الذكاء الاصطناعي
الكهرباء سلاح الصين الاستراتيجي.. كيف تواجه بكين الحظر الأميركي بميزة الطاقة؟
بكين – أخبار تك
بينما تركز الأنظار على سباق الرقاقات بين واشنطن وبكين، تخوض الصين معركة موازية على جبهة أخرى قد تكون أكثر حسماً: الكهرباء. فبينما تعاني الولايات المتحدة من أزمة وشيكة في توفير الطاقة لمراكز البيانات العملاقة، تمتلك الصين وفرة هائلة من الكهرباء الرخيصة التي قد تشكل ورقتها الرابحة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي .
في هذا التقرير، نستعرض كيف تحول بكين أزمتها مع الرقاقات إلى فرصة استراتيجية، مستغلة ميزتها الطاقوية الهائلة لتعويض الفجوة التكنولوجية مع الغرب.
الصين تتفوق في توليد الكهرباء
ثلاثة أضعاف الإنتاج الأميركي
في تصريحات مثيرة، كشف الملياردير الأميركي إيلون ماسك في يناير الماضي أن الصين ستصل في عام 2026 إلى إنتاج كهرباء يقارب ثلاثة أضعاف إنتاج الولايات المتحدة. هذا الفارق الهائل، وفقاً لماسك، يمنح الصين قدرة استثنائية على دعم مراكز البيانات فائقة الاستهلاك للطاقة التي تحتاجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي .
إحصاءات رسمية من المجلس الصيني للكهرباء تؤكد أن إجمالي استهلاك الصين للكهرباء العام الماضي كان أكثر من ضعف استهلاك الولايات المتحدة، وقد عززت الصين موقعها كأكبر مستهلك للكهرباء في العالم، لتصل إلى حجم يفوق بكثير الاقتصادات الكبرى الأخرى .
أسعار كهرباء لا تقارن
وفقاً لحسابات صحيفة واشنطن بوست، تصل أسعار الكهرباء لمراكز البيانات الصينية إلى حوالي 3 سنتات أميركية لكل كيلوواط/ساعة، أي ما يقرب من ثلث التكلفة في الولايات المتحدة . هذا الفارق الكبير في التكلفة يعني أن تشغيل مراكز البيانات في الصين أرخص بكثير، مما يمنح الشركات الصينية ميزة تنافسية هائلة.

الصين تتبنى الذكاء الاصطناعي بقوة.. و “الكهرباء” التي قد تعرقل الطموحات
أميركا أزمة طاقة.. والصين تملك فائضاً
تحذيرات من انهيار الشبكة الأميركية
بينما تبني الصين محطات طاقة جديدة بوتيرة متسارعة، تواجه الولايات المتحدة أزمة وشيكة. محللو مورغان ستانلي حذروا في نوفمبر الماضي من أن الطلب الهائل لمراكز البيانات قد يتسبب في عجز كهربائي يصل إلى 20% في أميركا بحلول عام 2028، مع فجوة محتملة تتراوح بين 13 و44 غيغاواط، أي ما يعادل استهلاك أكثر من 33 مليون منزل .
سامانثا دارت، المديرة المشاركة لأبحاث السلع العالمية في بنك غولدمان ساكس، تؤكد أن قدرة الولايات المتحدة على توليد الطاقة الجديدة لا تواكب الطلب المتزايد. معايير الصناعة تتطلب الحفاظ على هامش احتياطي لا يقل عن 15% لتوفير مساحة أمان بين الذروة والطاقة المتاحة، لكن العديد من الشبكات الأميركية باتت دون هذا المستوى .
الصين تملك احتياطياً استراتيجياً
في المقابل، تتوقع غولدمان ساكس أن تمتلك الصين بحلول عام 2030 حوالي 400 مليون كيلوواط من قدرة الكهرباء الاحتياطية، وهو ما يزيد على ثلاثة أضعاف إجمالي الطلب المتوقع لمراكز البيانات حول العالم .
