الذكاء الاصطناعي

حرب الذكاء الاصطناعي: دولة الشركات وشركات الدول

🗓️ 24 مارس، 2026 ✍️ فريق أخبار تك 9 دقائق للقراءة

تحقيق خاص – “أخبار تك” – 24 مارس 2026

عصر الخوارزميات المسلحة

لم تعد الحرب في القرن الحادي والعشرين تقتصر على الدبابات والطائرات. قبل أسابيع قليلة، استخدمت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) نموذج الذكاء الاصطناعي “كلود” (Claude) من شركة أنثروبيك (Anthropic) في التخطيط للضربات الجوية على إيران. في غضون ساعات، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن الشركة نفسها أصبحت “خطراً على سلسلة التوريد” بسبب رفضها السماح باستخدام نماذجها في المراقبة الجماعية للمواطنين الأميركيين أو تطوير أسلحة ذاتية بالكامل . في الجهة المقابلة، سارعت شركة أوبن إيه آي (OpenAI) إلى توقيع عقد مع البنتاغون دون قيود مماثلة .

هذا المشهد المتشابك يكشف عن حقيقة جديدة: حرب الذكاء الاصطناعي لم تعد مقتصرة على تطوير خوارزميات أسرع أو نماذج أكثر دقة. اليوم، هناك جبهتان تتشكلان في وقت واحد: حرب بين الدول على الهيمنة التكنولوجية والأمن القومي، وحرب بين الشركات على المعايير الأخلاقية والقدرة التنافسية. في هذا التحقيق، نرصد أبعاد هاتين الجبهتين وتداخلهما الخطير.

حرب بين الدول – السيادة الرقمية والسباق نحو “القوة الثالثة”

1. التحول من سباق الشركات إلى سباق الدول

وفقاً لتحليل صادر عن شركة الاستثمار ويدبش (Wedbush Securities) في يناير 2026، فإن المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي تحول من منافسة بين عمالقة التكنولوجيا إلى “منافسة عالية المخاطر بين الدول القومية” . الدافع الرئيسي هو الحاجة إلى الاستقلال الاستراتيجي (Strategic Autonomy) والفكاك من سلاسل التوريد العالمية المتقلبة، مما أدى إلى ظهور عصر جديد يسمى “الذكاء الاصطناعي السيادي” (Sovereign AI) .

الدول لم تعد راضية بأن تكون مستهلكاً للتكنولوجيا التي تطور في وادي السيليكون أو بكين. اليوم، تبني “حصوناً رقمية” (Digital Fortresses) تحمي مصالحها الاقتصادية والأمنية من خلال استثمارات ضخمة في تصنيع الرقاقات المحلية، وتأمين مجموعات ضخمة من وحدات معالجة الرسوميات (GPU)، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي محلية تعكس لغاتها وقيمها .

2. اليابان: استعادة عرش الرقاقات

اليابان، التي هيمنت على صناعة الرقاقات في الثمانينيات، أعلنت عن ضخ تريليون ين (7 مليارات دولار) إضافية في مشروع رابيدوس (Rapidus) لتحقيق الإنتاج الضخم لرقاقات 2 نانوميتر بحلول 2027 . دمجت اليابان أول أنظمة الطباعة الضوئية بالحزمة البالغة الدقة (EUV) من ASML في منشآتها في هوكايدو، ووقعت شراكة مع سوفت بنك (SoftBank) وإنفيديا (Nvidia) لنشر منصة غريس بلاكويل (Grace Blackwell) لتوسيع القدرة الحاسوبية المحلية إلى أكثر من 25 إكسافلوبس .

