تكنولوجيا
جولة الصحافة الآسيوية : الصين واليابان وكوريا تقودان سباق التكنولوجيا العالمي
تغطية شاملة لأبرز أخبار التكنولوجيا وشركاتها العملاقة من طوكيو إلى سيول مروراً ببكين
شرق آسيا متابعات “أخبار تك”
في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو برشلونة ومؤتمرها العالمي للهواتف المحمولة (MWC 2026)، يواصل عمالقة القارة الآسيوية دفع عجلة الابتكار التكنولوجي بوتيرة متسارعة، لتؤكد مكانتها كمركز ثقل رئيسي في الصناعة التقنية العالمية. منصات الإعلام الآسيوية تعج بأخبار استثمارات استراتيجية، واكتشافات علمية، وقفزات نوعية في قطاعات حيوية تتراوح بين الروبوتات البشرية والفضاء التجاري وأشباه الموصلات والأمن السيبراني.
في هذه الجولة المعمقة، نرصد أبرز ما ورد في الصحافة الصينية واليابانية والكورية خلال الساعات الماضية، وننقل لكم صورة متكاملة عن المشهد التكنولوجي في أقطاب آسيا الثلاثة الكبرى.
الصين – مركز الثورة الروبوتية والطائرات المسيرة تغزو حقول النفط
الصين تقود “الثورة الروبوتية” بأرقام خيالية
تواصل الصين هيمنتها على قطاع الروبوتات البشرية (Humanoid Robots) بأرقام قياسية تعكس حجم الاستثمار الحكومي والخاص في هذا المجال. تقارير إعلامية صادرة عن وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) وشبكة الجزيرة، تشير إلى أن الصين أنتجت نحو 18 ألف روبوت شبيه بالبشر خلال عام 2025، محققة زيادة هائلة تقارب 650% مقارنة بعام 2024 .
هذه القفزة المذهلة لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة نظام بيئي متكامل يضم أكثر من 140 شركة متخصصة أطلقت أكثر من 330 نموذجاً جديداً خلال عام واحد فقط. وتتصدر إحدى الشركات الصينية قائمة الشحنات العالمية بحصة سوقية تصل إلى 39% .
التوقعات تشير إلى أن شحنات الروبوتات الشبيهة بالبشر قد تصل إلى 2.6 مليون وحدة بحلول عام 2035، مما يعزز احتمال أن تتحول هذه التكنولوجيا إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية، من خدمة العملاء إلى العمل على خطوط الإنتاج .
ورغم هذا التقدم السريع، لا تزال الروبوتات تواجه تحديات تقنية، حيث يتراوح أداء بعض النماذج مثل تلك التي تنتجها شركة “يو بي تيك” (UBTech) الصينية بين 30% و50% فقط من أداء البشر في مهام محددة مثل تكديس الصناديق وفحص الجودة. وتعمل الشركات على رفع هذا الأداء إلى نحو 80% خلال السنوات القريبة المقبلة، مع تطوير روبوتات أصغر حجماً وأخف وزناً وأقل تكلفة لتسريع انتشارها في الأسواق .
الطائرات المسيرة تغزو حقول النفط البحرية
في خطوة رائدة نحو دمج اقتصاد الارتفاعات المنخفضة (Low-altitude Economy) مع قطاع الطاقة، أطلقت الشركة الوطنية الصينية للنفط البحري (CNOOC) مشروعاً واسع النطاق لتشغيل الطائرات المسيرة، وهو الأول من نوعه في البلاد، في حقول خليج بيبو النفطية بجنوب الصين .

المشروع، الذي تم تطبيقه على 41 منصة بحرية ومحطتين بريتين، يشكل نظاماً شاملاً لتشغيل الطائرات المسيرة يغطي:
- عمليات فحص خطوط الأنابيب تحت سطح البحر
- خدمات التوصيل اللوجستي
- الاستجابة الأمنية في حالات الطوارئ
وتتمكن هذه الطائرات المسيرة من إجراء عمليات فحص جوية سريعة لأكثر من 500 كيلومتر من خطوط الأنابيب تحت سطح البحر، وتحديد الأعطال بكفاءة مثل التسريبات، وتفعيل بروتوكولات الطوارئ. كما يمكنها المساعدة في عمليات البحث والإنقاذ للسفن المنجرفة والأفراد الذين سقطوا في البحر .