هذه الأرقام تعني أن الصين لا تستطيع فقط تلبية احتياجاتها المحلية، بل تمتلك فائضاً هائلاً يمكنها من استيعاب أي نمو مستقبلي في الطلب على الطاقة من قطاع الذكاء الاصطناعي.
“نظام الدولة” يقود الاستثمار
الفرق الجوهري بين الصين وأميركا يكمن في النظام المركزي الذي تتبعه بكين. بينما تتوزع قرارات الاستثمار في أميركا بين ولايات وهيئات تنظيمية متعددة، مما يجعل تنفيذ استراتيجية موحدة أمراً صعباً، تتبع الصين نهجاً تخطط له الدولة على المدى الطويل .
تشانغ تشيغانغ، رئيس شركة الدولة للكهرباء، يؤكد أن المرافق يجب أن تلعب “دوراً أساسياً وقيادياً” في تثبيت النمو. الاستثمار يجب أن يكون “متقدماً بشكل معتدل على الطلب” لدعم المشاريع الاستراتيجية الكبرى .
وتدعم هذه الاستراتيجية استثمارات ضخمة قياسية تصل إلى 5 تريليونات يوان خلال السنوات الخمس المقبلة. استثمارات الطاقة الرئيسية في الصين وصلت إلى مستوى تاريخي في 2025، متجاوزة 3.5 تريليون يوان لأول مرة .
“غابة السحاب”.. عندما تتحول الصحراء إلى مركز بيانات
من السهول القاحلة إلى عاصمة الذكاء الاصطناعي
المثال الأبرز على قوة الكهرباء الصينية هو مدينة أولانتشاب في منغوليا الداخلية، التي تحولت إلى ما يسمى “غابة السحاب” (Cloud Forest) .
هذه المدينة، التي تتمتع بمناخ بارد وأسعار كهرباء منخفضة، استقطبت عمالقة التكنولوجيا مثل آبل، علي بابا، وهواوي لإنشاء مراكز بيانات ضخمة. حتى شركات السيارات الكهربائية مثل شياوبنغ تستخدم هذه المراكز لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها .
الأرقام تتحدث:
- اقتصاد المنطقة نما بنسبة 50% خلال السنوات الخمس الماضية
- استهلاك الكهرباء لمراكز البيانات زاد 7 أضعاف
- استقطبت استثمارات في قطاع الحوسبة بلغت حوالي 350 مليار دولار حتى يونيو الماضي
مشروع “البيانات الشرقية والحوسبة الغربية”
منذ إطلاق مبادرة “البيانات الشرقية، الحوسبة الغربية” في عام 2021، تعمل الصين على استغلال موارد الطاقة الهائلة في غرب البلاد لتلبية احتياجات معالجة البيانات في المناطق الشرقية المكتظة بالسكان .
النتيجة: شبكة كهرباء تطورت لتصبح الأكبر عالمياً من حيث قدرة النقل، ومستويات الجهد، ودمج الطاقة المتجددة، وسجل السلامة التشغيلية. بحلول 2030، من المتوقع أن تتجاوز قدرة نقل الكهرباء من الغرب إلى الشرق 420 مليون كيلوواط .
فجوة الرقاقات لا تزال قائمة
2% فقط من إنتاج الرقاقات المتقدمة
رغم هذه الميزة الطاقوية الهائلة، لا تزال الصين تواجه تحدياً وجودياً في صناعة الرقاقات. تقرير نيويورك تايمز الأخير (فبراير 2026) يكشف أن الشركات الصينية ستنتج هذا العام 2% فقط من الرقاقات المتقدمة مقارنة بالشركات الأجنبية .
تيم فيست، مدير في معهد التقدم بواشنطن، يضيف أن الفجوة في رقاقات الذاكرة أوسع: الشركات خارج الصين ستنتج 70 ضعفاً من سعة تخزين الذاكرة التي ستنتجها الشركات الصينية هذا العام .
