الأمن السيبراني
نظام بيدو الصيني ينقذ صواريخ إيران.. كواليس الحرب الإلكترونية في الشرق الأوسط
تقرير – أخبار تك
معركة خفية في الفضاء
بينما تركز أنظار العالم على الضربات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تدور معركة لا تقل شراسة في الفضاء الإلكتروني وفوقه. معركة عنوانها “التشويش على إشارات تحديد المواقع”، حيث تتحول السفن في مياه الخليج إلى مجرد أيقونات على خرائط رقمية في غير مواقعها الحقيقية، وتصبح الطائرات عاجزة عن تحديد مسارها بدقة.
في هذه المعركة الصامتة، يبرز اسم جديد: نظام “بيدو” الصيني، الذي يبدو أنه غيّر قواعد اللعبة بشكل جذري، وانتشل إيران من دائرة التشويش التي كانت تعاني منها في حربها السابقة مع إسرائيل صيف 2025 .
شلل رقمي في مياه الخليج
أكثر من 1650 سفينة تحت رحمة التشويش
مع اندلاع الحرب في 28 فبراير، بدأت مشاهد غريبة تظهر على شاشات مراقبة الملاحة البحرية. سفن ضخمة في مياه الخليج ومضيق هرمز كانت تشير مواقعها إلى أنها على اليابسة، في مطارات، أو حتى في مناطق عسكرية مغلقة. ما كان يحدث هو تشويش واسع النطاق على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) .
بحسب بيانات شركة Windward المتخصصة في تحليلات الشحن، تعرضت أكثر من 1650 سفينة لتشويش أو تلاعب في إشارات الملاحة في 7 مارس الجاري، بزيادة قدرها 55% مقارنة بالأسبوع السابق . شركة Lloyd’s List Intelligence سجلت 1735 حادثة تشويش أثرت على 655 سفينة في الأيام الأولى من الحرب فقط .
ميشيل ويز بوكمان، المحللة البارزة في Windward، وصفت المشهد بـ”المروع”، مشيرة إلى أن السفن تظهر على الخرائط في دوائر هندسية غير طبيعية تماماً، أو حتى في مواقع ثابتة على اليابسة .
لماذا السفن دون الطائرات؟
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تتأثر السفن بهذا التشويش بينما تستمر العمليات العسكرية بسلاسة؟ الإجابة تكمن في قدم التقنية. معظم السفن التجارية تعتمد على إشارة “إل1 سي/إيه” (L1 C/A) المدنية القديمة، التي تعود إلى مطلع التسعينيات، وهي الأسهل تشويشاً. بينما تستخدم الهواتف الذكية الحديثة نطاقين تردديين أحدهما أحدث وأقوى، كما أنها تتلقى إشارات من أنظمة متعددة: GPS الأمريكي، وغاليليو الأوروبي، وغلوناس الروسي، وبيدو الصيني .
تود همفريز، أستاذ في جامعة تكساس في أوستن، يوضح: “لا تستطيع العديد من السفن الانتقال إلى نظامي بيدو أو غاليليو إذا تعرضت إشارة GPS للتشويش، لأنها لا تملك الأجهزة اللازمة لاستقبال هذه الترددات”.
اختراق أعلى هرم السلطة: كيف قادت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتجسس السيبراني لـ”استهداف قيادة”إيران”؟
تقنية التلاعب الأخطر
إلى جانب التشويش البسيط، هناك تقنية أكثر خطورة تُسمى “التلاعب” (Spoofing)، حيث يتم إرسال إشارات كاذبة تخدع أجهزة الاستقبال وتجعلها تظن أنها في موقع مختلف تماماً. هذه التقنية تؤثر بشكل مباشر على نظام التعريف الآلي للسفن (AIS)، وهو النظام الذي يسمح للسفن برؤية بعضها وتجنب الاصطدامات. السفن التي تخضع للتلاعب قد ترسل مواقع خاطئة، مما يخلق خطر تصادم حقيقي في المياه المزدحمة بمضيق هرمز .
