الذكاء الاصطناعي
“الشرق الأوسط 2026: هل سيكون الذكاء الاصطناعي صديقك في العمل أم بديلاً عنك؟”
إعداد: فريق “أخبار تك”
في خضم الثورة التكنولوجية العالمية، يقف سوق العمل في الشرق الأوسط على مفترق طرق مصيري مع حلول عام 2026. لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً تقنياً أو موضة عابرة، بل تحول إلى قوة اقتصادية هائلة تعيد رسم ملامح الوظائف والمهارات المطلوبة.
هذا التحقيق الاستقصائي يغوص في أرقام وتفاصيل هذه الظاهرة، مسلطاً الضوء على الفرص والمخاطر التي تنتظر الملايين في المنطقة، استناداً إلى أحدث التقارير الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والبنك الدولي، وبيانات شركات الأبحاث العالمية.
التحولات الكبرى: من التهديد بالاستبدال إلى خلق الفرص
خلافاً للسردية السائدة التي تركز على فقدان الوظائف، تشير أحدث البيانات العالمية إلى صورة أكثر تعقيداً. ففي الوقت الذي يتسبب فيه الذكاء الاصطناعي في إلغاء بعض الأدوار التقليدية، فإنه يعمل كمحرك رئيسي لخلق فرص عمل جديدة تماماً.
حيث كشف تقرير “مستقبل الوظائف 2025” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن الاضطراب سيصيب 22% من الوظائف بحلول عام 2030 على مستوى العالم، مع توقع إلغاء 92 مليون وظيفة، مقابل خلق 170 مليون وظيفة جديدة، أي بزيادة صافية تبلغ 78 مليون فرصة عمل .
هذا الرقم يعيد صياغة النقاش من “هل سيسلبني الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟” إلى “كيف يمكنني التأقلم مع الوظائف الجديدة التي سيخلقها؟”.
في الشرق الأوسط، حيث تتسارع وتيرة التحول الرقمي في إطار رؤى وطنية طموحة مثل رؤية السعودية 2030، يُتوقع أن يكون تأثير هذه التحولات عميقاً. فالبنك الدولي رفع توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 2.8% في 2026، مدفوعاً بقوة النشاط التجاري في دول الخليج، خاصة في القطاعات غير النفطية التي تعتبر الأكثر استفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي .
القطاعات الأكثر تأثراً في المنطقة: من يربح ومن يخسر؟
من خلال تحليل التقارير العالمية وربطها بواقع المنطقة، يمكننا رسم خريطة للقطاعات الأكثر تأثراً في سوق العمل الشرق أوسطي خلال العام المنصرم 2025 والعام الحالي 2026.
الفائزون الكبار: التكنولوجيا والرعاية والتعليم
- وظائف التكنولوجيا المتقدمة: الطلب على الخبرات في مجالات الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات الضخمة، والأمن السيبراني يشهد نمواً متفجراً. لم تعد هذه المهارات حكراً على شركات التقنية فحسب، بل تغلغلت في القطاع المصرفي، النفطي، وحتى الحكومي.
- يشير التقرير إلى أن التقدم في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والهندسة البيئية سيزيد الطلب على هذه الأدوار المتخصصة .
- القطاعات الأساسية (الرعاية والتعليم): على عكس المتوقع، فإن وظائف الخدمات الأساسية مثل التمريض والتعليم ستشهد أكبر زيادة في الطلب بحلول 2030، مدفوعة بالتحولات الديموغرافية . في منطقة يعاني بعضها من نزيف سكاني وفي أجزاء أخرى من نمو شبابي، يبقى العنصر البشري في هذه القطاعات لا غنى عنه، لكنه سيصبح مدعوماً بأدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة.
الخاسرون: الوظائف الروتينية والإدارية
الوظائف التي تعتمد على المهام المتكررة والقابلة للأتمتة هي الأكثر عرضة للخطر. هذا يشمل بشكل خاص:
- الوظائف الإدارية والمكتبية: كمساعدي الإداريين وأمناء الصفوف.