الذكاء الفيزيائي.. عندما تتعلم الآلة قوانين المادة وتتحرك كالبشر
هواوي تحتاج عامين إضافيين
هواوي، الراية الصينية في قطاع التكنولوجيا، تعترف بأنها تحتاج إلى ما يقرب من عامين إضافيين لإنتاج رقاقات تضاهي أداء منتجات إنفيديا الحالية. هذا التأخير يعود بشكل رئيسي إلى القيود الأميركية التي منعت الشركات الصينية من شراء معدات الطباعة الضوئية المتطورة من شركة ASML الهولندية .
طريق بديل: الحوسبة العنقودية
للتغلب على نقص الرقاقات المتطورة، تتجه الشركات الصينية إلى حل مبتكر: ربط آلاف الرقاقات الأقل كفاءة في مجموعات حوسبة عملاقة. هذا ما تسميه الحكومة الصينية “مجموعات الحوسبة الذكية” .
تشيبو إيه آي (Zhipu AI) أعلنت الشهر الماضي أنها بنت أحدث نماذجها بالكامل باستخدام رقاقات وبرمجيات هواوي. لكن هذه الكفاءات لا تزال محدودة، ولا تحل مشكلة الحاجة الهائلة للرقاقات .

بين نارين.. استراتيجية التكامل
معادلة صعبة
تواجه الصين معادلة صعبة: من ناحية، تمتلك ميزة طاقوية هائلة قد تكون حاسمة في المدى الطويل. من ناحية أخرى، تعاني فجوة حادة في الرقاقات المتطورة تعيق تقدمها في السباق التكنولوجي.
لين بوتشيانغ، مدير معهد دراسات سياسات الطاقة بجامعة شيامن، يرى أن المنافسة في الذكاء الاصطناعي تتحول إلى “معركة حوسبة كثيفة الاستهلاك للطاقة”. قدرة الصين على نشر بنية تحتية ضخمة للطاقة بتكلفة منخفضة قد توفر التفافاً استراتيجياً حول عقوبات الرقاقات .
نظرة مستقبلية
برنشتاين محلل أشباه الموصلات لين تشينغيوان يعتقد أن الميزة الطاقوية للصين تمنحها قدرة على البقاء في السباق رغم نقص الرقاقات. يقول: “كلما طال أمد سباق الذكاء الاصطناعي، زادت فرص الصين في تقليص الفجوة” .
كما لاحظ هوانغ جينشون، الرئيس التنفيذي لإنفيديا، في تصريح سابق أن “الصين ستنتصر في سباق الذكاء الاصطناعي”، مستنداً إلى بيئتها التنظيمية الأكثر ملاءمة وتكاليف الطاقة المنخفضة .
الكهرباء سلاح طويل المدى
ما تمتلكه الصين اليوم ليس مجرد كهرباء رخيصة، بل استراتيجية متكاملة تربط بين الطاقة والتكنولوجيا. بينما تركز أميركا على سباق الرقاقات، تراهن بكين على أن المعركة النهائية ستكون لمن يمتلك القدرة على تشغيل هذه الرقاقات.
خبير الطاقة ديفيد فيشمان من مجموعة لانتاو الاستشارية يؤكد أن الطاقة لن تكون عائقاً أمام تطور الذكاء الاصطناعي في الصين . في المقابل، تواجه أميركا أزمة وشيكة قد تجعل جزءاً من رقاقاتها المتطورة عاطلة عن العمل لعدم توفر الكهرباء الكافية.
المعادلة الصينية واضحة: طالما استمر سباق الذكاء الاصطناعي، ستزداد أهمية الطاقة. وفي هذا المجال، تمتلك الصين ما لا تمتلكه أي دولة أخرى: كهرباء رخيصة، بنية تحتية متطورة، واستراتيجية دولة طويلة المدى. السؤال الوحيد: هل ستكون هذه الميزة كافية لتعويض الفجوة في الرقاقات قبل أن تحقق أميركا اختراقات طاقوية مماثلة؟
اخبار تك – وكالات انباء + مواقع اخبارية صينية وعالمية