3. الهند: “الحصان الأسود” بمنطق الوسيط المحايد

الهند، التي تصفها تقارير دولية بأنها “الحصان الأسود في سباق المركز الثالث” ، تسير بخطى متسارعة عبر استراتيجية مختلفة: جذب استثمارات عمالقة التكنولوجيا (مايكروسوفت، غوغل، أمازون، وأوبن إيه آي) عبر إعفاءات ضريبية لمدة 20 عاماً، وخطط لجذب استثمارات بقيمة 200 مليار دولار في مراكز البيانات . الميزة الهندية: الحياد الجيوسياسي، حيث يمكنها أن تكون وسيطاً مستقلاً بعيداً عن الهيمنة الأميركية أو الصينية، مما يجذب الطلب من الدول النامية والشركات العالمية التي تبحث عن “ملاذ آمن” .

رئيس الوزراء ناريندرا مودي (Narendra Modi) قال في قمة التأثير في الذكاء الاصطناعي (AI Impact Summit) في نيودلهي في 19 فبراير: “يجب إضفاء الطابع الديمقراطي على الذكاء الاصطناعي. الهند ستصمم وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة البشرية جمعاء” .

4. كندا وأوروبا: نهج المنفعة العامة والتنظيم

كندا، بدورها، تبنت نهجاً فريداً بالتركيز على البنية التحتية العامة للذكاء الاصطناعي، حيث خصصت الحكومة 3 مليارات دولار كندي لإنشاء منشأة حاسوبية فائقة مملوكة للحكومة، توفر للجامعات والشركات الصغيرة والمتوسطة إمكانية الوصول المدعوم إلى رقاقات إنفيديا H200 وBlackwell .

أوروبا، بقيادة المملكة المتحدة، تتبنى نهج “السلامة كأولوية” ، حيث أنشأت أول معهد وطني لسلامة الذكاء الاصطناعي في العالم، وتعمل من خلال قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) كمركز للتنظيم والمعايير العالمية .

أستاذ كيم جونغ هو (Kim Jeong-ho) من معهد كوريا المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST) قال: “النظام الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين يخلق معضلات للدول حول العالم. بما أن أي دولة لم تثبت المركز الثالث بعد، فإن المنافسة على الهيمنة الثالثة – غير المنحازة للولايات المتحدة أو الصين – ستستمر في المستقبل المنظور” .

حرب بين الشركات – كلود ضد البنتاغون

1. المعركة الأخلاقية التي هزت وادي السيليكون

في فبراير 2026، تصاعدت حرب لم تكن متوقعة بين شركة أنثروبيك (Anthropic) ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). الشركة، التي طورت نموذج “كلود” (Claude) الذي يعتبره الكثيرون الأفضل حالياً في المهام المعقدة، رفضت السماح باستخدام نموذجها في “المراقبة الجماعية للمواطنين الأميركيين” أو “تطوير أنظمة أسلحة ذاتية تفتقر إلى إشراف بشري في حلقة الاستهداف أو الإطلاق” .

داريو أمودي (Dario Amodei) ، الرئيس التنفيذي لـ Anthropic، تلقى إنذاراً من وزير الدفاع بيت هيغسيث (Pete Hegseth) بضرورة إزالة هذين القيدين بحلول الساعة 5:01 من مساء الجمعة (27 فبراير)، وإلا سيواجه الشركة تصنيفاً كـ “خطر على سلسلة التوريد” (Supply Chain Risk) – وهو التصنيف الذي عادة ما يحجز للشركات من دول معادية مثل هواوي الصينية .

2. كلود يستخدم في الحرب رغم الحظر

قبل ساعات من انتهاء المهلة، وبينما كانت أنثروبيك تخوض معركة قانونية ضد البنتاغون، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن القيادة المركزية الأميركية استخدمت نموذج كلود بالفعل في الغارات الجوية على إيران، لأغراض استخباراتية، وتحديد الأهداف، ومحاكاة سيناريوهات المعركة . هذا يعني أن البنتاغون كان يعتمد على كلود رغم أنه كان في طور “طرده” من العقود الحكومية.