منغ ون بوه، مدير التنسيق في فرع شركة CNOOC، كشف أن هذا التطبيق الصناعي لاقتصاد الارتفاعات المنخفضة أكمل أكثر من 3600 كيلومتر من دوريات الطائرات المسيرة وعمليات نقل المواد الصغيرة. وأوضح أن الشركة، من خلال استبدال بعض القوارب التقليدية والمروحيات بنظام النقل الجوي، قادرة على توفير ما يقارب 15 مليون يوان (حوالي 2.17 مليون دولار أمريكي) سنوياً في تكاليف استئجار السفن والوقود، مع خفض انبعاثات الكربون بمقدار 25 ألف طن .
بكين تدعم الابتكار بـ”التأمين على التكنولوجيا”
في إطار جهود أوسع لتعزيز الاعتماد على الذات في المجال التكنولوجي، أصدرت الصين مبادئ توجيهية جديدة لتسريع التنمية عالية الجودة للتأمين على مجال العلوم والتكنولوجيا .
الوثيقة، التي أصدرتها وزارة العلوم والتكنولوجيا والهيئة الوطنية للتنظيم المالي ووزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات والهيئة الوطنية الصينية للملكية الفكرية، تحدد 20 إجراءً في ستة مجالات تهدف إلى بناء نظام تأمين للعلوم والتكنولوجيا يتواءم بشكل أفضل مع الابتكار التكنولوجي.
وفي عام 2025، وفّر التأمين في هذا المجال 8 تريليونات يوان (حوالي 1.16 تريليون دولار أمريكي) لتغطية المخاطر، مع ارتفاع أقساط التأمين بنسبة 44% على أساس سنوي. وتدعو المبادئ التوجيهية الجديدة إلى تحسين آليات تقاسم المخاطر فيما يتعلق بالاختراقات التكنولوجية الكبرى، وتعزيز الدعم التأميني للقوى التكنولوجية الاستراتيجية الوطنية .
الشركات الصينية تحافظ على جدارة ائتمانية عالية
حافظت الشركات الصينية على مستوى عام جيد من الجدارة الائتمانية في يناير الماضي، وفقاً لما أفادت به الهيئة الوطنية لتنظيم السوق. وبلغ مؤشر ائتمان الشركات الصينية 161.79 في يناير، متراجعاً بشكل طفيف بمقدار 0.53 نقطة على أساس شهري، لكنه ظل ضمن نطاق مرتفع، ما يشير إلى استمرار الأداء الإيجابي للجدارة الائتمانية للشركات .
اليابان – ثورة الفضاء التجاري وروبوتات فحص قطارات “ماجليف”
رائدات الفضاء اليابانيات يقودن ثورة الحطام الفضائي
في مشهد يعكس تحول اليابان نحو الابتكار في قطاع الفضاء التجاري، تتصدر رائدات الأعمال اليابانيات مشهد تطوير حلول متطورة لمشكلة الحطام الفضائي المتفاقمة .
إيتو ميكي، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة “أستروسكيل جابان” (Astroscale Japan Inc)، تقود مهمة “ADRAS-J”، وهو مشروع فريد من نوعه عالمياً، يتم بالشراكة مع وكالة الفضاء اليابانية “JAXA”. وقد نجح المشروع في الاقتراب من الحطام الفضائي لمسافة لا تتجاوز 15 متراً، استعداداً لإزالته على نطاق واسع .
وتحذر إيتو ميكي من أن الحطام الفضائي ينتقل بسرعة تفوق سرعة القطار الفائق السرعة بمئة مرة، مما يهدد خدمات حيوية على غرار نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والخدمات المصرفية التي تعتمد بشكل متزايد على تكنولوجيا الفضاء .
