (KOSA) في مفترق طرق

“واجب الرعاية” مقابل الحماية من التعديل الأول

في الولايات المتحدة، يعد قانون سلامة الأطفال عبر الإنترنت (Kids Online Safety Act – KOSA) أبرز محاولة فيدرالية لتنظيم تجربة الأطفال على الإنترنت . نسخة مجلس الشيوخ (S.1748) تفرض على المنصات “واجب رعاية” (Duty of Care) يلزمها بتصميم ميزات تمنع أضراراً محددة، منها الإدمان الرقمي واضطرابات الأكل ومشاكل الصحة النفسية .

القانون، الذي تأثر بشدة بتجارب المملكة المتحدة (قانون السلامة عبر الإنترنت – Online Safety Act) والاتحاد الأوروبي (قانون الخدمات الرقمية – Digital Services Act) وأستراليا، يركز على تصميم المنصة بدلاً من المحتوى لتجنب الاصطدام مع التعديل الأول للدستور الأميركي (حرية التعبير). كما أنه يرفض صراحة فرض جمع بيانات العمر بشكل إلزامي، مكتفياً بمعيار “العلم أو كان ينبغي العلم” بأن المستخدم قاصر .

قرارات تاريخية ضد ميتا ويوتيوب

في الأسبوع الماضي فقط (مارس 2026)، أصدرت هيئات محلفين في لوس أنجلوس ونيومكسيكو أحكاماً تاريخية ضد ميتا (Meta) ويوتيوب (YouTube)، حيث وجدتهما مسؤولتين عن إلحاق الضرر بالصحة النفسية للأطفال والترويج لاستغلالهم جنسياً . هذه القرارات تُعتبر انتصاراً كبيراً للمدافعين عن حقوق الأطفال، لكن الخبراء يؤكدون أنها لا تغني عن وجود تشريع فيدرالي موحد .

الردود العملية – من أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة إلى التوعية

منظمة فرنسية تطلق مساعدين رقميين لدعم الأطفال

في خطوة مبتكرة، أعلنت المنظمة غير الربحية الفرنسية “سانتر رولييه” (Centres Relier) عن إطلاق اختبار واسع النطاق لمساعدين رقميين جديدين في أوروبا :

  • “مونستر ماسنجر” (Monster Messenger) : روبوت محادثة ذكي يساعد الأطفال والمراهقين في إيجاد الكلمات المناسبة وردود الفعل الصحيحة عند مواجهة التنمر أو المضايقات عبر الإنترنت .
  • “مونستر مودز” (Monster Moods) : أداة متخصصة في التنظيم العاطفي والصحة النفسية، تساعد المستخدمين الشباب على تحديد مشاعرهم والتعبير عنها في فضاء رقمي آمن .

هذه الأدوات، التي صممت بالتعاون مع أطباء نفسيين وشباب، تهدف إلى تقديم دعم فوري على مدار الساعة، وتعمل كـ”درع رقمي” وقائي قبل تفاقم المشكلات .

مبادرات تعليمية وأمنية

  • مايكروسوفت (Microsoft) أطلقت مجموعة أدوات أمنية للمؤسسات التعليمية (Education Security Toolkit) بمناسبة اليوم العالمي للإنترنت الآمن (Safer Internet Day 2026)، تتضمن إرشادات حول الأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات في بيئات التعلم .
  • مشروع BullyBuster2 الإيطالي، الذي تموله الحكومة ضمن خطة التعافي الوطنية (PNRR)، طور نماذج ذكاء اصطناعي متعددة الوسائط (Multimodal AI) لاكتشاف العدوان اللفظي، والتنمر، والتزييف العميق، وتقديم لوحات تحكم متكاملة للمدارس للمساعدة في الكشف المبكر والوقاية .
  • عربيا لا يزال الوضع ضبابيا ثمة محاولات قانونية في بدايات التشكل ولم تبلغ طور النضج حتى الآن …

خلاصة: “لا تصمموا المستقبل الرقمي للأطفال، بل صمموه معنا”

كما أوصى تقرير الأمم المتحدة، لا يمكن مواجهة هذه الأزمة بمعزل عن الأطفال أنفسهم. الاقتباس الذي أوردته الدكتورة نجاة ملا مجيد من أحد الأطفال المشاركين في الاستشارات يلخص الرسالة الأهم: “يجب ألا تصبح الفضاءات الرقمية أماكن يتم فيها الإبلاغ عن الضرر دون أن يتم حله. يجب أن تكون أماكن تأتي فيها المساعدة بسرعة وبأمان وبإنسانية. لا تصمموا المستقبل الرقمي للأطفال، بل صمموه معنا” .

البيانات واضحة: التنمر الإلكتروني في ازدياد، وأدوات الذكاء الاصطناعي تجعله أكثر شراسة وخفاء. لكن الحلول موجودة أيضاً: من قوانين تلزم المنصات بالمسؤولية، إلى أدوات ذكية تدعم الأطفال، إلى إشراك الشباب أنفسهم في تصميم الحلول. السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل ستتحرك الحكومات وشركات التكنولوجيا بالسرعة الكافية قبل أن يدفع المزيد من الأطفال الثمن؟