3. أوبن إيه آي توقع عقداً بدون قيود

في اليوم نفسه (27 فبراير)، وقّع سام ألتمان (Sam Altman) ، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، عقداً مع البنتاغون لنشر نماذجها على الشبكات المصنفة، دون القيود التي فرضتها أنثروبيك. في منشور على منصة إكس، قال ألتمان: “أعتقد أن أنثروبيك ربما أرادت سيطرة تشغيلية أكبر مما أردنا” ، مضيفاً أن أمودي كان “ربما أكثر تركيزاً على حظر محددة في العقد بدلاً من الاستشهاد بالقوانين السارية” .

ألتمان أشار أيضاً إلى أن المفاوضات في مثل هذه العقود الحساسة يمكن أن تنهار بسرعة بسبب عدة عوامل غير مقصودة، مما قد يكون جزءاً كبيراً مما حدث مع أنثروبيك.

4. ديل يدخل المعركة

مايكل ديل (Michael Dell) ، رئيس شركة ديل (Dell Technologies)، دخل المعركة في الأيام التالية، معلناً موقفاً أقرب إلى ألتمان منه إلى أمودي. قال ديل إن الشركات لا يمكنها إملاء كيفية استخدام حكومة لتقنياتها إذا أرادت العمل مع الحكومة. السيادة الوطنية والجهات السيادية لها الحق في استخدام التكنولوجيا كما تشاء، طالما كان ذلك قانونياً ووفق العقد. “نحن كشركة نبيع فقط للمستخدمين المصرح لهم”، قال ديل في بيان لم يوسع معناه وتداعياته الغامضة .

التداخل الخطير – حرب الإمدادات والمواد الخام

1. الشرق الأوسط يهدد سلسلة توريد الرقاقات

الحرب بين الدول لم تعد مجرد معارك عسكرية؛ إنها تهدد سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي العالمية بشكل مباشر. وفقاً لتحليل من مورنينغستار (Morningstar) نشر في 23 مارس، فإن الحرب في الشرق الأوسط تهدد إمدادات الهيليوم الحيوي في تصنيع الرقاقات. قطر وحدها تمثل أكثر من ثلث إمدادات الهيليوم العالمية، وهو غاز أساسي لإدارة الحرارة في عملية التصنيع. مع استمرار الحرب، قد تتعرض هذه الإمدادات للخطر، مما يضرب قطاع الرقاقات في قلبه .

2. هيليوم وبرومين وألومنيوم في مرمى النيران

إلى جانب الهيليوم، تعد إسرائيل والأردن مسؤولتين عن ثلثي إنتاج البرومين العالمي (مادة أساسية في عملية التصنيع)، بينما توفر المنطقة حوالي 8% من طاقة الألومنيوم العالمية، والتي تعتمد على مضيق هرمز في صادراتها .

مع إعلان عدة منتجين في المنطقة “القوة القاهرة” (Force Majeure) (عدم القدرة على الوفاء بالعقود)، ارتفعت أسعار الألومنيوم إلى أعلى مستوى في أربع سنوات عند 3,544 دولاراً للطن، مع توقعات من بنك “آي إن جي” (ING) بأن تصل إلى 4,000 دولار إذا اشتدت الاضطرابات .

3. أسهم سامسونغ وإس كيه هاينكس تهتز

نتيجة لهذه المخاوف، تأثرت أسهم عمالقة الرقاقات الكورية مثل سامسونغ (Samsung) وإس كيه هاينكس (SK Hynix)، اللتين سجلتا انخفاضاً بنسبة 20% من ذروتهما على خلفية التصعيد. مع أن الشركات الكورية أعلنت أنها تمتلك مخزوناً من الهيليوم يكفي لستة أشهر، فإن أي تمدد للحرب إلى ما بعد منتصف أبريل قد يحول المشكلة من مجرد “خطأ تقريبي” (Rounding Error) إلى أزمة حقيقية، حسب دان آيفز (Dan Ives) من ويدبش .

