تفاصيل سرية في حرب إيران الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي وحرب إيران: كواليس “الغضب الملحمي”

🗓️ 7 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 9 دقائق للقراءة

تقرير استخباراتي – تقني – أخبار تك

معركة العقول في الظل

في صباح 28 فبراير 2026، انطلقت أكبر عملية عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران، حاملة اسم “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury). لكن خلف صواريخ “توماهوك” السوداء وقنابل B-2 الخارقة للتحصينات، كانت هناك قوة أخرى غير مرئية تدير المعركة: الذكاء الاصطناعي .

قبل ساعات فقط من انطلاق الضربات، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوقع أمراً تنفيذياً يطرد شركة الذكاء الاصطناعي Anthropic من جميع العقود الحكومية. لكن المفارقة أن الجيش الأمريكي كان، في اللحظة ذاتها، يعتمد على نموذج الشركة “كلود” (Claude) لتحديد الأهداف التي ستُقصف في قلب طهران .

هذا التقرير الاستخباراتي – التقني يرصد بالتفصيل كيف أصبح الذكاء الاصطناعي العمود الفقري للتخطيط الحربي الأمريكي، وما هي الأدوات المستخدمة، وكيف تمكن البنتاغون من تجاوز حظر رئاسي لمواصلة استخدام هذه التقنيات في واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.

منصة “مافن سمارت” – العقل المدبر للضربات

نظام يتنفس استخبارات

في قلب العملية كان نظام “مافن سمارت” (Maven Smart System)، الذي طورته شركة تحليلات البيانات العملاقة Palantir Technologies. هذا النظام ليس مجرد برنامج عادي، بل هو منصة استخباراتية متكاملة تحلل كميات هائلة من المعلومات السرية القادمة من الأقمار الصناعية ومنصات المراقبة ومصادر الاستخبارات البشرية .

ما يميز “مافن سمارت” هو قدرته على تقديم “رؤية حية ومتزامنة لساحة المعركة”، مما يقلل بشكل كبير من الوقت والجهد البشري المطلوبين لعمليات استهداف الأعداء. وفقاً لتحالف الدفاع عن الصواريخ، اختبر الجيش النظام عبر تمارين “التنين القرمزي” (Scarlet Dragon) منذ عام 2020. في تلك السنة الأولى، كان يستغرق تمرير بيانات الاستهداف 12 ساعة. اليوم، أصبح الأمر يستغرق أقل من دقيقة واحدة .

كلود: الدماغ داخل الآلة

المكون الأكثر سرية في “مافن سمارت” هو نموذج الذكاء الاصطناعي كلود (Claude) من شركة Anthropic. تم دمج كلود في المنصة عبر شراكة استراتيجية أُعلن عنها في نوفمبر 2024 مع بالنتير و أمازون ويب ، لتوفير قدرات الذكاء الاصطناعي لوكالات الدفاع والاستخبارات الأمريكية في بيئات سحابية مصنفة وسرية .

بحسب مصادر مطلعة تحدثت لصحيفة واشنطن بوست، قام النظام بتحليل آلاف نقاط البيانات الاستخباراتية، وقدم للقيادة العسكرية “مئات الأهداف المحتملة”، مع إحداثيات جغرافية دقيقة، وترتيبها حسب الأولوية العملياتية. كما قام بمحاكاة سيناريوهات المعركة وتقييم نتائج الضربات بعد وقوعها .

