الذكاء الاصطناعي

تحت المجهر.. اتهامات بـ”سرقة الإبداع البشري” تطال أغنياء العالم الجدد

🗓️ 15 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 5 دقائق للقراءة

وكالات وعواصم – أخبار تك

عندما يتحول الإبداع البشري إلى وقود للثروات

مع إعلان مجلة فوربس عن قائمة أثرياء العالم لعام 2026، والتي كشفت عن ثروات قياسية غير مسبوقة لأقطاب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، عاد الجدل الأخلاقي ليشتعل من جديد حول المصدر الحقيقي لهذه الثروات. بينما يحتفل إيلون ماسك بثروته الخيالية التي تجاوزت 839 مليار دولار، ويتصدر جينسن هوانغ قائمة العشرة الأوائل لأول مرة بثروة 154 مليار دولار، يرفع كتّاب ومفكرون وأدباء حول العالم أصواتهم متهمين عمالقة الذكاء الاصطناعي بـ “سرقة الإبداع البشري” والسطو على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين عبر العصور.

هذه الاتهامات لم تأتِ من فراغ. فقد خرجت أصوات مرموقة من مختلف أنحاء العالم لتوثيق هذه “السرقة المنظمة” التي تقف وراء بناء إمبراطوريات الذكاء الاصطناعي. من اتحاد الناشرين الألمان إلى مؤسس ويكيبيديا، ومن الكتاب الحائزين على جائزة بوليتزر إلى المفكرين والنقاد، الجميع يتفق على أن ما يحدث هو “أكبر عملية سرقة بيانات في التاريخ” .

كاثرين شميت-فريدريش.. “أكبر عملية سرقة بيانات في التاريخ”

في تصريحاتها الأخيرة، لم تترك كاثرين شميت-فريدريش، رئيسة اتحاد الناشرين الألمان (Börsenverein des Deutschen Buchhandels)، مجالاً للشك. وصف رئيسة اتحاد يضم أكثر من 4000 دار نشر ومكتبة في ألمانيا ممارسات شركات الذكاء الاصطناعي بأنها “أكبر عملية سرقة بيانات في التاريخ”، مشيرة إلى أن أصحاب المليارات يسيطرون على الخوارزميات التي تحدد ما يقرأه الناس، ويستخدمون في الوقت نفسه إبداعات البشر لتدريب نماذجهم دون أي تعويض .

شميت-فريدريش ليست الوحيدة في هذا الموقف. ففي وقت سابق، وقعت 42 جمعية ونقابة ألمانية تمثل أكثر من 140 ألف مؤلف وفنان على رسالة تطالب الاتحاد الأوروبي بتشديد قواعد الذكاء الاصطناعي، محذرين من أن “الاستخدام غير المصرح به لمواد التدريب المحمية، ومعالجتها غير الشفافة، والاستبدال المتوقع للمصادر بمخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تثير أسئلة أساسية حول المساءلة والمسؤولية والتعويض” .

هانغتشو: مؤتمر الروبوتات والتحولات التكنولوجية

جيمي ويلز.. ويكيبيديا ليست وقوداً لأثرياء السيليكون

في مقابلة حديثة مع شبكة بلومبرغ، كشف جيمي ويلز، مؤسس ويكيبيديا، عن حجم المشكلة التي تواجهها المنصة غير الربحية بسبب زحف روبوتات الذكاء الاصطناعي. وقال ويلز: “جميع روبوتات الذكاء الاصطناعي التي تسحب محتوى ويكيبيديا تكلفنا الكثير من المال. والمتبرعون لنا لا يتبرعون لدعم سام ألتمان، إنهم يتبرعون لمساعدة ويكيبيديا” .

ويلز شدد على أن شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة يجب أن تستخدم المنتج المدفوع ويكيميديا إنتربرايز (Wikimedia Enterprise) بدلاً من استنزاف موارد المنصة. وأضاف: “الأمر ليس عدلاً على الإطلاق. يجب أن تدفع لأنك تكلف المتبرعين لدينا الكثير من المال” .

هذا الموقف يتسق مع تصريحات سابقة لويلز حذر فيها من محاولات استبدال المعرفة البشرية بالذكاء الاصطناعي، واصفاً مشروع “جروكيبيديا” الذي أطلقه إيلون ماسك بأنه سيرتكب “أخطاء هائلة”، مؤكداً أن النماذج اللغوية الكبيرة “ليست جيدة بما يكفي لكتابة مقالات موسوعية” .

مارينا هايد.. سام ألتمان سارق الحقوق

في مقال لاذع نشرته صحيفة الغارديان في أكتوبر 2025، هاجمت الكاتبة البريطانية الشهيرة مارينا هايد (Marina Hyde) سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، واصفة إياه بأنه “الرجل الذي سرق الحقوق من أصحاب الحقوق” .