إيران تستعين بالصين.. نظام “بيدو” يغير المعادلة
من الاعتماد على أميركا إلى التحالف مع الصين
في تطور استراتيجي بالغ الأهمية، كشفت تحليلات استخباراتية أن إيران لم تعد تعتمد على نظام GPS الأمريكي في توجيه صواريخها وطائراتها المسيّرة. بدلاً من ذلك، تحولت طهران إلى نظام “بيدو” (BeiDou) الصيني، الذي يوفر دقة أعلى بكثير وحصانة ضد التشويش .
آلان جوييه، المدير السابق للاستخبارات الخارجية الفرنسية، صرح لبودكاست “توكسان” الفرنسي بأن الدقة التي أظهرتها الصواريخ الإيرانية في هذه الحرب تفوق بكثير ما كانت عليه قبل ثمانية أشهر فقط خلال حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل صيف 2025. التفسير الوحيد، برأيه، هو أن إيران أصبحت تستخدم نظام بيدو الصيني .
كيف يعمل بيدو؟
نظام بيدو الصيني يختلف جوهرياً عن GPS في عدة جوانب حاسمة:
- عدد الأقمار: بينما يعتمد GPS على 24 قمراً صناعياً، يمتلك نظام بيدو 45 قمراً، مما يوفر تغطية أكثر كثافة ودقة أعلى .
- إشارة عسكرية لا تُخترق: الإشارة العسكرية من المستوى الثالث (B3A) المستخدمة في بيدو تعتمد على “القفز الترددي المعقد” (Frequency Hopping) و“مصادقة رسائل الملاحة” (NMA)، مما يجعلها محصنة عملياً ضد التشويش والتلاعب. باتريشيا مارينز، المحللة العسكرية في موقع bne IntelliNews، تصف هذه الإشارة بأنها “غير قابلة للتشويش أساساً” .
- دقة تصل إلى متر واحد: دقة نظام بيدو العسكرية تقل عن متر واحد، مقارنة بالدقة التي كانت تحصل عليها إيران سابقاً من إشارات GPS المدنية التي كانت عرضة للتشويش. هذا يعني أن الصواريخ الإيرانية يمكنها الآن استهداف مواقع محددة بدقة متناهية .
- اتصال ثنائي الاتجاه: ميزة فريدة في بيدو هي قدرته على “الاتصال عبر الرسائل القصيرة” (Short Message Communication)، مما يسمح للمشغلين بالتواصل مع الصواريخ والمسيّرات على بعد يصل إلى 2000 كيلومتر أثناء طيرانها، وإعادة توجيهها إذا لزم الأمر .
تحول تدريجي بدأ منذ سنوات
رغم أن الحرب الحالية كشفت عن هذا التحول، إلا أن جذوره تمتد إلى الوراء. تيو نينشيني، الباحث في العلاقات الصينية-الإيرانية بمشروع ChinaMed، يكشف أن إيران وقعت مذكرة تفاهم لدمج نظام بيدو-2 في بنيتها العسكرية عام 2015 .
التنفيذ كان تدريجياً، لكنه تسارع بعد توقيع “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” بين الصين وإيران في مارس 2021، حيث يُعتقد أن الصين منحت إيران حق الوصول إلى الإشارات العسكرية المشفرة للنظام. التحول الكامل اكتمل في يونيو 2025، بعد حرب الـ12 يوماً التي كشفت عن هشاشة الاعتماد على GPS .
من يقف وراء التشويش؟
أصابع اتهام متعددة
لا يوجد تأكيد رسمي حتى الآن عن الجهة المسؤولة عن عمليات التشويش الواسعة في مياه الخليج، لكن المحللين العسكريين يشيرون في عدة اتجاهات:
- إيران: الأكثر ترجيحاً، حيث تستخدم التشويش كأداة لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز وردع أي محاولات لاستهداف سواحلها .