كيف يعمل كلود في بيئة حربية؟

دمج كلود مع Palantir AIP (منصة الذكاء الاصطناعي) في بيئة AWS GovCloud (السحابة الحكومية السرية) مكّن من تحقيق اختراق تقني غير مسبوق :

  • معالجة في الزمن الحقيقي لتدفقات استخباراتية غير منظمة
  • إخراج نتائج تحدد الأهداف بدقة عالية
  • محاكاة تنبؤية لسيناريوهات بناءً على أكثر من 200 ألف رمز (ما يعادل 500 صفحة نص)
  • اقتراح خطط عمليات متعددة الجولات
  • تنفيذ كل ذلك داخل شبكات مصنفة ومعزولة فيزيائياً

الاستخبارات البشرية مقابل الذكاء الاصطناعي – من حدد الهدف؟

دور وكالة المخابرات المركزية

رغم الضجة الإعلامية حول دور الذكاء الاصطناعي، تؤكد التقارير الاستخباراتية أن الاستخبارات البشرية (HUMINT) كانت العامل الحاسم في استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي. وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، قامت وكالة المخابرات المركزية (CIA) بتعقب تحركات خامنئي “لأشهر”، واكتسبت ثقة متزايدة حول أنماط تنقله ومواقعه المحتملة .

المعلومة الحاسمة وصلت عندما علمت CIA أن اجتماعاً قيادياً رفيعاً سيعقد صباح السبت في مجمع حكومي وسط طهران، وأن خامنئي سيكون حاضراً. هذه المعلومة، التي وُصفت بأنها ذات “دقة عالية” (High Fidelity)، تم تمريرها إلى إسرائيل، وقادت إلى تغيير توقيت الهجوم من الليل إلى النهار .

الذكاء الاصطناعي: المشغل المساعد لا القائد

ما فعله كلود هو تحويل هذه المعلومة الاستخباراتية إلى “سلسلة قتل” (Kill Chain) متكاملة. وفقاً لـكريغ جونز، المحاضر في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل والخبير في سلاسل القتل، فإن الذكاء الاصطناعي يقوم بـ “ضغط القرار” (Decision Compression) – أي اختصار الوقت اللازم للتخطيط للضربات المعقدة من أيام أو أسابيع إلى دقائق أو ثوان .

في الماضي، كان التخطيط لعملية بهذا الحجم يتطلب أياماً لتحليل المعلومات واختيار الأهداف. مع كلود، أصبح بالإمكان “تنفيذ كل شيء في وقت واحد”: ضربات اغتيالية دقيقة، وشل قدرة النظام على الرد، وتدمير البنية التحتية العسكرية .

صراع كلود مع البنتاغون – قصة الطرد والاستمرار

كيف وصل الخلاف إلى الذروة؟

تعود جذور الأزمة إلى يناير 2026، عندما استخدم الجيش الأمريكي كلود في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. بعد العملية، أصيبت إدارة Anthropic بصدمة عندما اكتشفت أن نموذجها استُخدم في “عملية عبر وطنية تسببت في مقتل وإصابة العشرات” .

الشركة احتجت بشدة، وطالبت بضمانات أقوى. رد البنتاغون كان طلباً صريحاً: إزالة جميع القيود الأخلاقية (Safety Guardrails) من كلود، والسماح باستخدامه “لجميع الأغراض القانونية”، بما في ذلك :

  • المراقبة الجماعية للمواطنين الأمريكيين
  • تطوير أنظمة أسلحة ذاتية تعمل دون تدخل بشري

داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ Anthropic، رفض بشكل قاطع، قائلاً: “هناك فئتان من الاستخدام لم ندرجها أبداً في عقودنا مع وزارة الدفاع، ولا نعتقد أنه ينبغي إدراجهما الآن” .

ترامب يوقع قرار الطرد

في 27 فبراير 2026، الساعة 5:01 مساءً، انتهت المهلة التي منحتها الحكومة لـ Anthropic. بعدها بدقائق، أعلن الرئيس ترامب عبر منصة إكس: “جميع الوكالات الفيدرالية في الحكومة الأمريكية عليها التوقف فوراً عن استخدام تقنية Anthropic” .

وزير الدفاع بيت هيغسيث أضاف في منشور منفصل: “أصدرت توجيهاً بتصنيف Anthropic كـ’خطر على سلسلة التوريد’ (Supply-Chain Risk) للأمن القومي. اعتباراً من الآن، لا يحق لأي متعاقد أو مورد أو شريك يتعامل مع الجيش الأمريكي إجراء أي نشاط تجاري مع Anthropic” .

