حرب الشرق الاوسط والذكاء الاصطناعي الذكاء الاصطناعي

الصندوق الأسود : الذكاء الاصطناعي في معارك الشرق الأوسط

🗓️ 15 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 8 دقائق للقراءة

تقرير استقصائي – أخبار تك

في اللحظة التي تتحول فيها البيانات إلى قرارات قتل، وتتحول الخوارزميات إلى أدوات استهداف، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد تقنية متطورة؛ يغدو سلاحاً فتاكاً و يعيد تعريف مفهوم الحرب ذاتها.

إن الحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم تعد مجرد صراع تقليدي بالصواريخ والطائرات، بل أصبحت مختبراً حياً لأخطر تقنيات الذكاء الاصطناعي .

فمنذ 28 فبراير 2026، تشن واشنطن وتل أبيب حملة عسكرية مشتركة ضد إيران تحت اسم “عملية الغضب الملحمي” ، وهي أول حرب كبرى في التاريخ يُدار فيها سلاح الاستهداف بشكل شبه كامل بواسطة أنظمة ذكاء اصطناعي.

في المقابل، ترد طهران باستراتيجية “الفوضى السيبرانية” المدعومة بتقنيات صينية، في مشهد يعيد تشكيل ميزان القوى العسكري العالمي.

في هذا التحقيق الاستقصائي الموسع، تكشف لكم أخبار تك البنية التحتية الخفية لهذه الحرب، مستندين إلى تقارير مراكز أبحاث دولية (مجلس الأطلسي، ومركز الأمن الأمريكي الجديد CNAS)، وتحليلات أمنية من شركات مثل “كراود سترايك” و”مانديانت”، ووثائق مسربة من أعماق الشبكة المظلمة.

مشروع “الاستهداف الديناميكي”: كيف تتنبأ الآلة بتحركات القادة

لا تتعامل إسرائيل مع الذكاء الاصطناعي كأداة دفاعية مساعدة، بل كـ “نظام تشغيل للحرب”. وفقاً لتقارير موثقة من صحيفة “الغارديان” ومجلة “973+”، استخدم الجيش الإسرائيلي أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة في حربه على غزة، ما مهد الطريق لاستخدامها حالياً ضد إيران.

يأتي نظام “هابسورا” أو “الإنجيل“، الذي كشفت عنه تحقيقات سابقة، يعالج كميات هائلة من بيانات الاستخبارات البشرية والإلكترونية (استخبارات الإشارات SIGINT) لإنتاج قوائم استهداف ذات أولوية. ما لم يُكشف عنه سابقاً هو قدرة هذا النظام على “التنبؤ” بتحركات القادة الإيرانيين في الميدان قبل تنفيذها، من خلال تحليل أنماط السلوك السابقة وربطها ببيانات الاتصالات والحركة.

الوحدة 802: ذراع الموساد الخفي لجمع المعلومات من وسائل التواصل

الوحدة 8200: “شفرات ذاتية التعلم” تشل الدفاعات الجوية

التوجه الجديد للوحدة 8200 الإسرائيلية يتجاوز مجرد اختراق الخوادم الإيرانية. مصادر استخباراتية تؤكد أن المهندسين الإسرائيليين طوروا “شفرات ذاتية التعلم” يتم حقنها في شبكات التحكم الصناعي الإيرانية (مثل أنظمة “سيمنز” المستخدمة في المنشآت الحساسة). فهذه الشفرات “تتعلم” نمط العمليات الطبيعي للمنشأة، ثم تنتظر لحظة الذروة لتفتعل خللاً يبدو كأنه “عطل فني” وليس هجوماً سيبرانياً.

هذه التقنية تمكن إسرائيل من تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية دون جهد كبير ، عبر خلق أعطال تبدو عشوائية في الرادارات وأنظمة الصواريخ.

التحكم العصبي بالطائرات

في تطور جديد كشفت وزارة الدفاع الإسرائيلية (إدارة البحث والتطوير الدفاعي) في 10 فبراير 2026 عن مشروع سري لتطوير واجهات الدماغ والحاسوب (Brain-Computer Interfaces).