هايد سخرت من ازدواجية المعايير التي تتبناها شركات الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن شعار أوبن إيه آي الحقيقي يجب أن يكون “سنفعل ما نريد وستسمحون لنا بذلك” . وأضافت: “أمضى سام وقتاً في التذمر من احتمال أن تكون نماذج ديب سيك قد دربت على محتوى أوبن إيه آي، ولكن يبدو أن آخر كيان على وجه الأرض يملك الحق في محاربة سرقة الذكاء الاصطناعي هو أوبن إيه آي نفسه” .

كاريرو يرفض تسوية “بثمن بخس”

في ديسمبر 2025، رفع الصحفي الاستقصائي الحائز على جائزة بوليتزر جون كاريرو (John Carreyrou)، الذي قام بنشر فضيحة شركة ثيرانوس، دعوى قضائية ضد ست من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي: غوغل، إكس إيه آي، أوبن إيه آي، ميتا، أنثروبيك، وبيربليكسيتي .

كاريرو وخمسة مؤلفين آخرين اتهموا هذه الشركات بـ “قرصنة الكتب المحمية بحقوق النشر” وتغذيتها لنماذج اللغات الكبيرة دون إذن أو تعويض. الأهم أنهم اختاروا رفع دعوى فردية وليس جماعية، لأن الدعاوى الجماعية تسمح للشركات بالتفاوض على تسويات “بأسعار بخسة” .

في الإفادة، وصف المحامون كيف أن شركات الذكاء الاصطناعي قامت بتنزيل نسخ مقرصنة من الكتب من “مكتبات الظل غير القانونية” مثل LibGen وZ-Library وOceanofPDF، مما خلق ما أسموه “دورة واضحة من الانتهاك: الاستحواذ المقرصن، تدريب النموذج، والتسويق التجاري” .

من واشنطن.. مسؤول أميركي يصف أنثروبيك بـ”أكبر لص”

في تطور لافت، خرج مسؤول حكومي أميركي كبير ليتهم إحدى كبرى شركات الذكاء الاصطناعي بالسرقة. في 27 فبراير 2026، نشر إميل مايكل، وكيل وزارة الدفاع للبحث والهندسة، تغريدة (تم حذفها لاحقاً) يهاجم فيها شركة أنثروبيك، قائلاً: “لم يكن هناك لص أكبر للمعلومات العامة والهوية الأميركية وأعمال المبدعين من أنثروبيك” .

مايكل، الذي شغل سابقاً منصب نائب الرئيس في أوبر والرئيس التنفيذي لشركة كلوت، أضاف عبارة دالة: “ابحث عن الدعاوى القضائية”، في إشارة إلى الدعاوى المتعددة التي تواجهها الشركة بتهمة انتهاك حقوق النشر .

الذكاء الاصطناعي وحرب إيران: كواليس “الغضب الملحمي”

جاك دورسي يثير الجدل باقتراح “حذف قانون الملكية الفكرية”

في سياق متصل، أثار جاك دورسي، المؤسس المشارك لتويتر، جدلاً واسعاً في أبريل 2025 بتغريدة قال فيها “احذفوا كل قوانين الملكية الفكرية” . المفارقة أن الشركتين اللتين يمتلكهما دورسي (إكس وبلوك) تمتلكان مجتمعتين أكثر من 4600 براءة اختراع حية و220 علامة تجارية مسجلة .

هذا الموقف يعكس ازدواجية المعايير في عالم التكنولوجيا، حيث تسعى الشركات لحماية ملكيتها الفكرية بينما ترفض الاعتراف بحقوق الآخرين. كما لاحظت مجلة Patent Lawyer، “القول بأنك ضد الملكية الفكرية وأنت تملك آلاف براءات الاختراع هو موقف يصعب تبريره” .

من يدفع ثمن طفرة الذكاء الاصطناعي؟

الأرقام التي كشفتها قائمة فوربس مثيرة للإعجاب: 86 مليارديراً يدينون بثرواتهم للذكاء الاصطناعي، 45 منهم انضموا إلى القائمة خلال العام الماضي فقط. لكن خلف هذه الأرقام، يبقى السؤال الأخلاقي مفتوحاً: من دفع ثمن هذه الثروات؟

المفكرون والأدباء والكتاب والعلماء العباقرة الذين أمضوا عقوداً في إنتاج المعرفة التي تغذي نماذج الذكاء الاصطناعي، لم يحصلوا على شيء. الناشرون الذين استثمروا في نشر الأعمال الفكرية، يجدون أنفسهم مضطرين للتقاضي للحصول على حقوقهم. والمجتمعات التي ساهمت في بناء هذا المخزون المعرفي الهائل، ترى ثماره تتحول إلى ثروات خاصة في أيدي عدد قليل من المليارديرات.

كما علقت مارينا هايد بسخرية: “إذا كانت نماذج ألتمان تستطيع التعلم، فلماذا لا نستطيع نحن؟” . ربما يكون السؤال الأهم: كيف يمكن للمجتمع أن يستفيد من ثورة الذكاء الاصطناعي دون أن يتحول الإبداع البشري إلى مجرد وقود رخيص لصناعة التريليونات؟

“أخبار تك”