كيف استمر استخدام كلود رغم الحظر؟

المفارقة أن القرار نفسه منح البنتاغون مهلة انتقالية مدتها 6 أشهر للتخلص التدريجي من تقنية Anthropic. هذه المهلة أصبحت “ثغرة قانونية” استغلتها القيادة العسكرية لمواصلة استخدام كلود في عملية “الغضب الملحمي” التي انطلقت بعد ساعات فقط .

بحسب مصادر مطلعة، فإن الاعتماد العملياتي على كلود وصل إلى درجة أن وقف استخدامه فوراً كان سيشل قدرات التخطيط والاستهداف. أحد المسؤولين قال لصحيفة واشنطن بوست: “إذا حاولت Anthropic قطع الوصول، فإن الإدارة يمكنها استخدام سلطاتها الحكومية للاحتفاظ بالتكنولوجيا حتى يتم استبدالها” .

من بديل كلود؟ – OpenAI وxAI يدخلان على الخط

مايكروسوفت وأمازون يعلنان موقفهما

في تطور سريع، أعلنت شركتا مايكروسوفت (الشريك والمستثمر في Anthropic) وأمازون (المستثمر والمستخدم الرئيسي لكلود) أن خدماتهما للقطاع غير العسكري ستستمر كالمعتاد. لكن بالنسبة للعقود الدفاعية، أصبح الوضع أكثر تعقيداً .

OpenAI يوقع صفقة سريعة

بعد ساعات فقط من إعلان ترامب، كشف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، عن اتفاق جديد مع وزارة الدفاع لنشر نماذج ChatGPT على الشبكات المصنفة. وفي بيان لاذع، قالت OpenAI: “نعتقد أن اتفاقيتنا تتضمن ضمانات أكثر من أي اتفاق سابق لنشر الذكاء الاصطناعي في بيئات سرية، بما في ذلك اتفاقية Anthropic” .

xAI وجروك للحكومة

أيضاً، أعلنت شركة xAI التابعة لإيلون ماسك عن إصدار “جروك للحكومة” (Grok for Government)، ووقعت اتفاقاً في فبراير 2026 لاستخدامه في الأنظمة المصنفة، مما يضعه كبديل محتمل سريع في أعقاب انسحاب Anthropic .

غوغل تبقى في الخدمات غير المصنفة

شركة غوغل تواصل تقديم Gemini for Government للاستخدامات غير المصنفة عبر منصة GenAI.mil، مع مفاوضات جارية للتوسع في الأنظمة المصنفة .

الأبعاد الأخلاقية – هل نترك الموت للخوارزميات؟

تحذيرات الخبراء

الديفيد ليزلي، أستاذ الأخلاق والتكنولوجيا والمجتمع في جامعة كوين ماري بلندن، حذر من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى “التفريغ المعرفي” (Cognitive Offloading)، حيث يشعر البشر المنوط بهم اتخاذ قرارات القتل بانفصال عاطفي عن العواقب، لأن الجهد الفكري للتفكير في القرار قد قامت به الآلة .

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخطئ؟

في يوم السبت 28 فبراير، قُتل 165 شخصاً، بينهم العديد من الأطفال، في غارة صاروخية أصابت مدرسة في جنوب إيران، وفقاً لوسائل إعلام رسمية إيرانية. المدرسة كانت قريبة من ثكنة عسكرية، والأمم المتحدة وصفت الحادث بأنه “انتهاك خطير للقانون الإنساني”. الجيش الأمريكي قال إنه يبحث في التقارير .

مبدأ “كلود” الدستوري

ما يجعل كلود مختلفاً هو أنه صُمم وفق مبدأ “الذكاء الاصطناعي الدستوري” (Constitutional AI)، أي أنه مُبرمج لرفض أي استخدام ينتهك مبادئ أخلاقية محددة. في هذه الحالة، رفض كلود السماح باستخدامه في:

  • أنظمة أسلحة ذاتية بالكامل
  • مراقبة جماعية للمواطنين الأمريكيين

هذه الرفض هو ما أشعل الصراع مع البنتاغون، الذي أراد “يداً حرة كاملة” في استخدام التكنولوجيا.