ألونا بارنيا، مديرة قسم التكنولوجيا العصبية في الوزارة، قالت : “نحن نعمل على استخدام الدماغ للتواصل مع الطائرات المسيرة. القائد لا ينبغي أن يرفع يديه عن السلاح ليصدر أمراً… فيجب أن يتم ذلك من خلال حركة العين، أو إيماءة اليد، أو حتى نشاط الدماغ وحده”.

الهدف الاستراتيجي هو إنشاء “نظائر رقمية” (Digital Twins) للقادة العسكريين، تعمل كأنظمة ذكاء اصطناعي تحاكي أنماط اتخاذ القرار لديهم، مما يسمح بتنفيذ أوامر معقدة لأسراب من الطائرات المسيرة في أجزاء من الثانية، متجاوزة بذلك “حلقة القرار” البشرية التي تشكل عنق الزجاجة في المعارك الحديثة.

هذه الاستراتيجية تمثل رداً مباشراً على تهديد “أسراب المسيرات” الإيرانية، حيث تعتمد طهران على الكم الهائل من المسيرات الرخيصة لإرباك الدفاعات الإسرائيلية.

إيران : وفلسفة الفوضى المنظمة

بالمقابل لا تحاول إيران مجاراة الغرب في “الذكاء الخارق” (Superintelligence)، بل تستثمر بكثافة في “الذكاء الاصطناعي التخريبي” (Disruptive AI)، مستندة إلى شراكة استراتيجية مع بكين.

العلاقة السرية مع بكين: خوارزميات تنقيب البيانات

تشير تقارير استخباراتية غربية تشير أن الصين تزود إيران بخوارزميات “تنقيب البيانات” (Data Mining) المتقدمة. الهدف ليس مجرد جمع المعلومات، بل بناء ملفات تعريف كاملة عن المسؤولين العسكريين والسياسيين في الغرب.

ما تفعله هذه الخوارزميات هو:

  • تحليل كل أثر رقمي للأهداف (تغريدات، صور، تسجيلات فيديو).
  • بناء نماذج سلوكية دقيقة تحدد نقاط الضعف النفسية والمادية.
  • استخدام هذه النماذج في “هندسة اجتماعية” (Social Engineering) دقيقة جداً عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي.

النتيجة: رسائل بريد إلكتروني أو رسائل نصية تبدو وكأنها مرسلة من زوجة الهدف أو صديقه المقرب، تدفعه لاتخاذ قرارات خاطئة أو فتح ثغرات أمنية في هاتفه الشخصي.

جيش الذباب الالكتروني الإيراني

تستثمر إيران في ذكاء اصطناعي متطور لإدارة آلاف الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هذه الحسابات لم تعد مجرد “بوتات” بدائية. وفقاً لخبراء الأمن السيبراني، فإن الجيل الجديد من هذه الحسابات “يبدو بشرياً تماماً”.

الغرض ليس مجرد نشر الدعاية، بل “تسميم” البيئة المعلوماتية في الغرب وإسرائيل عبر:

  • زيادة الاستقطاب الداخلي حول قضايا حساسة.
  • تضخيم الروايات المناهضة للحرب.
  • إضعاف الجبهة الوطنية في أوقات الأزمات من خلال نشر شائعات موجهة.

إردم إريش (Erdem Eris)، الرئيس التنفيذي لشركة استشارات الأمن السيبراني “سايب آرتس”، يؤكد: “الجبهة غير المرئية للحرب تتسع لتشكل مجموعة واسعة من الأهداف، من محطات الطاقة إلى البوابات الإعلامية، ومن الشبكات العسكرية إلى تطبيقات الهواتف المحمولة”.

اختراق أعلى هرم السلطة: كيف قادت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتجسس السيبراني لـ”استهداف قيادة”إيران”؟

أمريكا..الردع الاستباقي

الولايات المتحدة تتبع استراتيجية “التفوق في سرعة المعالجة” (Processing Speed Superiority)، معتمدة على نظام مافن الذكي (Maven Smart System) الذي طورته شركة “بالانتير” (Palantir).