- وظائف المحاسبة والمراجعة: تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤتمت 64% من مهام المحاسبين في العقد المقبل .
- التصميم الجرافيكي: انضمت هذه الفئة حديثاً إلى قائمة الوظائف المهددة، مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي على إنشاء محتوى مرئي عالي الجودة .
- خدمة العملاء وأمن الصندوق: مع انتشار الروبوتات المحادثة وأنظمة الدفع الذكية.
- خدمات التصميم والبرمجة : مع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي بمهارات فذة وسرعة واتقان كبيرين
- قطاع التأليف والنشر والمراجعة والترجمة : هذا القطاع بقدر ما استفاد من تقنيات الذكاء الاصطناعي إلا ان الاحتفاظ بالوظائف في هذا المجال يشهد منافسة محتدمة من قبل وكلاء الذكاء الاصطناعي .
- وهناك مجالات كثيرة للغاية لا يمكن حصرها في هذا الاستقصاء نظرا لعددها الكبير تأثرت بموجة الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر .
وفي هذا السياق، كشفت دراسة لشركة “بيسكيِل” (Payscale) أن 30% من قادة الموارد البشرية إما يدرسون أو يشرعون بالفعل في استبدال بعض الموظفين بأدوات الذكاء الاصطناعي، وأبرز القطاعات التي تشهد ذلك هي البناء، خدمات الأعمال، التكنولوجيا، والرعاية الصحية . التأليف والنشر ، البرمجة والتصميم والإندزاين…. بحسب ما ورد في الدراسة المنشورة.
فجوة المهارات: التحدي الأكبر أمام شركات المنطقة
ربما يكون الرقم الأكثر إثارة للقلق هو ما يتعلق بفجوة المهارات. يعتبر 63% من أصحاب العمل حول العالم أن فجوة المهارات هي أكبر عائق أمام تحول أعمالهم في مواجهة التغيرات التكنولوجية . وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، حيث القوى العاملة شابة وطموحة، تمثل هذه الفجوة تحدياً وجودياً.
بحلول عام 2030، من المتوقع أن تتغير 40% من المهارات الأساسية المطلوبة في الوظائف . لم يعد الاعتماد على الشهادة الأكاديمية التقليدية كافياً. السوق يبحث عن مزيج فريد:
- المهارات التقنية: إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، والبرمجة.
- المهارات البشرية (أو “الناعمة”): التفكير التحليلي والإبداعي، المرونة، القدرة على التكيف، القيادة، والتعاون. هذه المهارات هي التي ستميز الإنسان عن الآلة في المستقبل المنظور .
هذا التحول يخلق مفارقة غريبة في سوق الرواتب. فبينما ترغب 60% من الشركات في تضمين مهارات الذكاء الاصطناعي في توصيفاتها الوظيفية، فإن 55% فقط منها على استعداد لدفع رواتب أعلى مقابل هذه المهارات . ويعود ذلك جزئياً إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي وسعي الشركات للموازنة بين توقعات الموظفين وقيود الميزانية، بالإضافة إلى ظاهرة “التمسك بالوظيفة” حيث يقل إقبال الموظفين على ترك وظائفهم الحالية، مما يقلل حاجة الشركات للتنافس الشديد على المواهب برفع الرواتب .
2026… عام الحسم في استراتيجيات الاستثمار البشري
يشير تحول طبيعة الصفقات الكبرى في عام 2026 إلى أولويات المرحلة القادمة. لم تعد المعركة على النماذج والخوارزميات فقط، بل على البنية التحتية والمواهب . مشاريع ضخمة مثل “ستارغيت” في الولايات المتحدة، باستثمارات تصل إلى 500 مليار دولار لإنشاء مراكز بيانات، تعكس حجم الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي . وبينما تتركز هذه الاستثمارات عالمياً، فإن دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، تسابق الزمن لتكون مركزاً إقليمياً لهذه البنية التحتية، مما سيخلق آلاف الوظائف المتخصصة في إدارة وتشغيل هذه المرافق.