الأسلحة الأخرى في المعركة – لم تكن AI وحدها

في حين حظي الذكاء الاصطناعي باهتمام إعلامي كبير، كشفت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عن قائمة الأسلحة المستخدمة في أول 24 ساعة من العملية :

السلاحالوصف
قاذفات B-2قصفت منشآت صواريخ إيرانية محصنة تحت الأرض بقنابل 2000 رطل
طائرات LUCAS الانتحاريةمسيّرات رخيصة مصممة للعمل بشكل شبه ذاتي، مستوحاة من مسيّرات “شاهد” الإيرانية
طوربيدات Mark 48أغرقت فرقاطة إيرانية في المحيط الهندي – أول غرق لسفينة حربية بطوربيد منذ الحرب العالمية الثانية
صواريخ PrSM الباليستيةاستخدمت لأول مرة في القتال، بمدى يتجاوز 300 ميل

الأدميرال براد كوبر، قائد CENTCOM، قال إن القوات الأمريكية ضربت ما يقرب من 2000 هدف إيراني، بما في ذلك 17 سفينة حربية إيرانية، في الأيام الأولى للعملية .

التداعيات الاستراتيجية – ماذا يعني هذا لمستقبل الحروب؟

عصر جديد من “القصف الأسرع بدون تفكير”

كريغ جونز يرى أن ما حدث في إيران يمثل نقطة تحول: “الآن، يمكنك تنفيذ اغتيالات دقيقة في نفس الوقت الذي تشل فيه قدرة النظام على الرد. هذا كان سيستغرق أياماً أو أسابيع في الحروب التقليدية. اليوم، تفعل كل شيء في وقت واحد” .

هل تستطيع إيران الرد بنفس المستوى؟

بحسب تقرير غارديان، لا يبدو أن إيران تمتلك قدرات ذكاء اصطناعي مماثلة. برنامجها، الذي يعاني من العقوبات الدولية، يبدو ضئيلاً مقارنة بالقوى العظمى في الذكاء الاصطناعي مثل الولايات المتحدة والصين .

ماذا بعد؟

بريرانا جوشي، زميلة أبحاث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، ترى أن “نشر الذكاء الاصطناعي يتوسع. يتم تطبيقه في المؤسسات الدفاعية حول العالم… في الخدمات اللوجستية، والتدريب، وإدارة القرارات، والصيانة” .

السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل تستطيع البشرية وضع قواعد لهذه الآلة الجديدة قبل فوات الأوان؟

خلاصة استخباراتية: دروس من حرب إيران

  1. الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من سلسلة القتل: من تحليل الاستخبارات إلى تحديد الأهداف إلى تقييم الضربات
  2. الاستخبارات البشرية لا تزال حاسمة: كلود لم يحدد موقع خامنئي، بل حلل وحسّن وسرّع استخدام معلومة بشرية
  3. الاعتماد على شركات التكنولوجيا يخلق نقاط ضعف جيوسياسية: صراع أخلاقي واحد مع شركة يمكن أن يشل قدرات عسكرية كاملة
  4. المهلات الانتقالية تخلق ثغرات قانونية: استمر استخدام كلود رغم حظر ترامب بفضل فترة الستة أشهر الانتقالية
  5. السباق نحو “الذكاء الاصطناعي العسكري” بدأ فعلياً: الولايات المتحدة تتقدم، لكن الصين وروسيا ليما بعيدتين عن المضمار

مصادر اعتمدت عليها اخبار تك في إعداد هذا التقرير :

  • واشنطن بوست
  • وول ستريت جورنال
  • نيويورك تايمز
  • الغارديان
  • ذا هيل
  • تقارير وكالات الأنباء (AP, Reuters, AFP)