- القوات الأمريكية: تستخدم أنظمة تشويش لحماية قواعدها وسفنها من هجمات المسيّرات والصواريخ الإيرانية .
- مصادر روسية وصينية محتملة: تقارير تشير إلى أن إيران قد تكون حصلت على معدات تشويش متطورة من روسيا أو الصين .
وزارة الدفاع الأمريكية رفضت التعليق على هذه التقارير، قائلة: “لأسباب تتعلق بالأمن العملياتي، لن نعلق على حالة قدرات محددة في المنطقة” .
إسرائيل توسع قيود تصدير الرقاقات إلى الصين وسط تصاعد الحرب التكنولوجية
التداعيات على الملاحة العالمية
مضيق هرمز تحت الضغط
مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من صادرات النفط العالمية، أصبح منطقة شديدة الخطورة. شركات التأمين البحري تدرس رفع أقساط التأمين أو سحب التغطية بالكامل من السفن العابرة للمنطقة. حركة المرور البحرية تباطأت بشكل ملحوظ، وبعض الناقلات فضلت تغيير مسارها بالكامل .
الطيران أيضاً في مرمى الخطر
التشويش لا يقتصر على السفن فقط. في سبتمبر 2025، تأثرت طائرة تقل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين بتشويش على نظام GPS أثناء محاولتها الهبوط في بلغاريا، مما اضطر الطيارين إلى استخدام خرائط ورقية .
بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) تشير إلى زيادة 220% في حوادث فقدان إشارات GPS التي تؤثر على الطائرات بين عامي 2021 و2024 .

حلول بديلة للمستقبل
تقنيات مضادة للتشويش
شركات دفاعية حول العالم تطور حلولاً لمواجهة خطر التشويش. شركة Raytheon UK تنتج نظاماً باسم Landshield، وهو نظام هوائي مضاد للتشويش بحجم قرص الهوكي يمكن تركيبه على مختلف أنواع المركبات .
شركة Advanced Navigation الأسترالية طورت نظاماً يمكنه تحديد موقع المركبة بناءً على قراءات من أجهزة قياس التسارع والجيروسكوبات، أو من خلال مطابقة الصور البصرية بالصور الفضائية، أو حتى تحليل مواقع النجوم في السماء .
متى نتعلم الدرس؟
رامزي فاراغر، مدير المعهد الملكي للملاحة في لندن، يتوقع أن الانتشار المتزايد للتشويش سيقود إلى تطوير بدائل أكثر أماناً. يقول: “قريباً سننظر إلى هذه الحقبة التي نستخدم فيها إشارات GNSS المفتوحة ونفكر: ‘يا إلهي، كنا مجانين، لم يكن هذا قراراً ذكياً'” .
نهاية عصر الهيمنة الأمريكية على الفضاء؟
ما تشهده المنطقة اليوم هو أكثر من مجرد معركة عسكرية تقليدية. إنه تحول استراتيجي في موازين القوى التكنولوجية. إيران أثبتت أنها تعلمت الدرس: الاعتماد على نظام الخصم في توجيه أسلحتك هو انتحار استراتيجي. التحول إلى نظام بيدو الصيني منحها حصانة غير مسبوقة ضد التشويش والتلاعب الإسرائيليين .
كما يعلق المحللون: “الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان تخوضان حرباً على طريقة حرب الخليج 1991، بينما إيران تخوض حرب القرن الحادي والعشرين باستخبارات فضائية وقدرات ذكاء اصطناعي مدمجة في كل سلاح” .
الحرب في الشرق الأوسط أصبحت أول مختبر حقيقي لاختبار قدرات الأنظمة البديلة، والنتائج حتى الآن تشير إلى أن عصر الهيمنة الأمريكية على الفضاء قد يكون انتهى فعلاً.
فريق أخبار تك