دراسة حالة: تمكين المرأة كاستراتيجية ذكية لمواكبة التحول
في خضم هذا التحول التقني، يبرع نموذج سعودي فريد. فقد سلط البنك الدولي الضوء على أن السعودية حققت واحدة من أكبر الزيادات العالمية في مشاركة المرأة في القوى العاملة، حيث ارتفع معدل مشاركة المرأة السعودية بنحو 14 نقطة مئوية بين 2017 و2023، مدفوعاً بوظائف القطاع الخاص . هذا التوجه يساهم في توسيع قاعدة المواهب المتاحة وسد الفجوات في سوق عمل متغير. تشير التقديرات إلى أن إزالة المعوقات أمام النساء يمكن أن يعزز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 20 إلى 30% في اقتصادات المنطقة مثل مصر والأردن .
توصيات استراتيجية: خريطة طريق للصمود والازدهار
استناداً إلى المعطيات السابقة، يقدم “أخبار تك” مجموعة من التوصيات للجهات الفاعلة الرئيسية في سوق العمل الشرق أوسطي:
1. للحكومات:
- بناء شبكات أمان اجتماعي ذكية: العمل على توسيع شبكات الأمان الاجتماعي لتشمل برامج إعادة تأهيل وتدريب للعمال المتضررين من الأتمتة، أسوة بالمقترحات المطروحة في الأسواق المتقدمة .
- تحديث المناهج التعليمية: دمج مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والتفكير النقدي في المناهج الدراسية بدءاً من المراحل المبكرة، وليس فقط في التعليم العالي.
2. للشركات:
- الاستثمار في إعادة تأهيل الموظفين: يخطط 77% من أصحاب العمل عالمياً لتطوير مهارات قوتهم العاملة الحالية، وهي نسبة يجب أن تكون أعلى في المنطقة لتعويض فجوة المهارات. الاستثمار في تدريب الموظفين الحاليين هو أقل تكلفة وأكثر استدامة من الاستغناء عنهم ثم محاولة إيجاد بدائل في سوق نادر .
- إعادة تصميم الوظائف: بدلاً من استبدال الموظفين بالكامل، يجب التركيز على “الوظائف الهجينة” التي تجمع بين قدرات الإنسان والذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية .
3. للأفراد (الباحثين عن عمل والموظفين):
- التعلم مدى الحياة: لم يعد التخرج من الجامعة نهاية المطاف. تبني ثقافة التعلم المستمر واكتساب مهارات جديدة، خاصة في المجالات الرقمية، هو الضامن الوحيد للبقاء في السوق.
- صقل المهارات الإنسانية: في عالم تهيمن عليه الآلات، تصبح المهارات الإنسانية (التعاطف، الإقناع، القيادة، التفاوض) هي العملة الأغلى. هذه المهارات هي آخر معقل للإنسان في وجه الأتمتة.
الخلاصة
عام 2026 ليس نهاية العالم كما نعرفه، بل هو بداية فصل جديد في تاريخ العمل. في الشرق الأوسط، تحمل هذه الحقبة وعوداً كبيرة بالنمو والتنويع الاقتصادي، لكنها تحمل أيضاً مخاطر حقيقية بتوسيع الفجوة بين من يمتلكون المهارات الرقمية ومن لا يمتلكونها. المعركة القادمة ليست بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل بين الإنسان الذي يتقن استخدام الذكاء الاصطناعي والإنسان الذي يتخلف عن الركب. ومن الآن يبدأ السباق.
- “استند التقرير أيضاً إلى تحليلات ومتابعات أجرتها “أخبار تك” لعدد من التقارير المنشورة في صحف اقتصادية ومواقع تقنية متخصصة.”