في الوقت ذاته، تعمل كوراهارا نايومي، التي شاركت في تأسيس شركة “إنفوستيلار” (Infostellar Inc)، على “إضفاء طابع ديمقراطي” على قطاع الفضاء. حيث تتيح منصتها البرمجية مشاركة المحطات الأرضية لخفض التكاليف أمام الشركات الصغيرة، مما يفتح الطريق أمام الجيل القادم من اقتصاد الفضاء .
اليابان تطوّر روبوتاً بالذكاء الاصطناعي لفحص قطارات “ماجليف”
في إطار سعيها لتحسين كفاءة وسلامة أنظمة النقل فائقة السرعة، تعاونت شركة سكك حديد وسط اليابان مع شركة سوزوكي موتور وشركة تابعة لـشركة باناسونيك هولدينجز لتطوير جهاز مُزوّد بتقنية الذكاء الاصطناعي لفحص أنظمة القطارات المغناطيسية المعلقة أو “ماجليف” (Maglev) .
الجهاز الجديد يستخدم كاميرا لفحص أنظمة القطارات المغناطيسية المعلقة في المناطق النائية، ويحلل الصور، ويُصدر تنبيهات في حال وجود أي خلل. هذا التطوير يأتي في إطار استراتيجية أوسع لدمج الروبوتات في عمليات الصيانة والتشغيل.
توري أكيهيكو من شركة سكك حديد وسط اليابان، علق قائلاً: “يُجيد كل من البشر والروبوتات أداء مهام مُختلفة ونسعى إلى تقسيم المهام باستخدام الروبوتات لتحسين جودة العمل وكفاءته وخفض التكاليف” .
يُذكر أن القطار المغناطيسي المعلق فائق السرعة، الذي يطفو فوق القضبان باستخدام مجالات كهرومغناطيسية قوية، قد سجل رقماً قياسياً عالمياً بسرعة 603 كم/ساعة في عام 2015، ومن المتوقع أن تدخل هذه القطارات الخدمة التجارية في اليابان خلال السنوات القادمة .
كوريا الجنوبية – استثمارات ضخمة في مراكز البيانات وأزمة في إدارة العملات المشفرة
تحالف عالمي لبناء مراكز بيانات عملاقة في كوريا
في أخبار حصرية من وكالة رويترز، تستعد ثلاثة من كبرى شركات التكنولوجيا في العالم – أوبن إيه آي (OpenAI) وسامسونغ للإلكترونيات (Samsung Electronics) وإس كيه هاينكس (SK Hynix) – لبدء بناء مراكز بيانات ضخمة في كوريا الجنوبية خلال شهر مارس الجاري .
هذا ما أعلنه وزير العلوم الكوري باي كيونغ هون خلال جلسة استماع برلمانية في سيول، مؤكداً أن الشركات الثلاث تستعد للشروع في إنشاء مراكز البيانات داخل كوريا الجنوبية خلال الشهر الحالي. وكانت كوريا الجنوبية قد أعلنت في أكتوبر الماضي أن الشركة الأميركية الناشئة تخطط لتأسيس مشروعات مشتركة مع الشركات الكورية لبناء مركزين للبيانات داخل البلاد، بسعة تشغيلية أولية تصل إلى 20 ميغاواط لكل منهما .
هذه الخطوة تمثل دفعة قوية لطموحات كوريا الجنوبية لتصبح مركزاً إقليمياً للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، خاصة مع الطلب المتزايد على قدرات معالجة البيانات الضخمة التي تتطلبها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ثغرات خطيرة في إدارة العملات المشفرة المصادرة
على الجانب الآخر من المشهد التكنولوجي الكوري، كشفت تقارير إعلامية عن أزمة جديدة تتعلق بالأمن السيبراني وإدارة الأصول الرقمية. فقد تعهد نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد والمالية الكوري، كو يون تشيول، بإجراء مراجعة شاملة وفورية لآليات تعامل الجهات الحكومية مع الأصول الرقمية، وذلك عقب سلسلة إخفاقات كشفت عن ثغرات خطيرة في حفظ وإدارة العملات المشفرة المصادرة ضمن قضايا جنائية وضريبية .