القيادة المركزية (CENTCOM) تحت المجهر

القائد العام للقيادة المركزية الأميركية، الجنرال براد كوبر، كشف أن الجيش يستخدم الذكاء الاصطناعي “لتمشيط كميات هائلة من البيانات في ثوانٍ” من أجل “اتخاذ قرارات أذكى وأسرع مما يمكن للعدو أن يتفاعل”.

في الساعات الأولى من الحملة وحدها، تم تحديد أكثر من ١٠٠٠ هدف باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو رقم كان سيستغرق فرق الاستخبارات البشرية أسابيع أو شهوراً لتحقيقه.

الاستباق السيبراني: تعطيل سلاسل الإمداد

الهدف الأميركي الأعمق، الذي لم يُكشف عنه رسمياً، هو اختراق الشبكات اللوجستية التي تدعم “وكلاء إيران” في المنطقة. تقارير استخباراتية تشير إلى أن واشنطن تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعطيل سلاسل الإمداد الرقمية للمجموعات التابعة لإيران، مما يؤدي إلى “شلل لوجستي” في تدفق الأسلحة والذخائر إلى الميليشيات في الميدان.

أحدث العمليات السيبرانية، التي وصفت بأنها الأكثر تقدماً في التاريخ، استهدفت شبكات الاتصالات وأنظمة الاستشعار الإيرانية، مما أدى إلى “تعطيل فعال للاتصالات وشبكات الاستشعار”، وترك القوات الإيرانية غير قادرة على التنسيق أو الاستجابة بفعالية.

الزوايا المظلمة.. ما لا تراه في الأخبار الرسمية

هناك ثلاثة خطوط حمراء تتجاوزها الأطراف حالياً في “غرف العمليات السرية”، كشفت عنها وثائق مسربة من أعماق الشبكة المظلمة:

1. حرب “التزييف” الاستراتيجي

يتم حالياً تطوير تزييف عميق (Deepfakes) لا يهدف للتضليل الإعلامي العادي، بل لـ “تلفيق” تصريحات لقادة عسكريين أو نشر “أوامر مزيفة” في أنظمة الاتصالات التكتيكية أثناء فترات الفوضى. فقد يتم إرسال مكالمة صوتية او رسالة نصية إلى قائد وحدة إيرانية تبدو وكأنها من قائد أعلى تأمره بالانسحاب، بينما الحقيقة أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي.

2. استغلال “ثغرات اليوم صفر” (Zero-Day Exploits)

هناك سوق سوداء محمومة لشراء ثغرات أمنية غير مكتشفة، حيث تدفع الدول مبالغ طائلة لشركات خاصة (مثل مجموعة “إن إس أو” NSO Group) للحصول على أدوات اختراق مدعومة بالذكاء الاصطناعي. تقارير تشير إلى أن قيمة هذه السوق تضاعفت ٣ مرات منذ بداية الحرب على إيران، مع تدفق غير مسبوق للتمويل من أطراف إقليمية ودولية.

3. الذكاء الاصطناعي في “التجسس الفيزيائي”

يتم تحويل تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) في المنطقة إلى “أجهزة استشعار” للمخابرات. كاميرات المراقبة المنزلية، الأجهزة الذكية، وحتى السيارات المتصلة بالإنترنت، يتم اختراقها وتحويلها إلى أدوات تنصت وتتبع باستخدام خوارزميات معالجة الصوت والبيانات عن بُعد. الهدف هو بناء صورة شاملة عن تحركات القادة والمسؤولين العسكريين في لحظات صنع القرار الحاسمة.

الجدل الأخلاقي.. من يتحمل عندما تقتل الآلة؟

“الإجراء الضبابي”.. العنف المرخص بالجهل

يكشف التحقيق الذي أجرته “الغارديان” مع مجلتي “+973″ و”لوكال كول” عن مفهوم صادم يسمى “الإجراء الضبابي” (Fog Procedure). قاعدة عسكرية إسرائيلية قديمة كانت تسمح بإطلاق النار في الظلام على أساس أن تهديداً غير مرئي قد يكون موجوداً.