مستقبل الحرب – ثلاث جبهات متشابكة

1. جبهة التنظيم الداخلي في أميركا

داخل الولايات المتحدة نفسها، تخوض الدول الفيدرالية حرباً مع البيت الأبيض حول من يملك سلطة تنظيم الذكاء الاصطناعي. في ديسمبر 2025، وقع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً يهدف إلى “تقييد أيدي الولايات” من تنظيم الذكاء الاصطناعي، بحجة أن فسيفساء القوانين المحلية تخنق الابتكار . الأمر يوجه وزارة العدل لمقاضاة الولايات التي تسن قوانين “متعارضة”، ويهدد بحجب تمويل الإنترنت الفيدرالي عن الولايات التي تضع قوانين “مرهقة” .

في المقابل، ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك لم تتراجع. كاليفورنيا أصدرت أول قانون سلامة للذكاء الاصطناعي في البلاد (SB 53) في 1 يناير، بينما وقعت نيويورك قانون RAISE في 19 ديسمبر، مما يلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإبلاغ عن الحوادث الأمنية الخطيرة . هذه المعركة القانونية قد تصل إلى المحكمة العليا.

2. جبهة الذكاء الاصطناعي الفيزيائي (Physical AI)

على أرض المعارض، في CES 2026 في لاس فيغاس، تجلت المنافسة الدولية في شكل آخر: الروبوتات البشرية. الصين قدمت عرضاً قوياً مع 149 شركة روبوتات (من أصل 598 في المعرض)، بينما ركزت الولايات المتحدة على الروبوتات الوظيفية (مثل بارستا آلي)، وركزت كوريا الجنوبية على استراتيجية المنصات (Platform Strategy) من خلال هيونداي موتور (Hyundai Motor) وبوسطن ديناميكس (Boston Dynamics) .

هذه ليست مجرد لعبة تقنية. إنها معركة حول من سيسيطر على عمالة المصانع والخدمات في العقد القادم. الصين تهدف لإنتاج 10 آلاف روبوت بشري سنوياً بحلول 2027، بينما تهدف تسلا (Tesla) إلى إنتاج مليون روبوت سنوياً بحلول 2030 .

خلاصة: عندما تصبح الشركات دولاً والدول شركات

ما كشفه هذا التحقيق هو أن حدود “حرب الذكاء الاصطناعي” أصبحت غير واضحة تماماً. إنها حرب بين الدول على السيادة الرقمية وسلاسل التوريد، وفي نفس الوقت حرب بين الشركات على المعايير الأخلاقية وقواعد الاشتباك مع الحكومات. والأخطر من ذلك، أن هذه الجبهات تتداخل: شركة ترفض قيوداً أخلاقية تحل محلها أخرى، ودولة تهدد بقطع إمدادات الهيليوم عن العالم، وأخرى تبني حصوناً رقمية لتحمي نفسها من الجميع.

النقاط الرئيسية التي ستحدد المستقبل:

  • الحياد الجيوسياسي قد يصبح سلعة ثمينة، كما تستثمر فيه الهند وكندا.
  • المواد الخام (الهيليوم، البرومين) ستكون سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الرقاقات نفسها.
  • المعايير الأخلاقية قد تتحول من مبدأ أخلاقي إلى أداة تنافسية، حيث تستخدم الشركات “الخطوط الحمراء” لتمييز نفسها في السوق (أو تخسر عقوداً بمليارات الدولارات بسببها).
  • السيادة الرقمية ستعيد تشكيل التحالفات الدولية، وربما تخلق “عصبة أمم” جديدة من الدول التي تمتلك بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي.

كما لاحظ تقرير إم آي تي تكنولوجي ريفيو (MIT Technology Review) في 23 يناير: “القواعد التي ستكتب في عواصم الولايات قد تحدد كيفية تطور أكثر التقنيات اضطراباً في جيلنا لسنوات قادمة، حتى خارج الحدود الأميركية” .

فريق “أخبار تك”