وجاء هذا التحرك بعد انكشاف وقائع فقدان جهات أمنية إمكانية الوصول إلى عملات بيتكوين (Bitcoin) تمت مصادرتها، نتيجة الاعتماد على أمين حفظ خارجي دون امتلاك السيطرة المباشرة على المفاتيح الخاصة، مما أدى فعلياً إلى فقدان التحكم الكامل في الأصول الرقمية محل التحفظ .
وتعكس هذه التطورات حجم التحديات التشغيلية التي تواجه الحكومات في التعامل مع الأصول المشفرة، خاصة في ظل الطبيعة التقنية المعقدة لإدارة المفاتيح الخاصة والمحافظ الرقمية. إذ يتطلب حفظ العملات المشفرة بنية تحتية متخصصة وخبرات تقنية دقيقة لضمان عدم فقدان الوصول أو التعرض للاختراق .
ويتوقع أن تسفر المراجعة الحكومية عن تشديد في إجراءات الحفظ، وربما إنشاء إطار مركزي لإدارة الأصول الرقمية المصادرة، بما يضمن توحيد المعايير وتقليل مخاطر الفقد أو سوء الإدارة مستقبلاً. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتوسع فيه كوريا الجنوبية في تنظيم سوق الأصول الرقمية، وسط تزايد اهتمام المستثمرين والمؤسسات بالعملات المشفرة .
تحليل المشهد – شرق آسيا تقود ثلاثية الابتكار
ثلاثية التكنولوجيا الآسيوية
ما تقدمه الصين واليابان وكوريا اليوم يمثل نموذجاً متكاملاً للتنافس والتكامل في آن واحد:
- الصين تقود ثورة التصنيع والروبوتات والطائرات المسيرة، مع دعم حكومي غير مسبوق وسياسات تأمينية تحمي المبتكرين.
- اليابان تركز على الابتكار في القطاعات عالية القيمة مثل الفضاء والنقل فائق السرعة، مع لمسة إنسانية مميزة تظهر في ريادة النساء لهذه المجالات.
- كوريا الجنوبية تبني البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتستقطب الاستثمارات العالمية، بينما تواجه في الوقت نفسه تحديات تنظيمية جديدة في عالم الأصول الرقمية.
تحديات مشتركة ورؤى متباينة
رغم هذا الزخم الابتكاري، تواجه الدول الثلاث تحديات مشتركة، أبرزها:
- الأمن السيبراني: الحوادث الكورية في إدارة العملات المشفرة تذكر بأهمية بناء أنظمة أمنية متطورة لحماية الأصول الرقمية.
- التكلفة البشرية للتحول التكنولوجي: مع انتشار الروبوتات والذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال حول مستقبل الوظائف التقليدية.
- الاعتماد على الذات: كل الدول الثلاث تسعى لتأمين سلاسل الإمداد التكنولوجية، خاصة في قطاعات مثل الرقاقات المتطورة والفضاء.
شرق آسيا لا تنتظر المستقبل، بل تصنعه
بينما تنعقد المؤتمرات في برشلونة ولاس فيغاس، تواصل آسيا العمل بصمت ولكن بفاعلية لإعادة تشكيل ملامح الصناعة التكنولوجية العالمية. من حقول النفط الصينية التي باتت تعتمد على الطائرات المسيرة، إلى مدار الأرض حيث تقود يابانيات حملة تنظيف الفضاء من الحطام، وصولاً إلى سيول التي تضع الأسس لمراكز بيانات الجيل القادم، المشهد الآسيوي يؤكد أن “مركز ثقل التكنولوجيا” لم يعد يقع فقط على ضفاف المحيط الهادئ، بل يمتد ليشمل بكين وطوكيو وسيول في معادلة جديدة يعاد فيها تعريف معنى الابتكار.
إعداد: “أخبار تك”
وكالات انباء + مواقع إخبارية