الذكاء الاصطناعي اليوم يمارس نفس المنطق، لكن بشكل منظم وممنهج. الظلام الآن ليس في التضاريس، بل في تصميم الخوارزمية. العمى تم اختياره عن قصد، لأنه يخلق إنكاراً معقولاً ، ويجعل العنف يبدو حتمياً، وينقل سؤال “من الذي قرر؟” من إنسان إلى إجراء خوارزمي .

شركات التكنولوجيا كأطراف في الحرب

من غزة إلى إيران: مختبر التجارب

بحسب خبراء ومختصون فإن ما حدث في غزة كان مختبراً. ما يحدث في إيران هو السوق المفتوح. الشركات الكبرى باتت أطرافاً فاعلة في الصراع:

  • بالانتير (Palantir): نظام مافن الذكي يعتمد بشكل كبير على تقنياتها.
  • جوجل وأمازون: وقَّعتا على مشروع “نيمبوس” (Nimbus) بقيمة 1.3 مليار دولار لتوفير الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي للحكومة والجيش الإسرائيليين.
  • مايكروسوفت: كان لها تكامل عميق مع الأنظمة العسكرية الإسرائيلية قبل أن تتراجع جزئياً تحت الضغط.
  • أندوريل (Anduril): أسسها بالمر لوكي، تطور أنظمة أسلحة ذاتية مصممة خصيصاً للاستهداف المقاتلين في الميدان.
  • الذكاء الاصطناعي المفتوح (OpenAI): أزالت بهدوء البند الذي كان يحظر الاستخدام العسكري في شروط الخدمة، وتسعى لعقود مع البنتاغون.

إيران تهدد شركات التكنولوجيا

في 11مارس، أعلنت وكالة تسنيم الإيرانية، التابعة للحرس الثوري، أن ست شركات تكنولوجيا كبرى (إنفيديا، مايكروسوفت، جوجل، آي بي إم، أوراكل، بالانتير) تعتبر “أهدافاً مشروعة للضربات” لأن تقنياتها تستخدم في أغراض عسكرية. هذا الإعلان يمثل سابقة خطيرة، حيث تتحول شركات التكنولوجيا المدنية إلى أهداف عسكرية مشروعة في الصراعات الدولية.

مستقبل معركة الخوارزميات

الهيمنة في سرعة المعالجة

ما يجري حالياً ليس مجرد حرب، بل إعادة تعريف لمفهوم القوة العسكرية. الهيمنة لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ أو الدبابات، بل بسرعة معالجة البيانات ودقة الخوارزميات.

كما لاحظ إردم إريش: “الفجوة التكنولوجية قد تتحول بسرعة إلى فجوة استراتيجية. من يتحكم في البيانات يتحكم في ساحة المعركة”.

الفجوة في الذكاء الاصطناعي العسكري

الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقاً واضحاً في أنظمة الاستهداف والتحليل. لكن إيران والصين تطوران أسلحة غير تقليدية في مجال الفوضى السيبرانية والتضليل الاستراتيجي. الفجوة لا تزال واسعة، لكنها تتقلص بسرعة.

نهاية الإنسانية في الحرب

ما كشفته هذه الحرب عن دور الذكاء الاصطناعي يثير أسئلة وجودية. عندما تصبح قرارات القتل بيد خوارزميات لا يمكن الطعن في مخرجاتها، وعندما تتحول شركات التكنولوجيا إلى مقاولي دفاع غير خاضعين للمساءلة، وعندما يصبح الأطفال في المدارس مجرد “أخطاء في قاعدة البيانات”، فإن شيئاً أساسياً يتآكل في إنسانيتنا.

إطار المساءلة القانونية الدولية، الذي صُمم لدول وجيوش نظامية، أصبح غير قابل للتطبيق في عصر الحرب الخوارزمية. المسؤولية تتبخر عبر سلسلة طويلة من المهندسين والقادة والمقاولين، كل منهم يمكن أن يشير إلى الآخر. المنطق يختفي خلف درجة احتمالية لا يستطيع أي محام تدقيقها ولا أي محكمة استجوابها.

فريق أخبار تك